ثقافة السرد

المسبح العمومي

بن لوري – ترجمة: ادريس خالي

في طريق عودته من العمل يتوقف الرجل بالقرب من المسبح العمومي.
يقوم بهذا الأمر بين الحين و الآخر. يستمتع بضحك مرتادي المسبح وهم يسبحون، بصوت الأقدام وهي ترتطم بالماء. يقف بجانب السياج ويركز نظره على الداخل. ثم يبصر سمكة قرش.
سمكة قرش ! يصيح الرجل. ملوحا بيديه. سمكة قرش ! سمكة قرش ! سمكة قرش !
يلتفت كل الحاضرين وينظرون إليه- الأطفال، الآباء والحارس.
ليس هذا بالأمر المضحك، تقول المرأة التي بجانبه.
لا يفترض أن يكون الأمر مضحكا ! يصيح الرجل. ثمة سمكة قرش في المسبح. لقد رأيتها ! هناك بالضبط.
بيد أنه حتى في ذلك الحين لم يعد الرجل متأكدا. كيف يمكن لسمكة قرش أن توجد بمسبح عمومي؟ هذا هراء. والآن لم يعد بإمكانه رؤية السمكة.
يراقب المكان لفترة أطول، ثم يستدير ليتوجه إلى المنزل.
وينظر إليه كل الناس حين يغادر.
في تلك الليلة لا يستطيع الرجل النوم. والسمكة لم تفارق ذهنه. طبعا ينهض ويلبس ملابسه. يعود مشيا إلى المسبح.
عندما يصل إلى هناك يجد المصابيح التي في الأعلى منطفئة والأبواب مغلقة. بكثير من الجهد يتسلق السياج. ثم يقفز إلى الجانب الآخر. يسير ببطء بجانب حافة الماء محدقا في الظلام. ولمرتين يظن أنه يبصر شيئا ما، غير أنه في كل مرة يتبين له أن ذلك الشيء ليس سوى مويجات صغيرة ، خدعة بصرية.
في الصباح يمر الرجل في طريقه إلى العمل بالقرب من المسبح العمومي. وفي الخارج يقوم الحارس بكنس الأوراق. فيما المسبح هادئ ، مهجور.
يقف الرجل بجانب السياج.
ألم يسبق لك أن رأيت أي شيء في المسبح؟ يسأل الحارسَ.
يلتفت الحارسُ وينظر إليه.
ماذا تعني بأي شيء؟ يقول الحارس مرتابا.
لا أعرف، يقول الرجل. سمكة؟
يهز الحارس رأسه. هل أَنت هو رجل البارحة؟ يقول.
يتردد الرجل.
نعم، يقول.
يفكر الحارس مليا. يخطو خطوة إلى الأمام.إنه لشيء غريب، يقول وهو ينظر في الجوار، ولكن في بعض الأحيان يخيل لي أنني أرى أشياء. أشياء لا ينبغي أن تكون هناك.
مثل ماذا؟ يقول الرجل.أشياء مثل ماذا؟
لا أعرف، يهز الحارس كتفه.
أشياء فقط.
على أية حال، يقول، منسحبا فجأة من الحديث، لا ينبغي عليك أن تقلق. لا يهمك الأمر.
ويستدير الحارس .ثم يعود إلى العمل.
ويستأنف الرجل السير.
بيد أنه طوال اليوم يتساءل الرجل: ما نوع هذا الشيء الذي رآه الحارس؟ وماذا عنيَ ب’لا يهمك الأمر’؟ كما لو أن أي واحد يمكنه إنكار وجود سمكة قرش في مسبح عمومي.
يذهب الرجل تلك الليلة إلى المسبح مرة أخرى. يصعد هذه المرة إلى لوحة الغطس. يتمدد بالكامل على اللوحة ويحدق في ظلمة القاع.
ولساعات وساعات ينظر إلى الأسفل باحثا وباحثا بعينيه دون أن يرى أي شيء.
وفي الأخير، قبل الفجر بالضبط، يبصر الرجل ذلك الشيء.
يبصر الرجل الوحش.
إنه شيء ضخم، ذالك الوحش الذي في الأسفل. كبير إلى حد لا يعرف الرجل كيف فاته أن يراه من قبل. إنه أسود فاحم وعديم الشكل ، وهو يتمدد مغطيا كل قاع المسبح .
والأسوأ هو أن الوحش يحدق في الرجل. يحدق فيه مباشرة. يحدق فيه بعينيه السوداويين غير الطارفتين.
لابد أنه ظل يحدق طوال الوقت.
يتملك الرجلَ ذعرُ شديد. إذا عَنَّ للوحش القفز، يظن، فإنه سيقفز عليه !سيقضي عليه كليا. سيأخذه الوحش.سيموت .
ثم ينزل الرجل ببطء من على لوحة الغطس.
ينزل إلى الممر، يتسلق السياج ويقفز. ثم يذهب إلى منزله. وفي الأعلى ثمة أضواء الشوارع تنير وتخبو.
يغلق الرجل عينيه ويجري.
يصلي كي تظل الأشجار أشجارا والريح ريحا. يصلي كي تظل الأرض أرضا.
يصلي كي يصل إلى الدار فقط.

وما أن يصل الرجل إلى المنزل حتى يشعل كل المصابيح. ثم يذهب ويجلس في المطبخ. يجلس إلى الطاولة ويترك صوت المذياع مُدَوِّياً إلى أن تبزغ شمس الصباح.
وآنذاك فقط يهدأ هلع الرجل.
أو إذا لم يكن الهلع قد هدأ فإنه على الأقل خفتَ.

وماذا عن الشيء الذي في المسبح ؟ ماذا عن الأطفال؟ ماذا عن أطفال الحي؟ إنهم يسبحون هناك كل يوم ! يغامرون بحياتهم. ولا أحد منهم- أو أحد آباءهم – يعلم !

ويطلق الرجل حملة لإ غلاق المسبح. يبحث في الجرائد القديمة التي في المكتبة. يجد بضع مقالات تتحدث بتفصيل عن حوادث غرق وحتى حوادث موت عديدة.
وتنعقد اجتماعات للمستشارين ، للمحامين، لهيئة المحكمة. وفي الأخير يربح الرجل القضية. يُعلَنُ المسبح رسميا كمكان غير آمن ويُحدد موعد إغلاقه.

في اليوم الذي يقوم فيه العمال أخيرا بإفراغ المسبح من الماء يحضر الرجل كشاهد على الأمر. وبينما مستوى الماء ينزل أسفل وأسفل يتنفس الرجل بارتياح.
غير أنه عندما يصبح المسبح خاليا من الماء وعاريا، كصدفة عظيمة فارغة، لا يشعر الرجل بالنصر الذي انتظره. يشعر، بدل هذا، بالفراغ ، بالوحدة.
ما الخطب؟ يقول الرجل وهو يجثو على ركبتيه.
ما الخطب؟ يوشوش. رجاء، أخبرني.
ومع حلول الليل، يأتي الجواب.
لقد أَطْلَقَ سراح الوحش.

(1) Ben Loory قاص أمريكي من مواليد سبعينيات القرن الماضي. يعيش في لوس أنجلس. يعتبر واحدا من بين كتاب القصة الجدد المتميزين. القصة مأخوذة من مجموعته القصصية: Stories for Nighttime And Some for The Day الصادرة عن دار النشر Penguin .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق