ثقافة السرد

حلم قصير

الراوي بن رشيدا

بعد دفن الطفل في أرض مهجورة قريبة من الحدود ،دخل كل من أرتين وأوديت مدينة بيروت وقد اكتنفهما شعور لم يعرفاه من قبل ،وكأن الموت الذي شهده هذا الطريق جعلهما لا يكترثان بأية حياة قد يصلان إليها بعد اجتيازهما لذاك القبر متغاضين عن كل ما حصل ،كان ذاك القبر سيشغل ذهنهما دوماً ،وسيكون بمثابة خوف متجسد ،خوف من الحياة نفسها.
كانت بيروت مدينة غريبة عنهما ،لأنها مثلت الحياة لميت قام ،وكأنها الملكوت لسيدنا المسيح ،بجرأة الألوان التي تزخر بها ،والعمارات التي تسبح في السماء .
وعند وصولهما إلى المنزل الذي استأجرهم لهم قريبهم الواقع في حي فقير وغير منظم ،وربما كان الأسوأ في بيروت كلها ،تبدلت مشاعرهم على نحو مفاجئء ،وتساءل كل منهما في نفسه فيما لو كان مرورهم بأحياء بيروت وتوحدهم مع كل هذا الجمال الذي أعاد إليهما ذاك الحماس للبدء من جديد ،ولو بغرفة صغيرة مبنية على سطح بناء مؤلف من ثلاثة طوابق ،في حي ذي شوارع ضيقة وأناس كثر ،يمرحون قليلاً وكثيراً ما يتشاجرون ويرمون بعضهم البعض بأصص الأزهار الكثيرة التنوع في حيهم ،أو عندما تأتي الأيام إليهم بما يشغلهم ويسليهم أو يعينهم على احتمال طباع بعضهم البعض المتغيرة باستمرار ،كما يحدث كل أربع سنوات في فترة نقل المونديال ،حينها يشهد الحي ولادة جديدة له ،ويمتلأ ببهجة طفل اكتشف للمرة الأولى كم أن ألعابه مسلية .
وقد حدث هذا بعد فترة قصيرة من وصولهما الحي ،حيث صعد الحي بأكمله إلى أسطح الأبنية مصطحبين التلفزيونات والشاشات ليتجمعا حولها يصرخون ويضحكون ،عدا أرتين وزوجته أوديت اللذين لم يملكا أي وسيلة لمشاهدة المونديال ،كانا سعيدين لسبب آخر ،بالرغم من أن النقود التي كانت تتحصل عليها أوديت من عملها في إحدى متاجر ملابس الأطفال لدى سيدة سورية مهاجرة قديمة إلى بيروت ،لم تكن تغطي على إيجار المنزل لولا النقود التي يحصل عليها أرتين من إصلاح الأدوات الكهربائية لأهالي الحي وهو جالس في غرفته ،إلا أن الزوجين كانا سعيدين بتأمل سماء بيروت .
كانت قمة سعادتهما تتمثل في قضاء إجازة ما معاً وهما يتناولان البوظة على شاطئ الروشة ،تحت وهج شمسها الحارقة ،بوضوحها وصفائها ،هكذا بكامل جرأتها دون أي تردد أو حياء .
وبالرغم من أنهما كانا مدركين في أعماقهما أن تلك السعادة كانت تنسل منهما كما ينسل الماء من بين الأصابع ،وأن ذاك الطفل الذي دفناه هناك سيظل يربطهما بطريق العودة ،وأن نقص وسائل المعيشة كان يوقظ الجوع في أحشائهما ،وحيث ينمو الجوع ينمو الضعف والاستسلام ،ونبدأ برؤية الأشياء باهتة ،حتى ولو كانت شمساً .
لكنهما كانا على ثقة تامة أنهما قادران على الاحتمال من أجل شيء من الحياة بمقدورهما أن يعيشاه ،حتى ولو بأعين نصف مغمضة أو منهكة ،أو مع وجود تلفاز لمشاهدة المونديال أو بدونه ،أو مال لشراء البوظة والوصول إلى الروشة أو بدونه ،إلا أن ذاك الطفل الذي دفناه هناك عند بدايتهما الجديدة كان من ينغص عليهما ويزرع الإحباط في داخلهما ،لذا قررا بأن يحاولا مجدداًإنجاب طفل يربطهما بتلك المدينة ،طفل يولد في بيروت ليحمل لوالديه الشجاعة والرغبة في المقاومة ، وليمنحهما الحلم لكي تبقى أعينهم مفتوحة لتواجه الشمس وتميز لونها الصارخ بوضوح ،وعندها سيملكان الحرية ،ومن يملك الحرية يملك القدرة على النسيان ،والقدرة على تجاهل الذكريات التي تشد المرء نحو الماضي ونحو جلد ذاته مجدداً بعذابه القديم .
وبالرغم من أنهما استطاعا رسم حلمهما وعاشا على أمل تحقيقه ،وراحت أوديت في أوقات فراغها أثناء عملها في متجر ألبسة الأطفال ،راحت تختار الألبسة الأجمل لطفلها القادم ،الذي جعلت من قدومه حقيقة حتمية في ذهنها ،إلا أن ذاك الحلم وتلك الحقيقة تعبا في صراعهما مع جسديهما اللذين كانا يضعفان شيئاً فشيئاً علاوة على الشعور بالغربة والانفصال عن كل هذا العالم الذي أمسى غريباً عنهما ،وكان من الواضح أن الواقع أقوى بكثير من الحلم ،وأنهما كانا يحتاجان لقوة عظيمة ،لطمأنينة داخلية كتلك التي اكتنفت قلبيهما عند مشاهدتهما للأبنية الشاهقة لأول مرة .
كانا يرغبان أن يظهرا عجزهما وخفتهما أمام وجود هائل ،لذا قررا أن يقصدا سيدة حريصا ،وأخذا يدخران المال اللازم للوصول إلى هناك .
وفرض هذا عليهما شهراً قاسياً للغاية ،عادت فيه نوبات غضب أرتين السابقة جراء الفزع من الخيبة مجدداً ،أو ربما بسبب تأنيب الضمير الذي كان يتأجج في فترات نومه التي طالت كي يمضي الوقت بسرعة ، تأنيب الضمير بسبب طفل مات لأنه جبن وزوجته وفقدا العزيمة بين ليلة وضحاها ،والأنكى من ذلك كله أنهما دفناه في مكان جعل من ميتته ميتة حائرة ،وكأن الطفل كان يرغب أن ينشأ مع والدين أكثر شجاعة ،والدين يتشبثان بأرضهما حتى آخر رمق ولم تغره كما أغرت والديه البديلين جرأة شمس الروشة ،بل فضل جرأتهما ،لأن الشمس أصلاً كانت شيئاً يجهله ولايهمه بتاتاً .
أما أوديت فضميرها لم يؤنبها طوال شهر المعاناة ذاك ،إنما كثر شرودها وكادت تطرد من عملها إثر ذلك ،وبقيت خيالاتها عن مستقبلها برفقة طفلها تشغل أحلامها في النوم واليقظة وتراوحت مابين خيالات ربما تتحقق بعد فترة وجيزة كأن تتخيل ولادته في مشفى فخم في بيروت ،وأن يحظى بعناية أبناء الأغنياء فيها أو قد تأخذها خيالاتها إلى ماهو أبعد ،إلى تخيله مثلاًيتلقى تعليمه في مدرسة فخمة تدرس على الطريقة الفرنسية .
وجاء اليوم المخصص للصعود إلى سيدة حريصا ،اليوم الذي أيقظت فيه أوديت أرتين ولم يستيقظ ،حسبته ميتاً بداية ،لكنها بعد أن نادت على جارهم الوحيد الذي يعاملهم بلطف ودون عنصرية في الحي كله ،نقل معها زوجها إلى أقرب مستشفى خاص ،علمت من الطبيب هناك أنه على قيد الحياة ،وأنه كان قد مرض منذ عدة أسابيع بالتهاب القصبات الحاد وأنه من المحتمل تأزم الحالة وتطورها إلى ذات الرئة والتي من المحتمل أن تودي بحياته إن لم يبقى في المستشفى ،ويحظى بعناية ممتازة .
لذا بقيت أوديت بقربه طوال فترة بقائه في المستشفى وكان هو لا يكف عن وعدها بزيارة سيدة حريصا كما خططا .
وعندما خرجا من المستشفى لم يكن في جيبيهما مايكفي حتى لدفع إيجار المنزل ،فقررا أن يحققا حلمهما بالنقود المتبقية ،مدركين أنه عليهما بعد تلك الرحلة ،المضي حتماً باتجاه سوريا.
وعندها لن يهمها مطلقاً سواء رزقا بطفل أم لا ،وسيزوران قبر طفل الغجرية ،للصلاة فوقه وإعلامه بانتصاره عليهما.

*فصل من رواية جديدة ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق