قراءات ودراسات

أدباء من الزمن القريب يحطون بوجعهم عند أبواب كربلاء

د. نضير الخزرجي

لكل شيء وعاء او بوتقة او مكان يحجزه ويحده أو يحفظه، فالوعاء لماء الشرب يحويه وإلا ساح في الأرض، والكتابة للعلم تُقيِّده وإلا نسي وضاع، والمصرف (البنك) للمال يحفظه، وهكذا في كل مفردة من مفردات الحياة اليومية فهناك ثنائية متلازمة بين الحافظ والمحفوظ واحدهما يُعرف بالآخر، فاذا قيل وعاء تبادر إلى الذهن الماء، وإذا قيل المصرف تراءى المال، وهكذا في البقية، هذا في مقام المحسوسات، أما في مقام الأحاسيس غير المرئية فإن الأمر لا يختلف، فالعقل في المخ والنفس في الصدر والروح في القلب، والمشاعر بين الأضلع، وخير من يترجم المشاعر والأحاسيس إلى نصوص ناطقة هو الشاعر، أي أنه بما يمتلك من موهبة يستطيع أن يفرغ المشاعر والأحاسيس في وعاء الشعر وبوتقته، وهذه الأوعية كغيرها من الأوعية لها أشكالها وألوانها وأغراضها المختلفة، واختلاف الأوعية هو بحد ذاته جزء من جمالية الكلام المنضود، ولذلك كان تعدد القوافي والأبحر والأغراض الشعرية، وتعدد ألوان الأوعية الشعرية أو بتعبير آخر الأغراض الشعرية هو الذي أعطى للشاعر قدرة اختيار الوعاء وصب موهبته فيه.

ولا يخفى أن أكثر الشعر إحساساً وشعوراً ما كان يفيض من وعاء الوجع الذي يغترف من نهر الفرات الذي استشهد عنده الإمام الحسين(ع) ظامئاً وقد حال القوم بينه وبين الماء دون أن يبرِّد غليله بغرفة أو يبلَّ لسانه بقطرة، فمشاهد الوجع الإنساني المتعددة الأبعاد التي رسمت على شاشة كربلاء في العاشر من محرم الحرام عام 61هـ لها أن تأسر كل بصر وتعصر العين دمعاً ثجاجاً، فكيف بعين الشاعر المرهف الإحساس الذي ينحني أمام كل نسمة ريح منبعثة من بستان الوجدان، فهو الأقدر على جمع الصور المتشكلة في كربلاء في لوحة شعرية واحدة لها القدرة على أن تحبس بصورها الشعرية ومفرداتها الأدبية وقوافيها المنتظمة المنضدة الأنفاس في الصدور، وتستمطر الدمع وتسيحها في الأماقي والخدود.

والأدباء الذين يملكون ناصية الشعر ويتربعون فوق أعواد القوافي، هم في واقع الحال رسل النهضة الحسينية قبل أن يكونوا شعراء زمانهم، ورسالتهم قائمة ما قامت أبياتهم على قوائمها وتداولتها الألسن وتناقلتها المجالس واستنسختها القراطيس والكتب وحفظتها الصدور، على أن الشعر المنظوم في النهضة الحسينية ولعوامل كثيرة انحسر في زمن ومصر وانتشر في  آخر، ولعل عامل  السياسة هو الفيصل في الإنحسار والإنتشار نظراً  لطبيعة السلطة الحاكمة وتعاطيها مع النهضة الحسينية بالسلب أو الإيجاب، وقد وجدنا من خلال التعامل مع الشعر الحسيني في القرون المنصرمة أن الشعر الحسيني ونتيجة لقيام دول إسلامية متعددة في شرق العالم الإسلامي وغربه في القرون المتأخرة وجد طريقه إلى الانتشار، وهذا ما نلاحظه في الشعر الحسيني في القرن الثالث عشر الهجري (1786- 1883م) الذي ازداد على الضعفين عما كان عليه في القرن الثاني عشر الهجري (1689- 1786م)، وهو ما يرشدنا اليه الأديب الدكتور محمد صادق الكرباسي في الجزء الثالث من ديوان القرن الثالث عشر الهجري الخاص بالشعر الحسيني العربي الصادر عن المركز الحسيني  للدراسات بلندن عام 1432هـ (2011م) في 446 صفحة من القطع الوزيري.

إنتقاء أصعب

ولم تكن عملية جمع التراث الحسيني المنظوم بالعملية السهلة، فالمؤلف تابع المئات إن لم نقل الآلاف من المؤلفات والمخطوطات لتقصي الأدب الحسيني، واستطاع من خلال شرح المفردات وذكر المناسبات والتضمينات والتحسينات الأدبية ووضع الحركات على الحروف تسهيل مهمة قراءة القصائد وفهمها ومعرفة مضامينها واستخراج المعاني من بطون الشعراء كما يقولون في الأمثال المتداولة.

وقد يكون من السهل استقصاء القصائد الحسينية في مضانِّها من خلال متابعة المراجع والمصادر الخاصة، ولكن استخراج البيت أو البيتين أو مجموعة من الأبيات الخاصة بالنهضة الحسينية من بين تلافيف قصيدة طويلة قيلت في مناسبة أو غرض غير حسيني هو المهمة الصعبة في هذا المجال، وهذا ما نجده في هذا الديوان والدواوين التي سبقته، وفيه نلمس جهد المؤلف في تسقّط النظم الحسيني من بين المؤلفات والقصائد، ومن ذلك قصيدة شاعر العراق كاظم بن محمد الأزري التميمي المتوفى سنة 1211هـ (1796م) وهي في رثاء وجيه بغداد زعيم عشائر العبيد في العراق الشيخ عبد الله بيك بن شاوي بيك الشاهري العبيدي الحِمْيَري الذي قتله الوالي العثماني عمر باشا السردار عام 1183هـ (1769م) أي بعد تسعة أعوام من توليه الولاية وذلك خشية اتساع نفوذه وسلطانه في العراق وخارجه، حيث انتصر الشاعر للعبيدي وانتقص من الباشا في قصيدة من بحر الطويل ومطلعها:

لعمري خلت تلك الديار ولم تزل … مطالع سعدٍ أو مطارح جود

إلى أن يصل موضع الشاهد فيقول:

فأين عليٌّ من مقام ابن مُلجم … وأين حسينٌ من محلِّ يزيد؟

فالشاعر بلغت أحاسيسه وهجوه للوالي العثماني على بغداد عمر باشا المقتول عام 1189هـ (1775م) وانتصاره للشيخ عبد الله العبيدي الحميري الذي نال من الاستانة لقب “باب العرب” أن شبه فعلته بجريمة عبد الرحمن بن ملجم المرادي الذي قتل الإمام علي(ع) في محراب الكوفة عام 40 هجرية، وجريمة يزيد بن معاوية الاموي الذي قتل الإمام الحسين بن علي(ع) في صحراء كربلاء عام 61 هجرية.

وهنا نجد المؤلف قد تقصى ديوان الأزري الكبير واستخلص البيت من بيت القصيدة، وهو البيت رقم 22  من قصيدة من 27 بيتاً.

ومن ذلك قصيدة شاعر العراق السيد ابراهيم بن محمد الحسني البغدادي المتوفى عام 1227هـ (1812م) يرثي بها السيد مرتضى بن محمد الطباطبائي المتوفى سنة 1204هـ (1790م) وهو والد العالم الجليل السيد محمد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1212هـ (1797م) وإليه تُنتسب أسرة آل بحر العلوم الشهيرة، وهي من بحر المتقارب ومطلعها:

مصابٌ أذال الدموع الغزارا … وأجَّجَ بين الحشا منه نارا

إلى أن يصل موضع الشاهد:

وهل يختشي أن يُضام امرؤٌ … بحامي الحمى والنزيل استجارا

ومَنْ قد أناخ برحل الحسين … يُبوَّأُ في الخلد مثوًى ودارا

فالمؤلف استخلص البيتين من قصيدة من 40 بيتاً أوردها السيد محسن بن عبد الكريم العاملي المتوفى سنة 1371هـ (1952م) في موسوعته “أعيان الشيعة” في إطار الحديث عن سيرة الشاعر.

وهناك نماذج أخرى تكشف عن حرص المؤلف في البحث والتقصي والتحقيق، وحتى لو اكتشف جديداً بعد صدور الكتاب فإنه لا يتجاوزه وإنما يستدركه في جزء آخر فليس همه التأليف بقدر التوثيق والتحقيق.

أمّات تحكي عن أمهات

اعتاد العرب في المفاضلة أو المقارنة بين إثنين أو أكثر استعمال اسم التفضيل (أفعل)، فنعرف أن أحدهما أكرم من الآخر أو أبخل، وأسرع  أو أبطأ، وأكبر أو أصغر، وأنبل أو أَلْأمُ، وهكذا، لكن العرب زادت في بيان خطر الأمر استعمال مفردات أخرى تغطي من حيث المعنى والمراد مساحات أكبر من اسم التفضيل، ولعلّ أهم المفردات هي كلمة “أمّ”، فإذا أريد بيان أهمية الشيء نسبوه إلى الأم، فيقال: أم المهازل، وأم المصائب، وأم المعارك، وهنا يرجعون الشيء الى الأصل، أي أصل المهازل وأصل المصائب وأصل المعارك، وربما أريد المحورية والقطبية وعماد الشيء كما في وصف القرآن الكريم لمكة المكرمة بأنها أم القرى كما في قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (الأنعام:92)، وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ َأوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) الشورى:7، ومن ذلك قوله تعالى: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) الزخرف: 4، قيل يُراد منه أصل القرآن وقيل القرآن كله، وبالتالي وعلى التفسيرين فإن كلمة “الأم” تعني الأصل أو كل الشيء وتمامه، ومن ذلك قولنا للوالدة (أمّ) والجمع أمهات للعاقل، وقولنا للمصدر والمرجع (أمّ) والجمع أمّات لغير العاقل، وربما أريد بالأم رأس الشيء وقمته كما في قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ. فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) القارعة: 8-9، أي يهوي إلى جهنم على أم رأسه، مثلما يهوي السبّاح من علوّ الى بركة الماء على أمّ رأسه.

وخلاصة الأمر أن كلمة “الأم” هي من الصيغ التي يستعملها القرآن لبيان عظم الشيء وجليل خطره في السلب أو الإيجاب، وهي من الصيغ التي تعارف عليها العرب ودخلت في أشعارهم، وبخاصة عندما يقف الشاعر أمام حدث مهم ممتدة جذوره في أعماق الزمان والإنسان، وفاقت واقعة كربلاء كل الوقائع، ولم تزل معركة الطف بين مخيمي الحق والباطل تنبئ عن عظم المصاب الذي حلّ عام 61هـ، ولذلك لا غرو أن يعتمد الشعراء مفردة (الأم) في قصائدهم، من ذلك قول شاعر الأحساء الشيخ عبد الله بن علي الوايل المتوفى عام 1300هـ (1883م) في وصف الطف حيث يقول:

والطف أم الفاقرات ومسكبُ … العبرات أعظُمُها بلًى ونكادُ

نتجت بها أم الخطوب صواعقاً … يحدو بها الإبراق والإرعادُ

والبيتان يحملان الرقم 32 و33 من قصيدة من مائة وتسعة وعشرين بيتاً من بحر الكامل بعنوان “أينَ الألى” أنشأها الوايل سنة 1284هـ (1867م) في رثاء الإمام الحسين، ومطلعها:

ما بالُ جفنكَ قد جفاهُ رُقادُ … أَجَفَتك من بعد الوصال سعادُ

فالشاعر يصف الطف بأنها أم المصائب والشدائد نتج عنها استشهاد سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين(ع) فإنها فاجعة من أعظم الخطوب وأمها. ثم يعود الشاعر في قصيدة أخرى ليؤكد أن فاجعة كربلاء هي أمُّ الرزايا كلها كما في قوله:

هذي الرزيةُ  أمُّ كلِّ رزية … في الدين قد نتجت ومنها  تُولدُ

والبيت هو الرقم 107 من قصيدة من مائة وثمانية وعشرين بيتاً من بحر الكامل بعنوان “المقيمُ المقعدُ” أنشأها في العام نفسه في رثاء الإمام الحسين.

وفي كثير من الأحيان ينسبون “أم الرزايا” الى السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب(ع) التي تحملت المسؤولية الرسالية من بعد استشهاد أخيها، فكانت هي الراعية للأسرى، وهي إشارة إلى عظم المصاب الذي ألمَّ بها والتزامها بالأمر على أفضل وجه ووقوفها في المجالس العامة والخاصة لفضح بني أمية وبيان مظلومية أهل البيت عليهم السلام، ومن ذلك قول شاعر القطيف عبد المحسن بن محمد الملهوف التاروتي المتوفى عام 1260هـ (1844م) حيث يقول:

بأبي وبي أمَّ الرزايا زينباً … مسجورةَ الأحشاء بالإيقادِ

تطوي الضلوعَ على لظى حرَّاتها … مهما دعتْ نفثت كسقط زنادِ

والبيتان يحملان الرقم 61 و62 من قصيدة من ثلاثة وثمانين بيتاً من بحر الكامل بعنوان “وبقي الصبور”.

ففي القصائد المنتشرة في هذا الديوان والذي قبله وبعده أمّات الأبيات الحاكية عن الأمهات والأمّات في  الخطوب والملمات.

في أبياتهم حِكم

ولا يخفى أنَّ الحكمة لا تغيب عن قوافي الشاعر المجيد حتى وإن استفرغ مشاعره في المأساة وأفرغ أحاسيسه في وعائها، لأن الحدث الجلل يحمل في طياته العِبرة والعَبرة والحكمة والموعظة، فكما يستحضر الشاعر أطلال سعاد وبقايا سلمى وهو  يصحبنا عبر أبياته في الطريق إلى واقعة كربلاء، فإن الحكمة حاضرة والعظة باصرة، ومن ذلك دعوة شاعر البحرين لطف الله بن علي الجدحفصي المتوفى بعد عام 1201هـ (1787م) رجال الأمة إلى الإتعاظ من الحياة وقد غزاهم الشيب، فينشد:

شاب العذارُ وأنت في مرح الصِّبا … تلهو وفي سكر الشباب تُعربدُ

والشيب فيه عبرة لأولي النهى … أفلا نهاك الشيب عما تعهدُ

والبيتان هما الرابع والخامس من قصيدة بعنوان “تذكرت الحسين” في خمسة وستين بيتاً من بحر الكامل، ومطلعها:

أبداً بقلبك جمرةٌ تتوقدُ … وهوى على طول المدى يتجدد

فالشاعر يذكر المرء بالشيب، لأن الشيب إن لم يتعظ به المرء دلالة على الوقار وانتظار حسن العاقبة، ليس أقل يتعظ به دلالة على قرب المسافة من حياة القبر فيقلل من طيشه ويضبط رعونته، فلكل مرحلة عمرية استحقاقها، فتخضيب الشيب بالحناء لا يرجع المرء شاباً إن لم يملك قلب الشباب المعطاء وروح الفتى الموزون، والشيب لا يعيب المرء إن كان صدره يسع القريب والغريب ويأنس إلى الخير ويستوحش من الشر.

فالمرء وما يملك، ورأسماله عقله، والعاقل رأسمال الرفيق والصديق، من هنا فإن شاعر العراق محمد رضا بن محمد الأزري المتوفى عام 1240هـ (1241م)، وهو يرثي الإمام الحسين(ع) ينشد:

فصاحب لمن تهوى اصطحاب مفارق … وفي الكل رجِّعْ نظرة المُتزوِّدِ

إذا لم يكن عقل الفتى مرشدَ الفتى … فليس إلى حُسن الثناء بمُرشدِ

والبيتان الخامس والسادس هما من قصيدة من بحر الطويل في 26 بيتاً بعنوان “عينٌ بصيرةٌ”، وهي حكمة تُنمى إلى حِكم الإمام علي(ع) التي يقول في إحداها موصياً: لا تَصْحَبْ أَخَا الْجَهْلِ وَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُ، فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ أَرْدَى حَلِيمًا حِينَ آخَاهُ، يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ إِذَا مَا الْمَرْءُ مَاشَاهُ، وَلِلشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ مَقَايِيسٌ وَأَشْبَاهُ، وَلِلْقَلْبِ مِنَ الْقَلْبِ دَلِيلٌ حِينَ يَلْقَاه. وأرى الأزري في حكمته أنه غرف من بئر الرسول الأكرم(ص)، وهو القائل من حكمه ومواعظه سلام الله عليه: أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا.

ومن محاسن شعر عبد الله بن علي الوايل أن الحكم والمواعظ تخرج أنوارها من نوافذ أبياته حتى وإن بعدت قوارب الأبيات في عمق الأحزان لاستدرار الدمع من قيعان النفوس الوالهة أو سحّها من قطعات الصدور المقهورة، ولذلك فهو في شعره دائم التنبيه فينشد:

تنبّه أبيت اللعن من مرقد الهوى … فكَمْ من أخيذٍ بالبلا وهو راقدُ

أتزهدُ في دارٍ مقيمٌ نعيمها … وترغب في دارٍ بها الكل نافدُ

أما كان في الماضين قبلك عبرةٌ … وأنت لما صاروا إليه مشاهدُ

والأبيات 11 و12 و13 من قصيدة في رثاء الإمام الحسين(ع) تقطر حكماً وموعظة لبني الإنسان من عاقبة السوء، وهي من بحر الطويل بعنوان “هي الغاية القصوى”  في مائة وعشرين بيتاً ومطلعها:

حنانيك هل ماضٍ من العمر عائدُ … وقد أخلقته باختلاها الجدائدُ

ويلاحظ أن المطلع هو الآخر يبدأ بموعظة تنطوي على حكمة قائمة يعيش معها الإنسان كظله، ولعلّ أبلغ العظة أنّ الدنيا دار ممر لا دار مقر وأن الصراع بين الحق والباطل صراع أزلي لم يتوقف عند بدر أو حنين أو مؤتة أو كربلاء، ومركز ثقل الصراع هو النفس، فمن قدر عليها قدر على غيرها.

قرن كثيرة أبياته

ما يلفت النظر في  قصائد القرن الثالث عشر الهجري أنها من الطوال فضلا عن غزارتها، ولذلك استوعب  الجزء الأول من الديوان حرفي الألف والباء فقط، فيما نال الجزء الثاني من القوافي بقية حرف الباء ثم التاء والثاء والجيم والحاء والخاء والدال، وحاز الجزء الثالث على ما بقي من قافية الدال والذال والراء، وأكثر القصائد أبياتاً هي للشاعر عبد الله الوايل المعنونة “مصائب الطف” في 138 بيتاً من بحر البسيط وأقلُّ الأشعار بيت واحد من قصيدة بعنوان “غدا بحمد الله” للشاعر محمد علي بن حسين الأعسم المتوفى عام 1233هـ (1818م)، وتوزعت النصوص على بحور: البسيط، الخفيف، الرجز، الرمل، الطويل، الكامل، المتقارب، والوافر، فكان في البسيط 5 قصائد ومقطوعات في 259 بيتاً، وفي الخفيف عشر قصائد ومقطوعة وبيت في 280 بيتاً، وفي الرجز بيت واحد، وفي الرمل ثلاثة أبيات متفرقة، وفي الطويل 23 قصيدة ومقطوعة وبيت في 934 بيتاً، وفي الكامل 26 قصيدة ومقطوعة في 1275 بيتاً، وفي مجزوء الكامل قصيدة واحدة من 87 بيتاً، وفي المتقارب بيتان في مقطوعة، وفي الوافر قصيدتان ومقطوعة في 61 بيتاً، والمجموع 2813 بيتاً تقاسمها 49 شاعراً.

ولم يخل الديوان من مقدمة لأحد الأعلام أبان فيها عن رؤيته في ثلاثة محاور: النهضة الحسينية والموسوعة والجزء الثالث من الديوان، فقد كتب أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في دولة غينيا بيساو الأستاذ الشيخ محمد المصطفى بن رشيد جلو (1951-2011م) وهو من أئمة أهل السنة، وباللغة البرتغالية التي يتحدث بها غالبية السكان: (كان الإمام الحسين عظيماً في كل ما يمكن أن تُنسب إليه العظمة، فقد كان عظيما لدى الله حيث اصطفاه إماما .. واختاره كي ينهض بشرعة جده النبي محمد(ص) من جديد ويحيي التعاليم الإسلامية .. ويُرجع إلى الإسلام نضارته وصفاءه وينقشع .. كان إماماً في كل شيء .. ولم يدع جانباً من جوانب الحياة إلاّ وكان قوله ونهجه وقراره إماماً لسائر المناهج والأقوال والقرارات .. من هنا نجد أن الحديث عن الإمام الحسين(ع) يختلف كليًّا، فهو ذو جوانب متعددة يأخذ كل متحدث جانباً ويبحر فيه ليجد اللئالئ والدرر ليبرزه من سيرته).

وعن وجهة نظره بخصوص دائرة المعارف الحسينية، فإن الأستاذ جلو الذي كتب المقدمة في 11/9/2011م أي قبل أسابيع من رحيله في 7/10/2011م في العاصمة بيساو، يرى أن: (الموسوعة الحسينية اعتمدت ركيزتين أساسيتين المادية والمعنوية ذلك أن مضامين هذه الموسوعة عالية وقد جاءت محقَّقة موضوعية بحيث تعد الموسوعة الأرقى بين الموسوعات، وقد فاقت مثيلاتها إن كانت لها مثيلات، ولا أشك بأنَّ عوامل الإخلاص والمثابرة والإستمرارية، وما يتحلى به كاتبها المحقق الكرباسي من العلم والفضل والتوفيق من قبل الله جلَّ وعلا، كلَّها كانت شاخصة وقائمة بحيث جاءت منظورة من قبل صاحبها أبي عبد الله الحسين(ع) زهرة الحياة ومبهج القلوب وسيد الشهداء وأبي الأحرار).

وبشأن متن الجزء الثالث من ديوان القرن الثالث عشر الهجري يعتقد الأستاذ محمد المصطفى رشيد جلو: (إنَّ هذا الجزء الذي كان لي الشرف بالتقديم والتقويم له يدلنا على عظمة هذا الإمام الذي فاق العظمة حيث جعلها تتسكع عند روضته الشريفة بكربلاء المقدسة، حيث تجد نفسك أمام كمٍّ من الأشعار وصلت الى آلاف القصائد والمقطوعات.. أرى أن الأسلوب المتبع في إبراز هذه الأشعار إلى الوجود أسلوب رائع بكل معايير التحقيق والنظم حيث لا يدع صغيرة ولا كبيرة تمر دون أن يُريح القارئ والمُنشد والمحقق والباحث بحيث وضعها في متناول الجميع من عالم ومتعلم وعلى سبيل نجاة).

وقد أصاب المقدِّم كبد الحقيقة فيما أظهر في المحاور الثلاثة من المقدمة، وهو رأي شاركه الكثير ممن كتب عن أجزاء دائرة المعارف الحسينية التي بلغ المطبوع منها حتى اليوم 77 مجلداً من بين ما ينيف على السبعمائة مخطوطة محررة هي قيد التحقيق والتوثيق.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق