ثقافة السرد

سيلٌ من رماد…

نص ومسافة جديدة.

محمد آيت علو*

أنا أعشق حب البحارة
الذين يقبلون، ثم يذهبون
يتركون وعدا،
ولا يعودون أبدا…!
وفي كل ميناء، امرأة تنتظر،
والبحارة يقبلون ثم يذهبون،
وفي ليلة من الليالي..
يحلمون…!
(نيرودا(

-1-
ها أنت تنشر عاهاتك المستديمة كالمعتاد، وتشرب بالآخرين قهوتك الصباحية، وتفجر مكنون خبثك ومكرك، وتبحث عن ضحاياك لممارسة عقدك التي لا تنتهي، أشهد لك بتمام عبقريتك، وبمواهبك، تحاول أن تبدو أرفع، تثير حرج وقرف الآخرين، تجامل، تنافق، تحمل صورة الخائن والنذل والمتملق،كل أولئك يحتشدون حين تضحك لنفسك في المرآة، يرقبونك! ثم تتحول إلى عبء ثقيل، كائن لا يتحمل ثقله ونزاقته، لكن بالنسبة لي أعرف مقدار ضعفك، خستك! وحقارتك، فأنت تافه كأيامك، ماكر كزمانك، حقود مثل عينيك الغائرتين كعين ذئب حين تحترق، ولم أعد أميز فيك غير الشفتين المطبقتين، والمنفرجتين عن طيف ابتسامة بلهاء غادرة! فحذاري أن تأكل ذاتك؟ إني أشفق عليك…!

-2-
ليست النهاية حين ترمي بثقلك على كرسي، تضع رجلا على أخرى، كإمبراطور تبدأ لعبتك اللعينة، تتراءى لك الدببة، القردة، الزرافات، الخنازير، الكلاب واللحوم، استعراض لا ينتهي…، وأنت مكانك تمارس عقدك السحلبية كثور هائج، وتبحث عن ضحاياك، تحصي الصراصير، تشوش الذباب! وليست النهاية!

-3-
ها أنذا أحلق في متاهات الوجد في أزقة المدينة، ليس لي إلامغازلة الجرائد، وتتبع عورات السماسرة والوصوليين، أدخن بنهم، وأكلم ذاتي كالمعتوه بصوت أغن، والأرض ذكراها صارت حجارة زمني، وسيلا من رماد، أغطي بالرموز حدائق الأحياء، عرافا تحجرت النبوءة في دمه، أشتهي شرفة مضاءة ونهرا صغيرا! وبضعة ورود، و أشتهي رائحة الزهور والماء الأخضر، وفنجان قهوة بقطرات من ماء الزهر، وبعد التيه، أجالس ذاتي، أصيرُ أضعف من قط ليلى، وأشرد من جديد في هذا الأفق الرحب والمكتظ، التائهون والمعتوهون، ولا شيء سوى الزحام وتضيع فيه، تحدق في الوجوه والوجوه،كل الملاح كالحة! هذه هي محطة المسافرين، الأضواء سواطع في كل جانب من الميدان الفسيح، الذي يغوص فيه الناس، وتحيط بالميدان المقاهي المملوءة بالرواد، والضحايا الوافدون من كل بلد، وأبدأ السفر من جديد ككل بداية أونهاية! والرفقاء هم الرفقاء، أجالسهم أو يجالسونني، فكل ما أعرفه هو أنني دوما حاضر وغائب، ومهما يكن أنا لست هنا، فلا تخبر أحدا، ولا تعطي لنفسك قيمة، فلن نغير العالم !!!
المواضيع هي المواضيع، والكلام كثير، ولاشيء إلا الكلام، وأسماء المدن المتزاحمة لا تنتهي، والمسافرون لا نهاية لهم، قال أحد الحمقى:ـ لم لا يمتطون حافلة واحدة ويتجهون لمكان واحد، وقهقه بلا توقف، وقد أخرجني من شرودي، رشفت من قهوتي، وتابعت حديث الأصحاب مجاملا إياهم بالإنصات، حتى وقف أحد ملمعي الأحذية، عزفت بادئ الأمر أن ألمع حذائي المغبر، فبادر بالإنحناء مرغما إياي بالإمتثال،كان لطيفا فيما يبدو، ثم اشترطت عليه مازحا بألا يتكلم، فحياني، وسألني مبتسما، فابتسمت، قائلا، هذا الذي قلناه؟ فضحك كثيرا، فمه المنفرج يبين عن أسنان متآكلة،كان ثمة انكسار باد على سحنته، حدقت فيه مليا، ساقاه شبه حافيتان كالقلب، تعطي الإنطباع بمحنة الأيام وقساوتها، ناولته كأسي ليرتشف ما تبقى، ثم أردف:ـ أنت أبي، فاستلقيت على الكرسي من كثرة الضحك كالمغشي عليه، وضحك الرفقاء كثيرا، وصارالضحك بكاء، قهقهنا حتى كادت أرواحنا أن تخوننا، وبكينا حتى لكأننا نكاد أن نتقيأ أمعاءنا، فانسحب حزينا هذا ما يقع في كل مرة، وفي كل محطة، فمتى أنام وأنتهي ولا أفيق، وتمحي الريح علامات الطريق، وفي يدي تذكرة ذهاب من غير رجوع…!
ها أنذا أحاول أن أفهمك، وأضع لك النقط على الحروف لكي تفهمني، ولأبدو لك صفحة بيضاء مجلوة، تفهم أغوارها، فلا تحتاج معها لفك الرموز، ومنذ البداية أرمي لك بكل أوراقي، لتغرب عن وجهي، لكن دون جدوى، لكأنما المحال أطلب، أنت الذي تفضل العسير على اليسير، فما كان صعبا أن أتلبس لك، لكي أقنعك بأي قناع، ما الفائدة!؟ على كل حال، ها أنذا أحاول عبثا لأعود معك للبداية! أنا الذي لا حول له أوشأن، أسائل الصمت الذي يخنقني، ونحن جرحى الروح، لم يبق إلا الموت، أشعر بأن كل النجوم تحط على كتفي، والشمس قد ارتعشت لما بللها وهج الرحيل، أحس بأني موج تحطم فوق الصخور، وبأني طير بدون جناح أوفضاء، وبأني فراغ، ورأس بلا دماغ، أقل من لاش، ومن التعب يلبسني الصقيع خريفا، أنا الغياب في بحر من ألف قرار، وأنا ما اخترت يوما، ولاامتلكت الإختيار، أنا الملقى على كرسي من تعب، أنزوي هناك بقادوراتي، هو منتهى أفقي، فقد تولتني الأيام بالقذف، وها أنذا أتدلى على حافة الهاوية، اختلطت علي المشاعر، أضحك أو أبكي، فليست النهاية !!
وحينما أبدو لك وديعا، أقدر إنسانيتك، فلا تقدرها، تريد أن تنقض على الأخضر واليابس، تبدو كحيوان كاسر، تجثم على قلبك قبل قلبي، وأصير بالنسبة لك ضحية، تزم شفتيك على بسمة ساخرة، وتشع عيونك في محاولة للوثب، تحرر تحرر إذن من عقدك !!
تحرر، ولتكن نهاية عقدك، دورك أفهمه، لكن أعرف معرفة اليقين بأنك لاتقوم به، فبالأحرى أن تتقنه! فلو كنت تعيه لمحونا هذه القهقرى! وتنأى المسافات بيننا؛ فما الفائدة! في أن ترتدي بذلة فاخرة، أو تمتطي سيارة معارة، أوتجلجل المفاتيح في يديك، أوتكلم في جهاز هاتفك فراغا، أو في أن تضع نظارة على رأسك، إبحث يا حبيبي عن صيغ أخرى لمكرك وممارسة عقدك! فأنا الذي سبرت كل نظرة لم تلقيها بعد، وكل حسرة، أوغصة، أوفكرة لم تفكر فيها بعد، وقست كل بسمة وسحنة، وخبرت وقع كل خطوة لم تخطوها بعد، ولوفهمت ذاتك، قبل أن أفهمك، لأضفنا قمرا إلى قمر، وشمسا إلى شمس، ونجما إلى نجم، ولصار الشيء شيئين، وصرت مضاعفا اثنين اثنين، مثل حبيبين، لكن يفنى صوتي وظلي، كأني التباس بين ما اشتهى والوجود وجوم، أدوس، أبصق حقارتك، وظلي فقط يصبح ظلين…!

*الجديدة، مرتيل – تطوان: المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق