ثقافة السرد

الاحمق المشكلجي

 ناجي ظاهر

لا احد يعرف ما الذي حرّف اسمه وجعله حمقان بدل حميدان، أهي تصرفاته غير المنضبطة؟ ام تسرعه في اطلاقه الآراء والافكار اولا و.. بعدها.. او من ثم.. التفكير فيها؟ في كل الاحوال تسببت صفاته هذه في الكثير من المشاكل له ولمن حوله، خاصة مع زوجته المثقفة المتعلمة حتى انها اضطرت في ذروة مصارعتها له.. الى التسليم بواقع الامر.. لا سيما في الامور المصيرية… وقد تسبب له هذا كله في الكثير.. الكثير من المضايقات والاحراجات، ومع ذلك بقي راكبًا رأسه ومنطلقًا انطلاقة سهم اهوج نحو هدف غير محدّد. منذ عرفته وهو ينتقل من مطب إلى اخيه.. او ابن اخيه، حتى انني قرّرت أن اطلق عليه لقب” الاحمق المشكلجي”، وقد كمن وراء اطلاقي هذا اللقب عليه قصة بتفقع من الضحك.
ابتدأت الحكاية عندما دعت ابنته الصبية حديثة العهد بالحياة، بناء على توجيهات سابقة منه، شابا تعرّفت عليه خلال دراستها الجامعية، لزيارتها في البيت، بغرض التعارف والتمهيد للتناسب (نسب)، ابنته فلة، وهذا هو اسمها الذي اطلقه عليها بكل فخر واعتزاز، قامت بدعوة ذلك الشاب.. وهي تتذكر طلبه المهذب اكثر من اللازم منها، ان تدخله في كل صغيرة وكبيرة، قبل الوقوع في الخطأ، وليس بعده، يومها اتخذ حمقان مجلس القاضي الاريب وقال لفلته: اسمعي يا بنتي.. انا اعلم ان زمنكم انتم جيل الشباب اختلف عن زمننا، وان شباب اليوم لم يعودوا يتصرفون مثلما كان يفعل شبان الامس. وهنا نسي حمقان ما اراد ان يقوله لابنته، فاغمض عينيه وشدّ على احداهما مغمضًا اياها.. في حين فتح اختها، في محاولة للتذكر.. الا ان فطنت لم تسعفه، ولم يعرف، على ما بدا ما الذي جعله يتذكر والده رحمه الله، فاتخذ مجلسا موازيا ومجسدا لمجلسه، متصوّرًا انه ينفث دخان غليونه العربي الاصيل، وابتكر كلمات جديدة.. وهو ما دفع ابنته لإطلاق ابتسامة احتبستها طويلا، فنسي مرة اخرى ما اراد ان يقوله بلسان والده، ووجّه اليها سؤالا طالما لجأ اليه او إلى مثله، كلما اعيته الفكرة وصعب عليه الامساك بها. وكان سؤاله هذا واضحا ومحدّدًا: ليش بتضحكي.. انا بحكي جد.. مفيش اي داعي للضحك. قلتلك.. الضحك بلا سبب من قلة الادب.. عندها لم يكن امام ابنته إلا أن تلفت نظره إلى انه لم يقل شيئًا يُذكر حتى تلك اللحظة. حينها حدق في ابنته، واستنجد بزوجته، او مخلّصته فترة طويلة من حياته، فجاءت هذه بعد ان اعياه الصمت واستعصت عليه الكلمات لتسأله: ما الخطب، فأشار إلى ابنته قائلا: اسألي الهانم. ولمّا كانت زوجتُه تعرف ما ستطلبه منه ابنته، لم تسألها، وتوجّهت إليه مُخبرةً إياه ان ابنتهما فلة تعرّفت على شاب جامعي يدرس معها المحاماة، وانها تطلب منه ان يحدّد موعدًا للزيارة، عندها سأل حمقان زوجتَه عما اذا كانت ابنته تأخذ رأيه او تطلب منه ان يُحدّد موعدًا للزيارة، فتصدت له ابنته قائلة إنها هي من ستتزوج وليس هو وان تلك الزيارة انما جاءت بهدف التعارف لا اكثر.. “اما البقية فدعها لي”. اكدت ابنته بلهجة صارمة.

باختصار مفيد وبدون تطويل لا تتحمله القصص الجميلة المشوقة، انتهت بداية ذلك الموقف بعد نحو الساعتين من العراك الكلامي، دون ان تأخذ ابنته وزوجته أي حق.. او حتى أي باطل، أما هو.. حمقان، فلم يتمكن من النوم خلال قيلولة ذلك اليوم، رغم رغبته الابدية فيه، وفي النهاية.. غلبته العادة فاستسلم إلى ملك الكرى، ورأى ابنته فلة وقد ارتدت ثوب الزفاف، فطار عقله من شدة الفرح، إلا إنه رأى في المقابل لصورتها هذه.. صورة والده المرحوم وقد استولت على قسماته علامات التجهم، وما ان رأى صورة والده هذه حتى غابت. عندما افاق حلّل رؤيته على النحو التالي: بالنسبة لفُلّته وثوب الزفاف الابيض، فان ذلك يدل على رغبة كل والد.. وليس على رغبته هو فحسب، في ان تبني ابنته بيتا جديدا جريا على الحكمة الفلسطينية الاصيلة” بارك الله في البيت اللي بطلع منه بيت”. اما بالنسبة لوالده، فان ذلك يشير إلى أهمية الالتزام بالعادات والتقاليد المتوارثة ابًا عن جد.. التقيد بها وعدم الحياد عنها… مهما تقدمت الحياة وتشعبت بها السبل..
مهما يكن الامر.. كان هذا حال حمقان وهو مسلتق تلك اللحظة على سريره في غرفة الاستقبال. اما في غرفة النوم، فقد جلست زوجته إلى ابنتها فُلة، طالبة منها ان تتحمل والدها وعقليته الصعبة.. حتى تمر العاصفة القاصفة، فيما كانت ابنته تطلب بإصرار ان تحظى بإجابة جامعة مانعة: هل تدعو ذلك الشاب للتعرف على أهلها؟ أم تواصل لقاءاتها به في المقهى الجامعي؟، لم تجب الام على سؤال ابنتها هذا، وهمست في اذنها قائلة: لننتظر ما سيقوله والدك.. برضك هو رب البيت. عندها انفجرت ابنتها قائلة: انه ليس صاحب البيت تحديدا وانما مالكه بالوارث، وذلك ضمن اشارة منها إلى أنه لم يبذل اي جهد في امتلاك بيته، كما يفترض بإنسان مجتهد ان يفعل. “صحيح انني ابنته لكنني بت اليوم طالبة جامعية وانا من ستقرر مصيرها وليس أيا من الناس.. لا عمّي ولا خالي”. ما ان اكملت فلة جملتها هذه حتى بلغت الاثنتين، الابنة وامها في غرفة النوم، نحنحة حمقان في غرفة الاستقبال، فهرعت الاثنتان إليه هناك، توقفتا قرب سريره، لتفاجآ به، يرتدي ملابس والده ويحمل غليونه نافثا الدخان إلى البعيد.. البعيد، ومقدّمًا إجابته القاطعة المانعة: انا لا يمكن ان استقبل عريسا لابنتي يزوروني وحيدًا في بيتي. وعندما فتحت ابنته فمها لتعقّب على كلامه، سوّى جلباب أبيه على جسمه السمين وقال لها: انتهت المقابلة.. إما يأتي برفقة والده واما.. ولم يكمل جملته.. مكتفيا بأماه هذه…
انتهت تلك المقابلة بالفعل وهو يشعر بشيء من الرجولة ينتشر ويمتد في ملابسه، فيما عادت زوجته وابنته إلى غرفة النوم، هناك جرى نقاش، اوصلت الام ابنتها في نهايته، إلى انها يُفترض أن تُقنع ذلك الشاب، بأهمية حضور والده لطلب يدها من والدها. لم تقتنع فلة بما قالته والدتها، فقد كانت تعرف رأي الشاب في انه.. هو من سيتزوج وليس والده.. لهذا يُفترض ان يواجه والدها هو وليس والده، إلا انها فوجئت لحظة موافقته على ان يطلب من والده ان يتقدم هو لطلب يدها من والدها حمقان. وقد رأت في موافقته هذه نوعا من جرعة المحبة الزائدة لها، فسرّها ما تم التوصل إليه مع الشاب، وعندما عادت إلى بيتها سألت اباها ان يحدّد وقتًا لزيارة طلب يدها، فنفخ حمقان اوداجه وهو يقول لها: نحن على استعداد لاستقبال ضيوفنا في أي وقت يحدّدونه هم.
غادرت فُلة غرفة الاستقبال لتترك اباها يفكر فيما صارت اليه اموره.. لقد مضى الوقت بسرعة، بالأمس كانت فلته شتلة صغيرة، وها هي اليوم.. اليوم وحسب.. تضحي شجيرة وارفة، وغدا ستصبح شجرة ناضجة تطرح ثمارها السوّاحة الفواحة، وسوف تأتي له بحفيد يواصل طريقه.. طريق الآباء.. وقبلهم الاجداد..
عندما شعر حمقان ان صدره لم يعد يتسع للمزيد من الفرح، نادى زوجته فلم ترد عليه، فسعى إليها في غرفة النوم ليواصل معها وبرفقتها احلام يقظته، وطال الحديث بين الاثنين لتسأل الزوجة حمقانها ما اذا كان قد وافق اخيرًا على الزيارة الموعودة، فهز حمقان في حمية تخيلاته رأسه علامة الموافقة، فما كان من الوالدة الا ان بادرت كريمتها فلة في اول فرصة سنحت لها قائلة: ان عقدة والدك انحلت.. وانه وافق اخيرا على الزيارة المنشودة لنا.
اما ما حصل فيما بعد، فقد جاء على النحو التالي: استجاب والد الشاب لطلب ابنه جريا على العادات والتقاليد.. وتوجه إلى بيت والد فله ليطلب يدها منه، وعندما قرع باب البيت فتحته له أمها مُرحّبةً به. دخل الرجل الكبير الواعي إلى حيث والد فلة، وقبل ان يفوه بأية كلمة، رفع هذا عصا كانت بالقرب منه واندفع باتجاه الداخل اليه صارخا به: معنديش بنات تتزوج من ختيارية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق