قراءات ودراسات

“سماع الصمت” وحكايات طرح النهر للروائي “السيد نجم”

خالد جودة أحمد

للباحث الأديب أ/ السيد نجم مشروعه الفكري الذى تركز فيه عطائه، وتشربت به أنسجة إبداعاته، وهو مشروع المقاومة في الأدب، باعتباره وعيًا ثقافيًا للشعوب في المقام الأول. وإذا كان للناقد الفرنسي سانت بيف قوله عن محاولة استكناه نفس المبدع للنفاذ إلي أغواره: “ينبغي أن يؤخذ من دواة كل مؤلف، المداد الذي يراد رسمه به”، فإني ادون من مداد الكاتب: “أدب المقاومة هو الأدب المعبر عن الذات –الواعية بهويتها- والمتطلعة إلى الحرية .. في مواجهة الآخر العدواني –المعتدى- ليس من أجل الخلاص الفردي، بل لأن يضع الكاتب / الشاعر نصب عينيه: جماعته / عشريته / قبيلته / دولته / أمته .. ومحافظًا علي القيم العليا. هو أدب الذات الجمعي بقلم المبدع الفرد، من أجل حماية كيان الجماعة”
وقد أتت رواية (حكايات طرح النهر) للأديب فعل مقاومة إبداعي لظواهر تجريف الشخصية المصرية المعاصرة، والقضاء علي ثوابتها وقيمها العليا. ومحاولة لمواجهة الإبدال والتغيير الحاصل اجتماعيًا. وصيحة إنذار من الخطر الكامن في قلب العاصفة الاجتماعية القائمة.
وقد استعمل الروائي أسلوب سرد السيرة الذاتية للشخصية الروائية “نواف العجرودي” وأعضاء أسرته خاصة، في إطار زمني يمتد إلى 24 ساعة سردية، وإطار مكاني متخيل “كفر العوانس”. مع تسربيات للقصص الخلفية الكثيرة للشخصيات الروائية، وللسياق التاريخي لكفر العوانس وقاطنيه، وعاداته والتغييرات الحادثة علي طبائع أبنائه وعلاقتهم بذواتهم من ناحية وبالآخر أيضًا من ناحية أخرى.
تبدأ الرواية بتجهيز أساسى سريع يوحي أنها سيرة ذاتية للبطل الرئيس “نواف”، لكن ُيحاط القارئ عندما يستأنف رحلة القراءة للرواية بعد التجهيز الأساسي، بالمعادل الموضوعي للوطن جميعه ممثلًا في “شخصية المكان” وتفاعلات الشخصيات في إطاره. فمن سيرة “نواف العجرودي” تتشكل سيرة قرية مصرية بمجتمعها وأعرافها وأساطيرها.


وتبدو الرواية أنها رواية “نتيجة” تبدأ بما انتهت به –رواية بين قوسين- حيث يتلقي “نواف” ورقة الصبار، وهي ورقة إعلامه بالقضية التي رفعها عليه أبنائه الأربعة مجتمعين بالحجر عليه. وهو التهديد الذي أصاب روح “نواف” بالهزيمة”، ثم تبدأ حكايات الرواية الخمسون بإزالة الأستار عن الجذور اليابسة التي أثمرت هذا الحنظل وأنبتت “ورقة الصبار المرة” من خلال تقنية “الاسترجاع” الروائية، بذهاب للماضي وإياب للحاضر علي خط الزمن الروائي أغلبه استرجاع خارجي يسبق لحظة السرد الآني (لحظة استلامه ورقة الصبار)، والاسترجاع جميعه يجرى في إطار أربعة وعشرون ساعة سردية تبدأ بحكايات ساعات ليلة طويلة حتي ساعات الليلة التالية مرورًا بحكايات قبل مواقيت اليوم الخمسة وبعدها. كأنه محتضر تحضره في لقطات متتابعة ووقت يسير مشاهد من حياته الماضية جميعًا.
بالتالي قدم الروائي تقريره السردي المشمول بعذابات الشخصية الروائية وأزمتها مع تقديم السياق التاريخي لها من محنة الفقد، وتعثر الأبناء، ليختم كتلته السردية الأولي بالفاجعة واستلامه ورقة بحجم نبات شجرة الصبار ثمرة مؤامرة الأنجال الأربعة.
وتعمر الرواية بالرموز للإبدال والتغيير المجتمعي العصيب، والرمز الرئيس تمثل في الطين، مزيج التراب والماء، ففي عبارة دالة: “دار الجد طينية، ضيقة، وتسع الجميع” فهي طينية قبل التغيير، ضيقة ماديًا، لكنها متسعة بدفء التواصل العائلي والتكافل الإنساني بين سكان القرية، هنا الدار النفسية، والتى عبر عنها قول القائل “لا يضيق سم الخياط عن متحابين، ولا تسع الدينا متباغضين”.
ومفردة ضيقة مفردة دالة تعني أن هذا الماضي لم يكن نعيمًا مقيمًا، بل هناك اعتراف أن هناك مشكلات كثر فيه، علي رأسها الفقر والأمية والمتاعب الأخرى، لكن كان هناك تلك الروابط والوداد والقيم البانية للشخصية المصرية التي تم نحرها.
فالدور الطينية أصبحت قليلة، حيث: “رواج فكرة هدم الدور الطينية وتشيدها أسمنتية”، وشاهد آخر: “العتمة غلبت على ملامح القرية المشيدة بالدور الأسمنتية تلك التى كانت بالطين”
وتحضر القرية المصرية في عنصر تراب الأرض، ويحضر العنصر الثاني “الماء”، فهو للمصرى دواء ونماء، تقول الرواية “بتصرف”: “كعادتهم أول ما يبحثون عنه ويسعون إليه في المشاكل أو حتى المصائب، يسعون إلى الماء. رش الماء علي العتبات في الصباح تبركًا .. وفي الجنازات، وعلى المقابر، وفي الأفراح، ويرشون على المرضى، فما من علة وإلا والماء شفاء ودواء”
وتحضر “العصافير” وطائر “أبو قردان” دال علي الخصوبة والأصالة: “فالعصافير شيدت أعشاشها في فراغ بين حلق باب مضيفة “نواف” وحوائطها بسبب سوء الصنعة، أو لأن حلق الباب باب الدار الطينية أكبر من سمك الحوائط الأسمنتية”. لاحظ استعمال تعبير “سوء الصنعة” دال أنه لم يكون ماضيًا مريحًا، لكنه كان صادقًا مؤنسًا أو يلتمس المصرى فيه العزاء بقيم الرعاية والتكافل والاتحاد الذى مثله البيت الكبير. في خاطر نواف: “كان حلم حياتي أن أجمع أهلي وناسي .. الرفاة في مقبرة واحدة، والأولاد في دار تجمعهم .. ما جنيت إلا ورقة بحجم ورقة صبار معناها أني مجنون وسفيه”
ودوال الإبدال المر كثيفة في الرواية: “فالنبراوي طباخ قوالب الطين خليط التراب والطين والقش والمياة وشيء من الحصى أصبح علي رأس عمال قمينة الطوب الأحمر”، وهي القمينة التي أقامها المستغل “همام” زوج حفيظة أصغر أولاد “نواف”. يشير لتجريف خصوبة الأرض الزراعية، وبالتماثل السردي تجريف طيبة المصري ونقائه.
وفي شاهد آخر: “يظن أن كفر العوانس ليس سوى بقع سوداء لدور طينية تشقها بعض الطرقات والحارات الترابية”، ثم: “كيف بانت له الدور الأسمنتية”
وتحضر بيئة المصرى علي ضفاف النيل: “يلاحق الطيور التى كانت بيضاء الريش، صفراء المنقار، يراها جرباء مبرقشة بالسواد الكالح والطين اللزج”
“وأبوقردان أهم طائر في بر النيل لأنه الوحيد الذى يعيش على ضفافه ولا يبني عشًا له”، وتشرح الرواية كيف اختفى طائر “أبوقردان” فأخذ معه البركة وراحة البال بتعبير الرواية. وحديث حول أفاعيل المبيدات: “لو تركت الأمور للطبيعة لسارت الأمور على ما يرام، عندما راجت المبيدات وزادت بسبب وبحجة قتل الدودة لم تمت ولم تختف وماتت طيور أبوقردان”
وتشير الرواية لتحول القرية من منتجة إلى مستهلكة كسولة، عن “هانم” زوجة “نواف”: “… أيام كانت تخبز بالدار، الآن تخبز بالمناسبات”
وتعمر الرواية بتلك اللحظات التاريخية للتغيير الصعب، من خلال الترميز، فنجد شخصية “جميلة” وحبيبها “خاطر” العفي في تأويلي رمزًا لمصر. حيث جميلة تصاب بالنحول والذهول والقبح لأنها دلت علي خاطر في خص أرض طرح النهر ليؤخذ ويكون رمادًا للحرب، فخاطر يرمز لشباب مصرى قتل ألوف منه، فعاد في الرواية متسخًا صامتًا.
ولم تكتفي الرواية بالإبدال في القرية، بل أشارت للمدينة، كأنها تود أن تقول أنها تقصد الوطن جميعه قرى ومدن، عبر الحديث عن النحر الجمالي بمدينة الاسكندرية: “الجمال المعماري المكسو بطلاء أجرب باهت من عوادم السيارات ورطوبة البحر المالحة”
وإشارات أخرى لدواهى تصيب الوطن، منها واقعة العنكبوت الذي يعشش في مركز البحوث الذرية، والتجريف الإيماني في فؤاد عاصم الابن الأكبر لنواف، بعد أن ُزلزت أحلامه وتحول لموظف مصاب بالتبطل بعد الآمال العريضة.
ومنها أيضًا إشارات دواهي التعليم المتعدد، الذى تسبب فى غربة المصريين عن هويتهم، فهناك فرقة المستغربين، أو التعليم العادى في السياق التاريخي بعد 52، والذي لم يكن أكثر من وسيله لتغيير الترتيب والمكانة الاجتماعية.
كان “نواف” المعجون بدقيق العفرته بتعبير الرواية بطلًا اجتماعيًا، ينقذ طفلًا من الغرق، ويواجه عدوان الآخر، ويلقن -وهو يقود أقرانه من كفر العوانس- تلاميذ قرية الحسنة درسًا قاسيًا لن ينسوه عندما مارسوا فعل العدوان عليهم.
ويقدم البطل في إطار منظومة ثنائيات، حيث تصف دوره بمقارنته بآخر، فحضرت ثنائيات (العمدة / نواف)، و (دار العمدة / مضيفة نواف العامرة بالسمر واستشراف مستقبل القرية وأمورها) و (فرسة العمدة / وحمارة جحا كما سميت حمارة تواف).
هذا البطل الذى يسعى لجمع أسرته، ويرتق خرق عشيرته، ويلم رفاتهم في مقبرة واحدة، وأبنائه في بيت واحد، تصيبه التحولات الداهمة فيصاب بالهزيمة
وهناك مفتاح فني حاكم في الرواية، وهي فكرة الروائح فكانت عنوانًا ثابتًا في العناوين الفرعية، وكان أنف نواف يعبر عن فطرة المصري البسيط، الجن الذى عرك الحياة، واستشرف المستقبل –استشراف “نواف” هزيمة يونيه نموذجًا- لذلك يغلب عليه الصمت لأنه مثل زرقاء اليمامة يرى ما لم يراه الآخرون، فعندما هلل أهل القرية في دار العمدة مع دعاية النصر في يونيه، كان نواف شاردًا صموتًا ولما استنطقه العمدة: “رد الصامت وقالها هكذا ثم صمت ثانية “ربنا يستر”. كانت أنف “نواف” تعبر عن فراسته، والقدرة علي تمييز الروائح، والإخبار عن دواخل الآخر، وكانت سر سعوده ومكانته الاجتماعية في القرية.
وأزمة الرواية هو ذهاب هذه الملكة وشحوب تلك الموهبة، لأنها لم ُتسمع في حينها، ولم يستجاب لما قالت به، فنواف رفض تماما زواج حفيظة ابنته من الضلالى همام: “يا حاجه أنفي ونفسي وقلبي وعقلي رافضينه”، كما قبل زيجات باقى أولاده علي مضض وعدم ارتياح. وكانت النتيجة أن فقدت أنفه قدرتها فلم يستشرف حجود ابنائه، وتركوه فرع شجرة وحيد.
فكان “سماع الصمت” بتعبير الرواية، وأيضًا تفسيره وأثره: “الصمت معناه عدم الحوار، الصمت لعنة اللعنات”، و”هالة الصمت” تحضر بالرواية كثيرًا تلف شخصياتها. و”غلالة صمت” كأنها قشرة تفور تحتها النيران.
وتقاوم الرواية الواقع الجديد مرة بالخروج من حالة الصمت وصيحة التحذير، ومرة بالفعل كما اتجه “نواف” لفعل الخير والتبرع بربع أملاكه تطهيرًا لماله وعقابًا لعقوق أبنائه. بل حتى “غضبه” وحالة الأسى من فقد أنفه موهبتها فعل مقاومة في ذاته.
وتمارس العصافير فعل احتجاج أيضًا، فهى تنقر في غضب زجاج باب المضيفة، وفي موضع آخر من الرواية تكاثرت حتى كادت أن تكسر الشراعة.
والرواية رامزة في شخصياتها، ومداها الزمنى طويل، ليرصد الإبدال المر، حتى الأسماء موظفة بطريقة جيدة ودالة، تستثمر التاريخ والتقاليد، نموذجًا “شجرة الدر” زوج العمدة، كأنها تعيد التاريخ: “منذ سنة احتفى العمدة … وباتت زوجته شجرة الدر تدير شئون الناس”. ونموذجًا آخر: “كفر العوانس” كأنها أرض بكر تنتظر الحرث والتثمير رغم فوات الفرصة.
​وجاءت لغة الرواية سهلة، بها بعض مفردات عامية مثل “النأرزة” و “تمقيق” و “اللحاليح” من لحلح أى ألح عليه. و “الخرمنجي” و “المتشحتفة”، و “ابن الفرطوس” و “شوطة”، و”تحويشة”، وحضور التعبير الشعبي: “قلوبكم السودة كلها غلظة”، ومقولة “أم عاصم” زوجة “نواف”: “إحنا روحنا أمانة في جتتنا وزوار علي الأرض” … وغيرها.
​وتظل رمزية العنوان الرئيس للرواية متضافره في تأويلى مع مقاصد الرواية، حيث طرح النهر هى الأرض التى تظهر فجأة بعد إنتهاء موسم الفيضان، وفي ضمير الرواية –كما أرى- هى الواقع الجديد بمفرداته الصموته الغاضبة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق