ثقافة السرد

الزبيبة

 صلاح معاطي

سوداء، مستديرة، ليست كاملة الاستدارة تتخللها نتوءات وخطوط أشبه بحروف قدسية.. أو كشعار مختوم بخاتم أزلي يمنح بمقتضاه لحامله صفة الصلاح والتقوى..
أجل زبيبة سوداء لسوادها نور وبهاء ليس له مثيل، تتوسط الجبهة كتابع أمين يحلق حول كوكب دري. راح يتتبعها وهي تنمو على جبهته منذ أن كان صبيا يسعى خلف أبيه تجاه المسجد فنموا معا.. بدأت كغلالة خفيفة أعلى الجبهة أخذت تتكثف وتتركز وتشتد.. حتى صنعت على جبهته تاريخا مجيدا يعرفه كل من يراه فيكسبه وقارا وتقديرا بين الناس. صار وجودها مصدرا لأمنه واطمئنانه يصافحها مع كل آذان ويغسلها بماء طهور عند الوضوء..
اعتاد كل صباح أن يرنو إليها في المرآة فيتأملها بعينيه ويتحسسها بأنامله ويتمتم ببعض الأهازيج والأدعية فيقر قلبه وتهدأ نفسه ويصفو باله.. حتى عرف بها.. أبو النور.. وكان يسعد بهذا الاسم الذي يؤكد على ورعه وإيمانه أيما سعادة.
ذات صباح استيقظ أبو النور من نومه ضائق النفس مكروش الصدر مهموما على غير عادته لا يدري سر هذا الشعور الغريب الذي تغلغل داخله فجعله عصبي المزاج لا يطيق أحدا ولا حتى زوجته التي أيقظته ليصلي الفجر فنهرها صائحا:
– سدي صوتك، فالليل جساس، لقد أيقظت الموتى..
يحك قدميه بالأرض في طريقه إلى الحمام وهو يرغي ويزبد.. دخل رافعا رأسه بحركة لا إرادية إلى المرآة ليستقبل قريرته العزيزة الساكنة على صفحة جبهته العريضة، انتفض وهو يبحلق في المرآة غير مصدق. صرخ بصوت خنقته الحسرة والخوف:
– أين الزبيبة؟
لم ير في المرآة سوى جبهة فارغة بدت منطفئة خامدة مظلمة. خفق قلبه وراح يدق بعنف وهو يفتش في ثنايا وجهه عن زبيبته كمن فقد درة غالية. أسرع إلى زوجته وراح يهزها بعنف ويصيح وهو يشير إلى رأسه:
– بهيجة.. أين ذهبت؟
انتفضت كمن لدغها عقرب:
– هل دخل لص علينا. المجوهرات.
دفعها ثم عاد إلى الحمام وهو يترنح ويصيح:
– أية مجوهرات أيتها المخبولة. لقد ذهبت زبيبتي؟
امتلأت عيناه بالدموع بينما عقله مازال يسترجع الساعات والأيام والشهور والسنين التي سبقت ضياع الزبيبة.. لا يتذكر أنه فعل شيئا يستوجب فقدان خاتم الطهر والنقاء، فهو لا يكف عن التسبيح والشهادة، لم ينقطع عن المسجد ليلا أو نهارا، يصوم رمضان وستا من شوال بالإضافة إلى الاثنين والخميس، يؤدي الزكاة بسخاء فضلا عن الصدقات التي يمنحها للفقراء كلما تيسر، حج البيت خمس مرات ويعتمر في كل عام مرتين أو ثلاثا.. سوى..
يسكت قليلا كمن تذكر شيئا عارضا لم يزن له وزنا.. سوى تلك النظرة الساربة التي تسللت رغما عنه نحو حسناء كانت تتمخطر.. لكنه سرعان ما غض بصره والتزم جانب الطريق، غير أنه لا يتذكر ما إذا كان نظر خلفه ليتابعها بعينيه أم لا؟ بل يتذكر جيدا فلا مجال للمواراة والكذب حتى مع النفس بعد فقد الزبيبة..
أيكون الحديث الذي دار بينه وبين إسماعيل زميله في العمل حول زميلهما سعيد.. فقد خاض في عرضه وحياته وانتقد شحه وتقتيره وتغامز عليه مرات أمام الزملاء..
تذكر الآن أنه أضاع مرات بعض الصلوات بسبب انهماكه في العمل، أو ربما المبلغ الذي تقاضاه من أحد العملاء نظير إنجازه مصلحة له، أو الشهادة التي أدلى بها في المحكمة قبل شهر ليخلص أحد معارفه كان متهما بالاختلاس ويوقع بريئا مكانه..
بدأ ورعه يخور وتقاه يتداعى وينهار أمام صحيفة سوابقه التي تفتقت عن زبيبة ضائعة.. أيمان كاذبة، وشهادة زور، وجور ظالم، وتزلف مغرض، وقطيعة رحم.. شعر لوهلة أنه يحمل آثام البشرية بأسرها منذ بدء الخليقة وهو الذي كان يظن أنه في منأى عن الذنوب والخطايا.
حقا كان معرفا بأبي النور لكنه الآن أصبح نكرة بفقد زبيبته، لكن باب المغفرة مفتوح وعليه بالتوبة قبل فوات الأوان. انهمرت من عينيه أبحر الندم والاستغفار، ظل عاكفا في البيت يصلي كما لم يصل من قبل لعل الله يتقبل توبته ويمحو ذنوبه التي برزت محل زبيبته المختفية، ظل على هذه الحال أياما لكن الزبيبة لم تظهر. فرت من وجهه إلى غير رجعة..
لم يجد بدا من رسم زبيبة بالوشم مشابهة تماما لزبيبته الهاربة وفي نفس مكانها. شعر بالاطمئنان قليلا بالرغم من أنه يدرك أنها زبيبة صناعية لكنه أنس لوجودها على جبهته علاوة على تذكير الناس بزبيبته سيعيد إليه بعض وقاره المفقود.
لم تمض سوى ساعات قلائل واكتشف أبو النور ضياع الزبيبة الثانية.. ذاب الوشم واختفى تاركا مكانه علامة قميئة ناتئة تدل على فعله الأثيم. جن جنونه، أمسك بقضيب حار توهج طرفه في النار حتى احمر وأحرق مكان الزبيبة متحملا الألم، لم تظهر الزبيبة بل ظهر مكانها أثر مشوه لحرق ينذر صاحبه بنار مستعرة، أسقط في يده راح يدك جبهته في الحائط بعنف، لكن الزبيبة تستعصي عليه، ظهر مكانها جرح دام راح ينزف بغزارة بينما انطلق أبو النور يجهش بقوة في جزع ويأس.
لم يستطع الخروج من البيت ولا اللحاق بصلاة الجماعة في المسجد كما اعتاد، خشي أن تفضحه زبيبته الضائعة ويقرأ الناس على صفحة وجهه صحيفة الذنوب والخطايا التي سطرت بين عشية وضحاها. لكن هاتفا هتف داخله.. أتخشى الناس ولا تخشى الله. سرعان ما انتعل خفه وأسرع إلى المسجد ليجد المفاجأة أبشع مما تصورها. لم تكن زبيبته فقط هي التي اختفت، فقد اختفت أيضا زبيبة صديقه إسماعيل المزدوجة حتى أنهم أطلقوا عليه أبو النورين وزبيبة سعيد أبو الأنوار الثلاثية..
ما أن تلاقت عيونهم حتى أجهشوا بالبكاء كمن فقدوا عزيزا غاليا. وانضم إليهم آخرون فقدوا زبيباتهم، اقترح أحدهم أن يبادروا بالصلاة راجين الله أن يرفع عنهم البلاء. لم يعد الأمر يتعلق بفقد زبيبة.. علامة في الوجه، بل الأمر أخطر من ذلك بكثير.
شيئا فشيئا أخذت الظاهرة تتسع والكارثة تعم ومعها تعالت الصيحات:
– هذا نذير من الله.. ما الزبيبة سوى علامة على الوجه، مظهر فقط، أين الجوهر؟ عليكم يا إخواني بالعمل. العمل الصالح هو الذي سيعيد إليكم ما فقدتموه..
وانطلق من المسجد رجل مهلهل الثياب يمسك عصا منزوعة من غصن شجرة راح يجري وهو يملأ المكان بصياحه:
– الجوهر لا المظهر.. الجوهر لا المظهر.
كان أبو النور يسمع هذا وهو صامت عاكف في المسجد مطامنا رأسه في يأس وقنوط، دموعه تبلل لحيته وجلبابه، يعلم تماما أن الشيء الذي انتزع من وجهه وهو حر وقوي لا يمكن استعادته وهو مكبل وضعيف لا يقوى على شيء.
فجأة اختفى أبو النور.. كان يجلس هنا في المسجد بينهم يقلب يديه حائرا لا يدري ماذا يفعل، يدعو الله أن يعيد إليهم نورهم المفقود.. لكنه كفص ملح وذاب لم يعد له أثر، مثله مثل زبيباتهم التي أفلت عن وجوههم فاحتواهم ظلام كئيب طمس معه كل نور.
ذات يوم اقترب من المسجد رجل وصاح:
– أتعرفون هذا الرجل ؟
كان الرجل يشير إلى جثة مغطاة أمام المسجد.. كشفوا عن وجهه ليجدوه أبا النور.. رحمة الله عليك يا أبا النور. كنت نورا بيننا دون أن ندري.. وقفوا ينظرون إلى وجهه الذي استعاد نضارته، وارتسمت على شفتيه ابتسامة وضاءة تشي بأن صاحبها بات قرير النفس مستقر القلب راضي البال، غير أن علامة سوداء برزت أعلى جبهته، لسوادها نور وبهاء، ليس كمثله نور على وجه الأرض.
بينما سؤال حائر يتردد بينهم لم يجدوا له إجابة. ما الذي فعله أبو النور لكي يستعيد زبيبته؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق