قراءات ودراسات

الشعر كمعادل موضوعي للنحيب

بكائية يعود من بلد بعيد لمحمد الشحات

 أشرف دسوقي علي

يعد ديوان يعود من بلد بعيد للشاعر محمد الشحات ديوانا متفردا في عالم الكتابة الشعرية من حيث الموضوع ، حيث ركز موهبته الشعرية فيه حول موضوع واحد ومناقشة قضية الاغتراب ، هذه المرة لا يتناول الشاعر اغترابه الشخصي بل اغتراب ابنه الوحيد ، الذي ارتحل عنه لأسباب عدة إلي بلاد تختلف عن بلد الشاعر في كل القيم والأعراف والتقاليد ، ولولا وسائل التواصل الحديثة التي ذللت الصعاب وجعلت المسافات صفرا تقريبا ، لما احتمل الشاعر غربة ابنه عنه ، ولكانت التجربة أشد قسوة وأكثر إيلاما.
يهدي الشاعر ديوانه إلي ابنه إسلام – محور الديوان وموضوعه الرئيس بل الأوحد – قائلا :
حيث يعيش في بلاد الغربة
عله يذكرني إذا ماغبت
يتجاوز هذا الإهداء وظيفته البروتوكولية إلي كونه هامشا لمتن ، بل هو متن المتن , فابنه المغترب هو ما كتب من أجله هذه القصائد التي يدمي لها القلب , وتبكي لها الأعين أحيانا ، عند إحساس الفقد , ومن منا لايعاني الفقد للأم أو الأب أو الحبيب , وإذا كان هذا الحبيب هو الابن ، فإن المأساة تكون أكبر ، ولوعة الفقد والاشتياق أكثر إيلاما , خاصة إذا كان هذا هو الابن الوحيد , ومما يزيد الأمر تعقيدا ، وأسي ، أن الأب نفسه عاش يتيما وحيدا , فكان ينتظر أن يكون الابن – في هذه المرحلة من العمر – السند والأخ والأب والابن ، فإذا به يذهب بعيدا إلي بلاد تتحدث لغة أخري وتحيا ثقافة مغايرة وتفصلهما مسافات يصعب قطعها بشكل دوري أومعتاد.
يناشد الشاعر في إهدائه الابن أن يذكره في حال غيابه , هذا الرجاء وهذه المناشدة تضرب علي وتر واحد ألا وهو وتر الذكري ، يخشي الشاعر المستقبل والمجهول ، وكل ما يرجوه الذكري – مجرد الذكري- إذا ماحان الرحيل، وكأن الخلود الذي يخاتل الشعراء ويروغ منهم ، محاولين بكل ما أوتوا من قوة بأن يقبضوا عليه ليبقوا ، وتسيطر العاطفة هنا علي الأب، فيجد في ابنه هذه الاستمرارية ، وهو ما يطمئن الأب بأنه لن يكون نسيا منسيا.
وعبر صفحات الديوان نقرأ ثلاثية العشق والغربة ، نجد مفتتحها
1- الغيرة من شوق الأم للابن
عاد الابن فارتمي بصدر أمه , فهز الأب وجه الأم المرتجف , فانتقلت الانفعالات بالعدوي للأب ، خشي أن يضن بلهفات الأم الليلية إذا ما رأته متلهفا ، فاختبأ.
هذه العلاقة الإنسانية المعقدة ، العلاقة الثلاثية : 1- الأب – الابن ،2- الأم – الابن ، 3- الأب – الأم
ورغم مانعرفه من شدة تلهف الأم خاصة , علي الابن ، فإن هذا الديوان، بعكس كثير من المواضعات التي استقرت في الوجدان العربي من صلادة الرجال وبأسهم وتماسكهم ، فما تعورف عليه بألا يبكي الرجال ، وألا يتشكون الوحدة والاغتراب والفقد ، فإن هذا الديوان يعكس لهفة أب علي ابنه المغترب ، يناشده العودة ,وينافس لهفة الأم في لحظات ظهورها الخجولة ، بل يتخطاها علي مدار صفحات هذا الديوان ، حيث يساوم ابنه ويغريه بمحاولة فاشلة قائلا :
اغمض عيونك برهة
كيلا يعاودك الرحيل
وإن أبيت
فكن علي سفر قصير
وتبدو العاطفة الجياشة التي يضطرب الأب فيما بين الإفصاح والإخفاء ليلعب علي وتر التناقض المضمر بين كلمتي السفر والقصير ، فهو يعرف أن سفره قد يكون طويلا ممتدا , بل يخشي من أن يكون دائما , فيظل بين التمني والرجاء
يسهر طوال الليل منتظرا عودته :
وارحل إذا ماحان وقتك
حاملا أوراق عمرك خفية
كي لا أراك تنوء بالسفر الطويل
ولسوف أجلس في انتظارك
كل ليل
عل قلبك حين أعبره
يعيدك طائعا
كي ارتمي
في نهر عينيك انبهارا
ثم أسبح
باتجاه شواطيء الزمن الجميل
لم يكن الفتي هو المغترب ، فالأب هو الاغتراب عينه – رغم أنه لم يبرح وطنه، يطالبه بأن يعود سريعا – ثم يفاجئنا بطلب غريب، هو أن يتمهل قليلا عند عودته ، مما يثير دهشتنا واستنكارنا ، الذي سرعان ما يزولان , بإعرابه عن رغبته في أن يستعد وأن يتجمل ، ليكون لائقا باستقباله!
قلت : انتظر
كي أرتب بعض أشيائي
وأغلق كوة القلب العنيد
ظل الحنين يدق في جنباتها
ليمر من أسوار صدري
عله يلقاك أول ماتهل
ويقول بنبرة الأب التي يستوي فيها المثقف وغيره ، عندما تكون الأبوة هي المشاعر
بعض الفطائر في انتظارك
وجه أمك
لم يزل يستقبل الليلات
بحثا عنك في قصص الطفولة
فليكن هذه المساء
بداية الحلم الجميل
ثم ينتقل إلي الحالة الراهنة للأوطان ، التي ربما كانت أحد أسباب ذلك الاغتراب ، لكنه يمر علي ذلك مرورا سريعا ، لكنه مرور مؤلم وكاشف
إنه خوفي علي وطني
وحلم قد تبدل في بلاد
لم تعد تحنو علي أبنائها
وأخاف حين تري ملامحنا
تهزك ثم تمضي
أو في وطن بلا وطن – كل الموانيء لم تعد تزهو بنا
هو ذا غريب سوف يلقاه الغريب
فاخفض غناءك وارتحل خلفي
ثم يعرج علي الولد الثاني – مريم الحفيدة – ، وكم هو في حاجة إليها ويتخذها ذريعة لإثنائه – دون جدوي عن الرحيل –
فأقم هنا
فالأرض أرضك
والبلاد هي البلاد
يستمر في تصعيد اللغة التي يخاطب بها الابن , فيذكره بحجرته التي لايدخلها بعده, يسعي في كل قول وفعل بأن يظل الفارس والأنموذج الذي يحلم به كل ابن , وفي إحدي لحظاته العنترية ، ورغم انكسار كل رجاءاته , يناشده بالرحيل والاغتراب , في مفاجأة مدوية تصدم جمهور المتفرجين بلغة المسرح ، فهو يطالبه بل يناشده الرحيل والاغتراب:
حاول أن تحمل فيما تحمل
حين تغادر وطنا يأكلنا
وجهتك
أو بعض بقايا
من أيام كنت تحاول أن يكملها
فإذا ضاقت وانغلقت
فاتركها
وابحث عن وطن يترك ما تملكه
وطن حين تجيء
يجيئك
ويشدك كي لا تتركه
يستحلفه بالتذكارات الجميلة ووجه أبيه، يستخدم كل ذلك في لغة شعرية سهلة ، تحمل الكثير من المعاني ، وإن كان يلجأ إلي الاستعارات في بعض المواضع ، فيخرج من يسر اللغة إلي يسرها مصحوبا بتعميق المفاهيم ، مستخدما براعة التصوير ، نجد ذلك في : 1- فاترك لي مياهك ، علها تروي شقوق الصدر 2- نفخت بطين الأرض ، فصنعت قناديلا ، يستخدم التراث واتكائه عليه ، مستلهما بعضا من الآيات القرآنية ، متناصا معها ” هل أتاك حديث البيوت ، أذكرني عند بنيك ، هل أتاك حديث بكائي ؟، ضعف الطالب والمطلوب ، السائل والمعتر ، المفتونون انفضوا من حولي” ، ليسير ذلك كله جنبا إلي جنب مع اليومي العادي ليتضافر ذلك كله في هارموني ، لايجيده الكثيرون
وابحث عن ضحكات كنت تحدثها
كي تطلقها
في أوقات اللهو
وليل الأسمار
وزغاليل حمام
انطلق الشاعر من خطاب شعري يعتصره الألم ،في صراع زمكاني ، يشعر الشاعر بأنه غير قادر علي هزيمته، وتفلت الماضي من بين يديه صار مؤكدا ، في حين تأرجح شبح فرار الحاضر من بين يديه ، فهزه أن يفر منه الحاضر والمستقبل أيضا ، مما يمثل انكسارا ، بل اختطافا قسريا لحياته التي كان يرجو أن يحياها بالكيفية التي يريد ، والتي كان يمثل الابن عصبها وجوهرها ، لكنه يتمسك بالأمل ويري أن عودة الابن إلي أحضانه ممكنة ، وقادرة هي اللحظات القادمة علي تعويض مافات ، استخدم لغة سهلة عميقة عبر موسيقا معبرة عن الصراع النفسي ، بل استطاع أن يوظف الموسيقا لصالح تأكيد وإظهار جوانب الصراع النفسي ، عبر تفعيلات قد لايكون معروف عنها أنها رسول الحزن ، كتفعيلات المتدارك ، والرجز .
مثل الديوان حالة شعرية ألقت حجرا في بركة الشعر الراكدة والتي هومت – في كثير من دوائرها- حول اللامعني ، وسقطت في الإبهام والسفسطة ، ليستعيد الشاعر بديوانه عائد من بلد بعيد لغة للشعر رائقة ، قد تكون مرقاة لديوان قادم يمنح القارئ مساحات أكبر من الإبداع الشعري عبر ضلعي العمق والبساطة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق