ثقافة المقال

الحكـــّام العرب في ميزان التاريخ (الشــاذلي بن جديد)

بقلم حسين عبروس*

من الصعب أن يكتب المرء عن تاريخ الحكــّام العرب في القرن الماضي وبداية القرن الواحد والعشرون.  فهل يكتب عن خيبتهـم وإحباطهـم وسلطانهـم وسطوتهـم وجبروتهـم، ونزواتهـم ورغباتهـم؟ أم يكتـب عن مواقفهم المشرّفة وغير المشرفة في بناء الوطن العربي. ذلك الوطن الذي ظلّ فترة طويلة يئنّ تحت سطوة الاحتلال من جهة ومن جهة أخرى تحت جبروت وقسوة الحكام. لقد كتب التاريخ بحروف من ذهب سجلات بعض الزعماء العرب في القرن الماضي أمثال الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، والملك القائد فيصل ملك المملكة العربية السعودية والرئيس هواري بومدين، والقائد الفلسطيني ياسر عرفات، والملك محمد الخامس والقائد العراقي صدام حسين والرئيس عبد العزيزبوتفليقة. إنـّها أسماء تغلب عليها ميزة القيادة التي تنطوي على أسرار وصفات أخرى تركها الشعوب.  وتحاول أن تتذكرها فئة على أنـّها قيادات صنعت التاريخ إمـّا تاريخ الوطن، وإمّـا تاريخها الشخصي. ورغم ذلك يظلّ الوطن يحفظ بكل مرارة سلبيات الحكـّام، وحسناتهم.  فقلد اجتمع القادة السابقون على حبّ    الأوطان، وعلى حبّ الشعوب، وعلى حبّ فلسطين. كما اجتمعوا على مقتهم للاستعمار والاحتلال.. فهل تنكر الشعوب في القاهرة (مصر) ذلك الحب الجارف للزعيم الراحل والجماهير تتقاطر من كل حدب وصوب لتوديع الراحل إلى مثواه الأخير؟ وهل تنسى شعوب الوطن العربي والعالم وهي تودع الملك القائد والحكيم فيصل؟ وهل ينكر الشعب الجزائري ذلك اليوم الحزين في تاريخ الجزائر وهم يودعون قائدهم الرمز هواري بومدين. لكن هناك شعوب أخرى في أقاصي الأرض سارت في حناجرها غصّة وهي ترى جنائز قادتها تمر أمام أعينها كما حدث في بعض البلدان العربية. إنّ الأجيال التي لم تعش في فترة أولئك الحكام عرفوا ممن سبقوهم بأنّ أسباب خراب هذا البلد أو ذاك هو الحاكم الراحل أو أن سبب رقيّه وتقدمه هو ذاك الرجل الذي استولى على إرادة الشعب بالقوة أو بمبالغة في نسبة الانتخابات.  ولعلّ الرجل الطيب الشاذلي بن جديد ،الرجل العسكري الذي تدرّج في الرتب والمسؤوليات حتى وصل إلى أعلى هرم السلطة في الجزائر لم يكن يطمع في يوم من الأيام بأن يحكم الجزائر بالقوة والحديد. وإنما  كان بسيطا في كلّ شيء. محبا للجزائر وشعبها وتاريخها. ومهما قيل عنه فإنه أهدى للوطن حق الحرية التي جعلت الشعب الجزائري يخطو خطوة جريئة نحو التعددية الحزبية. ومهما قيل عن استقالته فإنه غادر قصر المرادية في هدوء وصمت وظلّ مدة عشرين سنة لم يقل شيئا يسيء للوطن أو للشعب أو للذين تقلدوا المسؤولية من بعده.   لقد حفظ التاريخ له أنـّه كان رجلا محبّا للسلم والاستقرار في الجزائر وفي الوطن العربي. لقد تغيرت الظروف، وتغيرت الشعوب في الوطن العربي وما تزال تذكر تلك الصفات الخالدة في زعمائها في وحدتهم وتفرقهم، وفي حرصهم على إرساء قواعد العلوم والمعارف والتكنولوجيا، وحرصهم على المحافظة على دفء الكراسي في بعض الأوقات. ومهما كان الحاكم في هذا الزمن فإنّ الأجيال التي عرفت معنى الديمقراطية، ومعنى السياسة ومعنى التداول على السلطة فإنّ الحاكم الخالد هو ذلك الذي يكون قريبا من شعبه محبا لوطنه، صاحب مواقف مشرّفة داخل وطنه أو خارجه. فهل يدرك الحكام الجدد أنّ لا مكانة لحاكم يحكم الأوطان وهو يعتلي دبابات الغزاة، أو يكون صخرة على صدور الشعوب إمّا بالقوة أو بحكم التوريث. فعاش من عرف قدره وعاشت الشعوب التي تدرك المسؤولية اتجاه الوطن من أجل اختيار الحاكم القائد والزعيم الخالد ورحم الله رئيسنا الأسبق الشاذلي بن جديد وأسكنه فسيح جناته.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق