قراءات ودراسات

رغبة الكتابة* للكاتب الفلسطيني ناجي ظاهر.. قصة تنتظر الشمس

بقلم: مي عودة

الحبكة: الحبكة في “رغبة الكتابة” ابتدأت عام 1968، عندما كتب الراوي/ الكاتب قصته الاولى ونشرت في مجلة “الجديد” الحيفاوية التي حملت عنوان “الكلمة الأخيرة”، حيث كتبها عن مدينته، امه وحبيبته. حيث عبر فيها عن مشاعر المحبة الكبيرة لكل هؤلاء. هذا كله بعد عناء القراءة المتواصلة في الليل والنهار والتصدي للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي واجهته.
الشخصيات: الشخصيات هي واضحه .. فقد كان حوار شائق بينه وبين امه – عندما كانت على قيد الحياة، كذلك عندما اتته في منامه عام 2006 (كانت ميته انذاك). الراوي يصف في هذه القصة كل شيء يحدث من حوله حتى ابسط الامور. كذلك امه التي لم تفهم عليه شيئا وتتمنى له ان يكون دائما افضل.
الزمان والمكان: الزمان- الليل (ساعات الليل المتأخرة). المكان- غرفته المليئة بالكتب والقصص.
الصراع: داخلي- صراع بينه وبين نفسه، انه يريد ان يحقق ما يصبو له وما يريد، لكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية منعته من ذلك. فالظروف الاقتصادية منعته من شراء الكتب للتثقيف وحتى كتب صف الأول لم يشترها. كذلك الظروف الاجتماعية فقد اثرت عليه وعلى نفسيته كثيرا لأنه ولد بعد فترة قليلة من تهجير اهله من قريتهم الوادعة سيرين. فمأساة ولادته في الظروف الصعبة كان لها وقع كبير عليه. وكان الطعم في هذا التشريد وولادته في هذه الظروف مرا كالحنظل. فالجميع كان يهتم بموضوع التشريد والانتقال من مكان الى آخر وليس الاهتمام به كطفل صغير بحاجة الى رعاية وانتباه وحب وحنان. وقد شعر بالنقص وبالدفء منذ نعومة اظفاره. بالاضافة الى ذلك فقد حنان الاب، لانه كان بعيدا عنهم اغلب الاوقات بسبب عمله في حيفا.

ناجي ظاهر بريشة الفنان بشار ولد علي

خارجي- الصراع في هذه القصة يكمن بين الراوي وامه. حيث ان الراوي يروي لنا قصته كيف بدأت مسيرته في الكتابه وماذا صادفه من احداث وعثرات. ويوحي الينا ان امه لم تكن مقتنعة بتاتا بالكتابة او حتى بان يصبح صغيرها كاتبا. لاعتقادهاان العمل في الكتابة غير مربح ولا يجدي نفعا. وكأن هدف الكتابة الاساسي هو الربح المادي فقط، وليس التعبير بحد ذاتها. صراع الام هذا جاء بعد العذاب الذي ذاقته من التشرد والتنقل من مكان الى آخر وبُعد زوجها عنها بسبب عمله كي يعيل عائلته. فالكاتب يقارن بين امه التي تحاول ان تسد غيبة الاب واحيانا العمل في اراضي اليهود ونضالها في الحياة. وبين ام جوركي التي اتسع امامها المجال في الحياه.
بالاضافة الى ذلك قد نرى اهمية المكان والصراع الذي يدور بين الراوي وبين المكانين اللذين تولع بهما. تقول د. كلارا شجراوي “ان ناجي ظاهر لم يعش يوما في “سيرين” لكننا نشعر بأنها تعيش فيه ويعيش فيها إلى حد أنه يخاف أن يفقد ارتباطه بها. فقد كانت سيرين بالنسبه له محور عالمه القصصي، وهي بالنسبة له الوطن الضائع والكرامة والحبيه الضائعة”. ويصف ظاهر سيرين قائلا :”انها طفلة باكية في الخيال. احاول دائما ان ازيل دمعتها لكن دون ان افلح. طوال عمري وانا احاول ان ابعث الفرحة الهاربة في عروقها.. وسوف اتابع الى اخر يوم.. انها مسقط راس الاحباء وهي مرابع الطفولة المتخيلة.. انها جذوري وعالمي”.
اما الناصره – يقول عنها “انها تعتبر المكان البديل لسيرين الخالدة. في كل من شوارعها واماكنها الخفية توجد ذكرى ومحبة. هي باختصار عالمي كله ولا اتصور العالم بدونها.. الا خرابا. وهي تقيم فيّ اكثر بكثير مما اقيم فيها. انني صغرّت العالم حتى اصبح الناصرة وكبّرت الناصرة حتى اضحت العالم”. لقد تعلق الكاتب بها كثيرا وحفظ أدق تفاصيلها في الشوارع والمقاهي وحتى الناس هناك.
النهايات: النهاي في هذه القصة مفتوحة، واضحة وصريحة. فالراوي لن يتنازل عن حلمه، وهو يريد ان يكون كما يريد هو وليس كما يريده الاخرون. هذا الحزم والاصرار يدل على قوة الشخصية، الثبات وقوة تحديد وتنفيذ الهدف المطلوب.
اللغة: حافظ ناجي ظاهر في هذه القصة على الكتابة باللغة الفصحى دون ان يستعمل العامية. الكلمات سهلة الفهم. فقد استعمل الوصف الدقيق لما يجري حوله (مثل- يطوي الصفحة، يرسل نظره صامته” وغيرها.. هذا دليل ان كل شيء صغير يفعله له اهمية كبيرة. يجدير بالذكر ان ناجي كتب هذه القصة ايضا بضمير المتكلم.
لقد استعمل التشبيه في المثل ” على الله يطلع من بيت هالمطبلين مزمر”. تشبيه “المطبلين”- بالغير ناجحين. “مزمر”- ناجح/افضل من غيره.
1. سخريته من نفسه self-contempt
“ان الانسان الجميل يبدأ من الداخل الى الخارج وليس العكس، وان من يبدؤون من الخارج انما هم اناس تعساء”. انه يحاول ان يقنع نفسه اولا بان ما بداخله افضل، انقى واجمل مما تراه العين من الخارج لان بداخله انسانا جميلا. فلكل انسان حاجاتة الشخصية التي يريد ان يصل اليها. فقد لا يصل احيانا لاسباب مادية او اخرى مما تصعب عليه الامور لتحقيقه فتصطدم هذه المطالب وتتوقف، فتؤثر عليه نفسانيا او خارجيا. لذلك يفضل ان يكون جميلا من الداخل وليس من الخارج بالرغم من قسوة الحياة التي صادفها. فان المظاهر الخارجية خداعه بالرغم من انها ملفته للنظر اكثر.
تضيف سليم:” إننا أمام مبدع متناقض الصفات والألوان، فلا ابداع بدون ألوان ولا انجاز بدون نفس حيّة نابضة، فلا عطاء بدون ألم، ولا نتاج قيّم بدون محنة حقيقية، فالولادة تأتي من هذا الخضم الهائل من ذات النفس البشرية المتلاحمة والمتناحرة، تنعزل وتنزوي، تداهم ولا تيأس، تصارع ولا تكلّ، تصبو الى الكمال والاستمرار”.
2. سخريته من العائله criticism of familial
لقد سخرت ام ناجي من الكتابة ومن ان ابنها يريد ان يصبح كاتبا فاستعملت المثل العربي باللغه العاميه “على الله يطلع من بيت هالمطبلين مزمر”. “فالمطبلون”- هم الاخوة والاخوات الذين لم يستطيعوا ان يدرسوا ويتقدموا بحياتهم. بسبب الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي واجهتهم. “المزمر”- القصد الشخص الناجح. وهذا بهدف التأكيد انه سوف ينجح ويكون افضل من اخوته ويتقدم عليهم وكأنه يصنع شيئا جديدا مغايرا عن اخوته ليرتقي الى الاعلى.
3. سخريته من المجتمع criticism of social
كانت سخرية الراوي من موضوع اللباس وقيمته تلفت الانتباه. حيث يسخر من اهمية المظهر الخارجي الذي يعطيه المجتمع اهمية اكثر من المظهر الداخلي للشخص. لانه يؤمن ان حسن المظهر من الداخل وليس من الخارج. فالخارج بلا قيمه ولا يوجد علاقة بين الروح الداخلية واللباس. فقد قال: ” اهمية العمق في النظر الى الذات والابتعاد عن القشور التي لا تعني شيئا في النهاية، والاخرى ترى ان الانسان الجميل الخلاق يبدأ من الداخل الى الخارج وليس العكس.. وهذا ما عملت به رغم معارضة الكثيرين طوال ايام عمري غير عابئ بانتقاداتهم وملاحظاتهم.. فقد قالت العرب الانسان باصغريه قلبه ولسانه ولم تقل بملابسه”.
سخر في موضوع اخر عندما قال في قصته :” الناس عند جوركي يقاومون الظلم, لكن الناس حولي مستسلمون له……اليهود اخذوا البلد واخذوا معها راحة البال، لم يخلفوا وراءهم سوى الشقاء”. مفارقة ساخرة حيث المقاومه والمواجهه- هذا يقاوم وهذا يستسلم. فعند جوركي الكل يقاوم ولا يُظلم احد بينما عنده اليهود ظالمون وعائلته مظلومون، لا يستطيعون ان يدافعوا عن نفسهم وعن ارضهم، لذلك يستسلم للواقع المرير هو وعائلته. بانتظار الاشراقة الابدية للشمس الدافئة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

رغبة الكتابة*
قصة: ناجي ظاهر
عام 1963
تدنو منه أمه في الغرفة الجديدة، ماذا تفعل هنا؟ اقرأ، يقول لها، ماذا تقرا؟ تسأله، يرسل نظرة صامتة إليها، ويتابع القراءة. تسأله أمه وهي مولية ألا تريد أن تتناول الطعام؟ بعد قليل يا أمي، بعد قليل.
تنصرف أمه، يواصل القراءة في كتاب ” الأم” يطوي الصفحة تلو الصفحة، يتوقف عند بعض الكلمات يعيد قراءتها لا سيما تلك التي تتحدث عن صمود الأم وثباتها على ارض لا تميد، أم مكسيم جوركي تشبه أمه من العديد من الجوانب، الاثنتان مناضلتان في هذه الحياة، الفرق بينهما أن المجال اتسع أمام أم جوركي وضاق أمام أمه، أمه جاءت مع أبيه وأخويه الأكبرين من قرية سيرين بعد أن طردهم منها اليهود، كم من مرة حكت له عن كفاحها من اجل أن تحافظ على ما تبقى من الحياة.
يواصل القراءة، كم هو معجب بما يقرؤه، يشعر بقدمي أمه تدبان بين الغرفتين، يفتعل عدم رؤيته لها، تدنو منه تضع يدها على رأسه بحنو لا حدود له، ألا تريد أن تتناول الطعام يا ولدي؟ بعد قليل يا أمي، بعد قليل. الساعة متأخرة يا ولدي أخشى أن أنام دون أن أضع لك الطعام، لا تخافي يا أمي لا تخافي، بعد قليل أعدك أن افرغ من القراءة، وان آتي إليك.
يبقى وحده في الغرفة لا يشعر إلا بحركة الحياة تنبعث من الكتاب بين يديه، المقارنات تتواصل، الناس عند جوركي يقاومون الظلم، الناس حوله مستسلمون له، لا حول بيدهم ولا قوة، أبوه يعمل بعيدا عن البيت وأمه تحاول أن تسد الغيبة، أحيانا تعمل في أراضي اليهود، اليهود اخذوا البلد واخذوا معها راحة البال، لم يخلفوا وراءهم سوى الشقاء.
الليل يمضي متقدما دون أن يشعر بأنه في ليل، الكائنات في كل مكان صامتة إلا هو هناك في غرفته هو يقرأ الصفحة تلو الصفحة، حالما بامتلاك عالم ما يقرؤه.
يواصل القراءة. تهل تباشير الفجر، تستيقظ أمه من نومها، يشعر من حركتها تدب في ساحة البيت، تدنو منه مرة أخرى، أما زلت تقرأ منذ مساء أمس؟ لماذا تفعل هذا كله؟ أريد أن أكون كاتبا، يرد عليها بشمم، أريد أن اكتب القصص عنكم وعن عذابكم مع الأيام. تنظر إليه أمه كمن لم يفهم، ماذا تقول ستكتب القصص؟
عام 1968
يكتب قصته الحقيقية الأولى، قبلها كتب الكثير من القصص، ما أن كتب تلك القصة حتى شعر انه وضع قدمه على بداية الطريق، ليس مهما ما يقوله الآخرون، المهم ما نقوله نحن عن أنفسنا، هو شعر بنفسه أصبح كاتبا، أخيرا تمكن من الكتابة عن أمه ومدينته، بل عن حبيبته المتخيلة، لكن ماذا عليه أن يفعل كي يتأكد من انه أصبح كاتبا؟ الكثيرون من أصدقائه القلائل امنوا به قالوا له انك كاتب بالفطرة، قرؤوا كتاباته بانبهار، أنت مولود لتكون كاتبا، هو يعرف انه أصبح كاتبا لكن كيف يتأكد؟ كيف يعرف أن ما يسمعه من أصدقائه لا يعدو كونه شفقة ورأفة بولد مهجر ابن مهجر؟
ظل يفكر إلى أن توصل إلى تحد ليس سهلا، ما لبث أن بادر إلى خوضه، فإما يكون أو لا يكون، إما أن يواجه فشله وإما أن يضع قدمه في خطوتها الأولى على طريق المجد (كان متأثرا فعلا بكتاب” طريق المجد للشباب لسلامة موسى).
طوى القصة عدة طيات وضعها في مغلف اشتراه من المكتبة خصيصا، كتب عليه عنوان مجلة” الجديد” المجلة الأهم في بلاده تلك الفترة، وأودعها صندوق البريد الأحمر القريب جدا من بناية البريد في الناصرة، أودعه هناك إبعادا لأي سبب قد يحول دون وصول الرسالة إلى عنوانها.
في نهاية الشهر اشترى مجلته المقدسة، ليفاجأ بقصته منشورة فيها، حمل المجلة كأنما هو عرف انه يمكنه أن يفعل شيئا للمرة الأولى في حياته، وركض إلى بيته، كان فرحا يريد أن يشارك الإنسان الأعز على قلبه فرحه بقصته.
اقترب من أمه احتضنها، لقد أصبحت كاتبا، أصبحت كاتبا يا أمي. أمه ترسل نظرة مستفسرة، ماذا تقول؟ أصبحت كاتبا؟ يعني ستكتب الرسائل لمن لا يعرف كتابتها ستعمل قبالة المسكوبية؟ كلا يا أمي، انتظري ها هي أهم مجلة في البلاد نشرت واحدة من قصصي. ماذا يعني هذا يا ولدي أنا لا افهم عليك، هذا يعني أنني أصبحت كاتبا يا أمي، سأملأ الدنيا قصصا عنكم وعما ذقتموه من عذاب. لا افهم لا افهم يا ولدي، على كل حال ” على الله يطلع من بيت هالمطبلين مزمر”، سأزمر يا أمي سأزمر، سأكون كاتبا، سأكتب أجمل القصص.
عام2006
تأتيه أمه في منامه، تقترب منه، هو ما زال يقرا الكتاب تلو الكتاب، أما زلت تقرا الكتب يا ولدي؟ نعم يا أمي، الكتاب لا يتوقفون عن قراءة الكتب، إلا في واحد من أمرين حينما يرحلون من هذه الدنيا، أو حينما يفقدون أبصارهم، ويستدرك حتى حينما يفقدون أبصارهم فإنهم يبحثون عمن يقرا لهم الكتب.
تتمعن والدته في ملابسه، لماذا أراك تزداد فقرا يا ولدي؟ لقد أصبحت كهلا وبعد قليل تصبح رجلا مسنا، وأنت كما أنت ما زلت فقيرا، إلى متى ستبقى فقيرا يا ولدي، ألا يفيدك انك أصبحت كاتبا؟ لست فقيرا إلى هذا الحد يا أمي، ثم إنني لا اعرف ماذا يخبئ لي الغد، كم كنت أود لو انك بقيت إلى جانبي في عالمي الفاني هذا لنقطف ثمرة أحببت أن نقطفها معا. تتمعن أمه في ملابسه، لكن لماذا ترتدي هذه الملابس الرثة يا ولدي؟ يحاول أن يشرح لها أن يقول لها إن الإنسان الجميل يبدأ من الداخل إلى الخارج، وليس العكس، وان من يبدؤون من الخارج إنما هم أناس تعساء، يشرح ويشرح ويشرح، إلى أن تستوقفه أمه بإشارة من يدها لا افهم ما تقوله يا ولدي، أنت تعرف أنني أمية لا اقرأ ولا اكتب، إلا أنني افهم أن الواحد منا نحن بني البشر إنما يحاول أن يحسن حياته. أنا أحاول أن أحسن حياتي يا أمي، لا تقلقي، أرجوك لا تقلقي، طريق الكتاب كثيرا ما تكون طويلة، أطول من أعمارهم، لهذا هم يعيشون أحيانا بعد رحيلهم، لا افهم عليك يا ولدي، ما افهمه انك ينبغي أن تعيش حياة أفضل من هذه، وماذا تقترحين يا أمي؟ اقترح عليك أن تبحث عن عمل آخر يمكنك من أن ترتدي أفضل الملابس، لن ابحث يا أمي، قلت سأكون كاتبا، يعني سأكون كاتبا.. ولن أتنازل عن حلمي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق