ثقافة النثر والقصيد

آمُرُ الزّوبعة بأنْ تَصمت

(10 قصائد)

عبد المجيد بنجلّون – ترجمة: مبارك وساط

تقديم: عبد المجيد بنجلّون

شاعر وممارس للصباغة (تشكيلي) ومؤرّخ مغربي متخصّص في تاريخ شمال المغرب وأستاذ للقانون (سابقاً).
وهو يكتب بالفرنسية.
وقد وُلِد في 17 نونبر 1944. وكتب القصيدة والشّذرة الشّعريّة والشّهادة ذات الطّابَع الرّوائيّ، إلى جانب العديد من الكتب في مجال تاريخ المغرب.
من أعماله الشعريّة:
كائنات وأشياء: نفسُ الصّمت (1976)، مَن يجذِب حِمالات تنفّسي؟ (1989)، نورس يستيقظ من عاصفة (1990)، نايُ الجذور أو الرّقصة الصّامتة (1997)، لا تنحني الأبديّة إلّا إلى جهة الحُبّ (2002) … وفي 2019، صدرت له مجموعة شذرات شعرية بعنوان “جدول في الجَنَّة”، وكتاب شعري يضمّ سبعاً من مجموعاته.

……………………………………………..
– القصائد:

-1-

أُنشئتْ كتابة للدولة خاصة بالموت
مهمّتها إشباع أهواء
الموتى الأحياء
إذا عاش المرء بشكل سيّئ فيمكنه
أن يواسي نفسه بكونه سيموت
ميتةً حسنة
بُنِيَتْ مدينة تحت الأرض لهذا الغرض
شوارعها تؤدّي إلى الزّنازين-القبور
فللمرء الحقّ في زيارة مأواه
خاصّة إنْ كان الأخير
يصله-وفيه يُحتَضر-على درّاجة، على فرس
النّاس يُطالبون بأن يموتوا على سلالم
(ليبدؤوا فوراً في الصّعود إلى السّماء)
بأن يكونوا حاملين رُضَّعاً
(ليُسَجِّلوا أنّ الموت هو ولادة)
بأن يكونوا عراةً وقتها
(احتراماً لتلك اللحظة المَهيبة)
هذا يُريدُ تأبيناً
وهو بعدُ على قيد الحياة
هؤلاء، وهم يُشَكّلون فريقي كرة قدم
يُصرّون على أنْ يسقطوا في اللحظة نفسها
على أرض الملعب
وآخرون يصطفّون
أمام شبّاك اختاروه بالصّدفة
………………………

-2-

حين أَسقطُ في أذن أصمّ
فهو يبدأ في الإحساس بطبلتي أذنيه
حين عشقها شخص ثالث
أودعتْ أطفالها الثّلاثة
لدى مصلحة المساعدة العمومية
حين يستميت القتلة في محاولة إقناع
ضحاياهم بِحسن نيّتهم
فالبعض لا يفهم أنّهم
أدوات في أيدي القَدر
حين يبتلع سنجابٌ قطعةَ نقدٍ دون تروٍّ
أصعدُ إلى قِمّة شجرة
ولا فلس في جيبي
حين يمضي تابع الضّابط لجلب الدّواء
ثلاثة جنود ينفخون في البوق
حين أتظاهرُ بأنّي أعيش
تُحَلّقُ العصافير إلى البعيد
………………………….

-3-
نُورُ عينيك
هو دعوة للغروب
الوجه هو المَشرق
الثديان مَغربا شمسين
البطن بحر هادئ
العضو الجنسيّ هو ظِلّ
اللامرئيّ
السّاقان هما وتدا الرّغبة
الرّدفان فواكه ناضجة
ظهركِ طائرة في السّماء
بلا حركة.
…………………
-4-

أنْ نشتغل، فذلك يُشبه
-رغم كلّ الفروق-
أنْ يُقَدَّمَ لِرُكّاب طائرة
خلال الثّواني العشر التي تفصلهم
عن لحظة الانفجار
صوفاً ليَغزلوه.
………………………………

-5-
في لحظة موتي
سأُوَرِّثُ المحرومين
دمعةً
حين أعالج جراح الصّمت
سأعلن بصوت جهوريّ
انتصاري
حين تقترب النّجوم
من الأرض
سأتواطأ مع القِدّيسين
حين تهرع الطّائرات
لنجدة عصفورٍ جريح
سأبتسم لغير العادلين
حين تُداعبُ الريح الشرقية
غابةَ سَرو
سأُقيمُ السّلام مع الأمازونيّات
حين تصبح الحياةُ رحيمةً
سأسحقُ الحوريّات الأسطوريّات
حين تلتقي كلّ الأسْحار
سأنسحبُ إلى الصّحراء
حين لا يعودُ العميانُ فقراء
سأكتمُ أنفاسَ
الشّرّ.
………………………..

-6-
أحملُ شارةً عبارةَ أحبّك
أرجوانيةً
وأجمع الهموم التي لا أجنحة لها
أتسلّقُ الأشعّة الزّرقاء لعينيك
وأنزل آخرَ أدْراجِ ماضِيَّ
آمُر الزّوبعةَ أن تصمت
وأرسمُ ثلوماً في حقلٍ غيرِ مزروع
أشتري السّعادة من الفزّاعة ذات النّخاع
وأبيعها لمن يريدون أن يبيعوني إيّاها
أمضي على درّاجة
على ظهر حمار
وأبحثُ عنكِ بين حُطام الجراد
……………………

-7-
حين يصير النّاسُ ناساً
سأرفع يديّ إلى السّماء
حين يُجْهِز الأطفالُ على الرّاشدين
سأجذبُ آذان كبار الملائكة
حين تطقطق النّجوم في مِقلاة
سألقي بها إلى مَهَرة الحرّاثين
حين تُصبح للفئران عضويّة
في الجمعيات الرسمية
سأستقيل من منصبي كرئيس
لِمهندسي انحناءات التّبجيل
حين تَهرب الأفكار من رأسي
فأنا لن أُطاردها
حين تضع المرأة يدها في يدي
فأنا لن أدهس القطط
حين تنصهر كلّ الكائنات
في كائن واحد
سيُصبح الموت أمرا شكلِيّاً
حين تصبح الحقيقة معروضةً للبيع
في السوبر ماركت
سأتمنّى أن أكون سميناً من الرّأس
حين لا يعود رجال الإطفاء
يُخيفون أحداً
سأحرق نفسي
باعتباري مارِقاً
حين يتغلغل الفلامنكو في ثنايا الهياج
ستصبح إسبانيا عشيقتي الشّرعيّة
حين يتلهّى لِصُّ البحر والقرصان
بتصنّع معركة بحرية
ستنقذف حوريات البحر عالياً إلى الهواء
حين تزرع الضّفادع أشجار العنب دون جرائم قتل
ستتّخذ نجمات السينما الصاعدات كمساحيقِ تزيين
مبيدات الحشرات.
……………………….

-8-
لن أكون مشهوراً
لن أكون دكتوراً
لن تنتحر أيّ امرأة من فرط حُبّها لي
لن يحمل أيّ شارع اسمي
لن أكتبَ كتباً
لنْ يُكتبَ عنّي أيّ شيء
لن يتذكّرني أحد
ستكون حياتي بلا قيمة
لكنْ على الأقلّ
سيكون اسمي على قبري.
…………………………

-9-
على شاطئ من مسحوق العظام
أوركسترا من المرضى العقليّين
تعزف النّشيد الوطنيّ لجمهوريّة الغيلان.
في غرفة الإعدام بالغاز بالسّجن
الجلّاد وممثّلو القانون
يتلهّون في افتعال
نِزالٍ في البحر.
أمام النظرة الحانية لمُوَلِّدة
ذات عين واحدة
يولدُ رضيع ليلاً مع الثانية عشرة
ويموت مع الثانية عشرة ودقيقة
………………………

-10-
غالباً ما يُشبهُ العميانُ ظلالاً تلبس ثياباً
إنّهم ما زالوا يعيشون
اللحظات الأولى من الخَلق
غالباً ما يُشبه العميان القدّيسين المرسومين
على اللوحات البدائيّة
إنّهم إلى الأبد يُحَدّقون في الموت.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق