الموقع

الثورة الحقيقية..

أسامة طبش*

نعيش اليوم في زمن يموج بالثورات هنا وهناك، هي ثورة شعب أراد من خلالها إستعادة حقه وإعادة الإعتبار لكرامة قد أهينت وأمتهنت لسنوات طوال. إن أي شعب يرنو إلى الحرية، يبتغيها، يعشق نسيمها، إن سلبت منه وكبلت أوصاله ثار على حين غرة كبركان هائج ظل راكدا وساكنا لأمد من الزمن. إن للشعب العربي سمة خاصة تميزه عن بقية شعوب العالم الأخرى، لا ينكر أحد أنه شعب عاطفي بالدرجة الأولى، تكفي كلمات بسيطة مؤثرة تستثير وجدانه فتجد خلفك الجموع الحاشدة، فقد أودع الله فيه حب “التطلع إلى الحرية “. لقد حررنا الإسلام، نعم حررنا من عبودية أهوائنا، شهواتنا، رغباتنا الدنيوية الدنيئة، نقلنا  لعالم أروع وأرحب، لعالم الأخلاق والتسامح والإخاء، قيم يتمنى كل إنسان الحصول عليها ليروي ظمأ فؤاد شغوف بها.

في زمن ما ثار شعبنا الأبي على إستعمار بغيض قتل وسلب وخرب، تحضرني هنا مقولة رائعة لأول رئيس للجزائر المستقلة، الراحل “أحمد بن بلة” يقول فيها فيما معناه: (لولا الإسلام ما تحررت الجزائر)، الله أكبر، ذهلت عندما سمعته ينطق بها، لكنها أكدت فكرة طالما كانت راسخة في ذهني، ” الإسلام سبيل لنجاح كل ثورة”.

إن ديننا الإسلامي يهدف إلى توحيد الخالق عز وجل، لكن: كيف نوحده؟ نوحده بإتباع أوامره وإجتناب نواهيه، بتتبع سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، في جميع جوانب حياتنا، وفي جميع علاقاتنا ومعاملاتنا.

ما قد يحز في النفس أن هذه المعاني غائبة عن تفاصيل حياتنا اليوم، فلحد الآن لم نمتثل لهذه الصورة الجميلة التي رسمها الإسلام الحنيف لنا، لم نبلغ بعد ذلك الوعي الحقيقي الذي يجعلنا عندما نثور نعرف: لما نثور؟ كيف نثور؟ ومتى نثور؟

إذا نريدها ثورة إنسان، ثورة يثور بها على ذاته، ليتخلص من قيود كبلت نفسه وخنقت روحه، كيف لا وكل واحد منا يعيش خلف أسوار بيته، وربما لا يعلم حتى إن كان جاره الذي بجانبه قد بات شبعانا أم جائعا، في حديث يقصم الظهر للنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به) صححه الذهبي في التلخيص، والألباني في صحيح الأدب المفرد.

جميل أن نعي أن لنا حقوقا وننافح لأجل إسترجاعها وإستردادها، لكن قبل ذلك يجب علينا سؤال أنفسنا: هل أدينا واجباتنا حقا؟ يقول المفكر الراحل “مالك بن نبي”  كلاما جد رائع في هذا السياق: (أما “الحق” … فما أغراها من كلمة ! إنها كالعسل يجذب الذباب ويجتذب الإنتفاعيين، بينما كلمة “واجب” لا تجتذب غير النافعين، وكلمة الواجب على الصعيد السياسي توحد وتؤلف، بينما كلمة “الحق” تفرق وتمزق).

فلتكن إذا نظرتنا أكثر شمولية لواقعنا الذي نحياه، إن المشكل أعمق بكثير، قد يتلاعب بنا أولائك الأقوام من حيث لا ندري، وقد نعتقد أننا على حق في حين أننا إنسقنا وراء ناعقين ، سهلوا لهم السبل لتحطيم كل شيء جميل بنيناه في سبيل نهضتنا.

نعم، السلبيات موجودة، النقائص ماثلة، إنما الإصلاح لا يكون بزيادة الطين بلة وإذكاء نار خامدة، هناك قاعدة فقهية في ديننا تقرر:( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن المفاسد متى ما كانت أكبر من المصالح فإن الواجب دفعها قدر الإمكان، ولا ينظر في تحقيق المصلحة لكونها مغمورة في المفسدة، أما إذا كانت المصلحة أعظم من المفسدة فالقول الراجح هو الإتيان بتلك المصلحة لكون المفسدة مغمورة في تلك المصلحة).

من الواجب علينا كشعب إدراك أن معنى التغيير  يأتي من صميم أنفسنا، قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ))[الرعد:11] ،  فالتغيير الذي نرومه هو تغيير بالدرجة الأولى لطريقة التفكير الجامدة التي سيطرت على أذهاننا، بتحديد أهداف واضحة وحدوية نسعى من خلالها للم الشمل لا التشرذم أكثر.

إن الحياة معترك صعب محتوم علينا معايشتها ومكابدة مضاضتها وأتراحها، أحيانا نضطر للتغافل، وربما التنازل في أحيان أخرى، ذلك كله في سبيل حماية العيش المشترك وصيانة حياض وحدتنا الوطنية.

إن الجزائر بلد غني بثرواته ومقدراته، يغري كل طامع وراغب، إن زهدنا فيه، إنقضت علينا الأيادي من كل ناح وصوب لتنهش لحمنا، بلدنا وصية شهدائنا الأبرار، هي أمانة في أعناقنا فلا نضيعها، يجب علينا أن نصونها كما نصون مقل عيوننا، لا نتصور وطننا غير وطننا، ولا راية غير رايتنا، ولا أرضا غير أرضنا، يقول شاعر ثورتنا “مفدي زكريا”: (أنا إن مت، فالجزائر تحيا، حرة، مستقلة، لن تبيدا).

ليس لنا إلا التوجه إلى الباريء عز وجل أن يحمي وطننا من كل شر ومكروه، ويبصرنا بعيوبنا، فقد إختلط الحابل بالنابل، وكأني بسايكس بيكو جديد هاجم  يتهدد أمتنا بإعادة تقسيم المقسم وتجزأة المجزأ.

فلنحافظ على هذا البلد العزيز، ونبذل جميع أسباب التآلف والتعاضد، فالجزائري فطن، إن أحس أن هناك خطر ما يتهدده، لا يدع له مجالا أبدا  ليدق إسفين الفرقة والتناحر، هي ثقتنا الكبيرة فيه، فعالم اليوم لا يرحم، إن تغفل لومضة واحدة  أتتك رصاصات الموت الغادر من كل مكان، لا مناص لنا من الحيطة والحذر وإلا ندمنا حيث لا ينفع الندم.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق