ثقافة المقال

وطن من زجاج :سمفونية الوطن المجروح

بقلم : منى جميات*

كانت لأزمة الارهاب في الجزائر اثر بالغ الاهمية في المتن الروائي الجزائري فأخدت الاقلام تتناول هذا الموضوع في متونها السردية ورواية وطن من زجاج للروائية ياسمينة صالح واحد من النصوص السردية التي صاغت ازمة الارهاب لكن بوقعها النفسي الذي يتعمق في الذات الانسانية من العنوان الى نهاية المتن السردي.. وطن من زجاج، هكذا تعنون ياسمينة صالح روايتها فيستهويك هذا التركيب اللغوي وتشعر برغبة ملحة في قراءة هذا النص الروائي والبحث بين ثناياه عن سر هذا الغموض الذي بثته ياسمينة صالح في نفس القارئ حين جعلته يثير جملة من التساؤلات والإشكالات تحرك خياله، وتدعوه للبحث في طاقة الكلمة ودلالاتها، وتزج به في متاهة البحث عن عمق العلاقة بين الوطن والزجاج.. فكيف لنا أن نتصور (الوطن) بكل مفاهيمه ومعانيه التي لاتكاد تغادر تفكيرنا الذهني والتي جرت العادة على جعلها تحمل معاني الانتماء والاستقرار ،ومكان الوجود الأصلي أن تجتمع مع ( الزجاج) ذلك الشئ المادي الملموس.. فأي علاقة تربط بين الوطن والزجاج؟ وما الشئ الذي يجعل الوطن يجتمع في تركيب لغوي واحد مع الزجاج؟.
تستخدم الكاتبة ياسمينة صالح اللغة الشعرية كأداة لصياغة عنوان روايتها ، فالجمع بين الوطن الشئ الحسي المجرد بالزجاج الشئ المادي والمرئي في تركيب لغوي واحد، لا يتم إلا على أساس اعتبار الوطن من الناحية الدلالية ،يلتقي بالزجاج لتجسيد تلك الصفات التي توحي بعدم الثبات والانكسار وشدة الرقة والشفافية ،فالكاتبة قد حملت عنوانها بعدا رمزيا ينبني على حمولة نفسية فالوطن حين يحمل صفات الزجاج الحقيقية؛ فإنه سيترجم ذلك الشعور الإنساني والتوتر النفسي المفعم بالقلق ،والخوف ،والحيرة من الواقع الذي يجعل من إحساس الإنسان اتجاه وطنه مبعثرا ومشتتا ،لأنه يزرع بداخله الخيبة، والانهزام ،والانكسار، ويصبح الزجاج رمزا يلتحم والروائية بهذه الصياغة للعنوان قد عمدت إلى إخراج الوطن بمفاهيمه الحسية المجردة من حدود إدراكنا الذهني، وجعلته يتقارب مع الزجاج ،لتحقق قدرا من الغموض في ذهن المتلقي، والذي يدعوه للبحث في كنه العلاقة بين (الوطن ) و( الزجاج) ،لكن هذا الغموض بقدر ما يزيد من تكثيف إيحائية اللغة فإنه في الوقت نفسه يبعث في داخل القارئ المتعة الفنية التي تتفجر من المتعة واللذة الجمالية للغة فأن تجمع اللغة بين اللفظ ومرادفه ،لهو شئ عادي ومألوف، لكن أن تجمع بين اللفظ ونقيضه سواءا على مستوى المعنى أو التركيب، فهذا هو مايحرك الخيال الفني ،ويبعث على الإحساس بالقيمة الفنية وبالتالي تتحقق شعرية العنوان وجماليته التي ستوحي بالضرورة لجمالية النص .
وما إن ينتهي القارئ من قراءة هذا النص الروائي حتى يكتشف أن الكاتبة قد برعت في كتابة رواية 
تختصر ذاكرة الوطن (الجزائر) ،وتفضح سوداوية وعنف الإرهاب تناولت فيها قضية سياسية شائكة ومعقدة بأسلوب لغوي يعتمد على المكاشفة الصريحة لأنها تمارس فيها الكثير من العناد ،والمجابهة ،والجرأة في طرح قضية الوطن بلغة تتلبس وتتلون بمشاعر الإنسان وتُشحن بحمولة نفسية تتمازج فيها رهافة الذات الإنسانية وتوهجاتها وتقلباتها الشعورية مع اللغة التي تستمد جماليتها من كتابة الإنسان ،والغوص في عمق الذات اعتمادا على نظامها الذي يتمرد على المعقول والسائد.
هي رواية تتوجه فيها ياسمينة صالح بشكل واضح ومباشر إلى سرد حكاية عن وطنها الجزائر، لتكشف عن عمق الأزمة التي عاشها في فترة التسعينيات يوم كان لا صوت يعلو صوت الإرهاب، ولا منطق إلا للاغتيال في أبشع صوره اللإنسانية تعانق الكاتبة جرح أبناء وطنها ،وترسم وجع الإنسان وانكساره وحزنه في وطنه الذي يُفترض أنه ينتمي إليه وارتباطه به قائم على ارتباط شعوري ووجداني متأصل في ذات الإنسان ،لكن هذا الشعور سرعان ما يصبح متذبذبا ومضطربا ومشوها ،وهذا بفعل الإرهاب الذي لا يدخر أي جهد كي يبذله و يجعل الإنسان يفقد كامل حقوقه في وطنه، ويسعى جاهدا إلى المساس بشعور الإنسان الطبيعي اتجاه الوطن فلا يذهب إلا حينما يخرب هذا الشعور ويترك الإنسان هائما ،لا يعرف إن كان يستطيع فعلا أن يشعر بهذا الوطن بعد كل المآسي والآلام التي سببها له الإرهاب .

*كاتبة وناقذة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق