ثقافة المقال

شجرة التوت

 صفاء عبد السلام فرحات

لم تكن شجرة التوت القابعة على رأس كل حقل من حقول القرية المصرية شجرة عادية في حياة الفلاح, تلك الشجرة التي تفترش أغصانها ليستظل بها الفلاح وقت استراحته والتي شكلت ركنا أساسيا في حياته وغرست فيه من صفات وأخلاق القرية الحميدة ما يصعب وجوده في أي مكان آخر؛ فلا يمكن للفلاح أن يتناول غداءه دون دعوة منه لأشقائه في الحقول المجاورة ليتقاسموا معا طعامهم البسيط الذي يقتصر دائما على “المش والجبن القديم” يعقبه كوبا من الشاي المغلي على نيران هادئة صنعت من “كوالح الذرة” في حالة من السعادة والرضا والحب, ولم يعتاد الفلاحون أن يتشاركوا فقط طعامهم تحت هذه الشجرة وإنما اعتادوا مشاركة بعضهم البعض في كل شئ ما يعني حاليا بالعمل في فريق وذلك عن طريق مشاركة الفلاحين بعضهم البعض في أعمال الحقل الشاقة التي لا يستطيع فردًا واحدًا عملها منفردًا, الكل هنا يعمل بجد ونشاط والجميع يشارك الجميع كل أفراحهم وأحزانهم ما جعل من أواصر الترابط بين أهل القرية أقوى ما تكون منها في أي مكان آخر فالكل هنا شقيق للكل وجميع الصغار ينادون لجميع الكبار بلفظة “أبي فلان” فاحترام الكبير هنا أمر بديهي لذا كان للفلاح تأثيره العميق في الحياة المجتمعية للقرية فنادرا ما تحدث الخلافات بين الأشقاء وإذا ما حدثت فهناك مجلس للكبار يفصل في الخلافات والقضايا المجتمعية الهامة التي تواجه أهل القرية, وتعد كلمة هذا المجلس كلمة فاصلة على الجميع أن يرضى بها دون نقاش.
وعلى الرغم من هذا العمل الشاق في الحقل إلا أنه أيضا عمل ماتع يعشقه الفلاح تماما كعشقه لذرات تراب أرضه التي ارتبط بها منذ نعومة أظفاره حتى أصبحت ملامحه تشبه تماما ملامح تلك الأرض الطيبة, فقد تأصلت روح الإنتماء لديه منذ زمن بعيد, إلا أن هذا الفلاح البسيط لم يتهاون يوما أو يتنازل عن أهدافه وخططه للخروج بأفضل النتائج, فهو عالِم مخضرم في حياته العمليه التي قرر أن يبدأها يوميا مع بداية الفجر –حيث أن التبكير من أهم عوامل النجاح لديه- وفي ظل كل هذه الإنشغالات لم يغفل الفلاح يوما عن فروضه وواجباته نحو ربه, فدائما ما ترتبط مواعيده بمواقيت الصلاة حيث يحرص دائما على أداء صلواته حتى في خضم ذلك العمل الشاق -لقد كان يؤدي صلواته دائما تحت ظل شجرة التوت أثناء مكوثه بالحقل-
وعلى الرغم من وجود بعض السلبيات في المجتمع القروي إلا أن هذه الصفات الحميدة التي سادت القرية واتصف بها هذا الفلاح البسيط إنما هي صفات عظيمة أخذت في التضاؤل بتضاؤل الرقعة الزراعية وغياب الفلاح عن الساحة, وإن كانت في مجملها هي ما يحتاجه المجتمع حاليا حتى يصبح مجتمعا سويا, بل إنها تعد ضمن ما يحاول خبراء تنمية الموارد البشرية تعليمه لمتدربيهم.
وسؤالي هنا: هل يرتبط وجود تلك الصفات والمهارات بوجود الفلاح فقط؟ وهل غياب الفلاح وشجرته وتحول الكثير من القرى من مناطق زراعية إلى مناطق تسودها العشوائية والفوضى السكانية لم يصبح فقط نذير فوضى أخلاقية وإنما أصبح منبعا لها؟!
إن تلك الاسئلة تجعلني أشعر بالعجب عندما يسخر البعض من بساطة الفلاح وجهله ببعض أمور التمدن, دون أن ينتبه للدور العظيم الذي دشنه الفلاح في بناء مجتمعات آمنة مترابطة متقنة جدا لعملها, بل إن معظم الأصول المدنية هي أصول قروية عميقة.
بداخل جعبتي بعض الاقتراحات لعودة تلك الأصول إلا أنني ظننتها جميعا خيالية لذلك سأترك للقارئ الرؤية لاستنباط كيفية تأصيل تلك الصفات من جديد في مجتمعاتنا لعلنا نستطيع.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق