ثقافة المقال

” إنْ خِلْيَتْ بِلْيَت “

ـ هذه واحِدَةٌ من كتاباتي النثرية الأخيرة، شِبْهَ الشِّعْرِيَّة، التي بَدَأتُ كتابتها مع بَدء النصفِ الأول من شهر تَشْرين الثاني ـ نوفمبر الجاري 2019 ،لأوضح باختصار فهمي لكتابة القِصَّة القصيرة كَحَدَثٍ وفكْرَةٍ ،هيَ وليدة بيئةٍ مُحَدَّدَةٍ زمانًا ومَكانًا ، فَنُوَثِّق ، حَكيَا أو كِتابَةً لِنَسْتَفيدَ من ذاك الحَدَثِ ومِما وكيف كان وَ حَدَثَ، فنتعَلَّمُ مِنْ تجربةِ ما كان ونحسِنُ الاستفادة من تجارب الحياة الإنسانية !

ابراهيم مالك*

عزيزي القارئ ،
لا أكْتُمُكَ سِرًا ما بنفسي ، فكم رَغِبْتُ طويلا ومنذُ بَدَأتْ طفولتي تَشيخُ ، حَقًّا، أن أحْكي لك ولِقارئينَ آخَرين ، فَأذكُرُ أنَّ ما سأحكي لكَ ولقرّائكَ ، صائحًا أو هامِسًا ، هو أسطورة صينيّة قديمة، قرأتها قبل سنين في مَسرَحِيَّة قصيرةٍ ورائعة حَقًّا للشاعر والكاتب المسرحي ، برتولد بريخت ، تأمَّلْتُ الأسطورة والمسرحية بتَمَعُّنِ قارئٍ ، اعتاد طَرْحَ التَّساؤلاتِ على نفسه ، فازددَتُ قناعةً ، إدراكًا ومَعْرِفَةً أنَّ تلكَ الأسطورة هي حِكْمَة حياة مِثْلَ كَثيرِ روايات وكتابات حضاراتنا الإنسانية القديمة وبينَها الحضارة العربية القديمة ، وازدَدْتُ قناعة ومَعْرِفَةً أنَّ هذه الحضارات نَشأتْ مع بدء العقل الإنساني في التَّحَرُّكِ البسيط الواهم والمتخيِّل ، بَدئِهِ عملاً ، فِكْرًا ولملمة تجربًة إنسانية ، فنشَأت الخُرافة والأسطورة وانطلقتا فباتتا حِكايَةً شعبية وقِصَّةً قَصيرة .
حَقيقَةً ، كَمْ تَمَنَّيْتُ كثيرًا ومِرارًا لَوْ أن أمّي حَكَتْها لي ، لَصِرْتُ أكثر إدراكًا ومَعْرِفَة.

تَقولُ الأسطورة الصّينِيَّة :

كان يسكن في أعالي السماء آلهة ثلاثة، كانوا إخوة.
قال الإله الأكبر، وكان كبيرَ إخوته :
“عمّ الأرضَ الفَسادُ وطمّ ” .
الإنسان ـ بعضه ـ أسود رأس ، أبيَضُه أو أصفره ، وفي كُلِّ بيئةٍ ناكِرٌ للجميل، أعطيناه الطبيعة الرائعة، وهبناه الحياة ، فعمل على إفسادهما. فاستحق ما كان من طوفانٍ وحُروبٍ وما سيأتي من كوارث ومجاعات وحروب وأوبئة ” .
قال الأوسط :
” بلغ السَّيلُ الزُّبى ! “.
قال الإله الأصغر، متحدّيا أخويه، وبتفاؤلٍ عُرِفَ عنه :
“إنْ خِلْيَتْ بِلْيَتْ ، ما زال ثمّة بذرة خير على الأرض”.
احتدّ النقاش فيما بينهم . خلصوا إلى رهان. وقرروا النزول إلى الأرض ،
ليروا بأنفسهم الحقيقة وليحكموا.
نزلوا في قرية، يحكمها ملوك رجال. أتوها بملابس متخفية، وعاشوا بين
ظهراني الناس.
عجبوا مما رأت عيونهم وسمعت آذانهم.
كانت امرأة مسنة وحيدة تعيش في القرية، تتعرض بصبرٍ وَعَقلٍ لفعال الرجال السَّيِئَة
وتقابلها بابتسامة.
حاروا فيما بينهم :
من أين لهذه المرأة المسنة كل هذه المقدرة على الاحتفاظ بالطيبة العاقِلَة في قرية يسيء فيها الجميع إليها .
مكثوا في القرية شهرا، قال في نهايته الأخ الأكبر:
” أعْتَرِفُ، خَسِرْتُ الرِّهان “.
وقال الأوسط، وقد رأى نفسه جالسًا أمامَ قدمَيِّ المَرْأة :
” وأنا خسِرتُ الرِّهان ” .
هتف الأخ الأصغر فَرِحًا:
“ما زال على الأرض ثمّة بذرة خير ، فَإنْ خِلْيَتْ بِلْيَتْ ” .

حِكْمَةُ حَياةٍ رائعة
لَحْظَةَ ، تأمَّلْتُ الأسطورَة والمَسْرَحِيَّة وما فيهما مِنْ حِكَمِ حَياة ، باتتْ بَعْضَ حِكَمِ حَياتي مع تَقَدُّمِ عُمُري ، تَذكَّرْتُ حِكَمَ 3 أساطير وحِكايَةٍ شعبية .
ترتبطُ الأولى بالحَكيمِ الأسطوري العربي الصَّحْراوي القديم سليمان الحكيم ، أخُ لقمان الحَكيم وابنُ أمِّهِ الحياة وتتحَدَّثُ عن حُب الأمِّ الحقيقِيَة لِمَوْلودها !
تَرْوي الأسطورة أن امرأتين اختلفتا ذاتَ يَوْمٍ عَمَّن تَكونُ الأمُ الحقيقِيَّة ؟ فَذَهَبَتا إلى سُلَيمان
الحكيم لسماعِ رَايِه .
ادَّعَتْ واحِدَة أنَّها الأم !
وأكَّدَتِ الأخرى أنَّها الأمَّ الحَقيقِيَّة .
عِنْدَها ، تَأمَّلَ الحكيمُ عَيْنَيِّ الواحِدَة والأخرى ، وقالَ مَحزونًا :
والله ، وحَقِّ ربي ، لا أعرفُ مَنِ تكونُ الأمُّ الحَقيقِيَّة ، فاعْذُراني ، لكن سأقسِّمُ الولَدَ بِسِكّيني وأعطي لِكُلِّ واحدَةٍ نِصْفَهُ !
فانْفَجَرَتِ الأمُّ الحقيقية صارِخَةً :
لا ،لتأخُذُهُ ، لَنْ أقبلَ موتُهُ ، فما يعنيني هُوَ أنْ يَظَلَّ ابنَ الحياة ، وانفجَرَتْ بالبًكاء .
أما الأخرى ، فبقِيَتْ صامِتَة .
عِنْدَها نهض الحكيم ُ من قَعْدَتِهِ ، أغلَقَ عينيه وصاحَ :
ما أكرَمَكَ يا رَبّي ، عَلَّمْتَني ما لَمْ أعْلَمْ .
فتح عينيه وقالَ للأمِّ الحَقيقِيَّة الباكية والرافضة قتلَ ابنِها :
بَعْدَ قليلِ تساؤلٍ مع نفسي وقليلِ تفكيرٍ ازدَدْتُ قناعَةً ومَعْرِفَةً أنَّكِ الأمُّ ، فانْهَضي وخُذي ، ليَكْبُرَ ويَنْعَمَ بالحياة مَعَكِ ..

أسطورة سومرية
وتَرْوي أسطورَةٌ سومَرِيَّةٌ قرأتُها ذاتَ يومٍ وقد وثَّقَها مُؤرِخٌ بريطانِيٌّ قبل أكثر من مِئتَيْ سنة وترجمها للعربِيَّة كاتِبٌ عراقِيٌّ اسمه قاسم الشوّاف وكتَبَ مُقَدَّمَتَه الكاتب السوري اللُبْناني أدونيس ، تروي أنَّ الآلِهَة السومَرِية علِمَت بما اقترَفَهُ أحَد إخْوَتِها ، إلهٌ آخر .
تَرْوي أنَّ ذاكَ الإله رأى فتاةً شابًّةً تَسبَحُ عاريَةً في النَّهْرِ ، فَهَبَطَ من عَلْيائه واغتصبها . فَقَرَّرَتِ الآلهة استِدعاءَه وسؤاله عَمَنْ أعطاه حَقَّ اغتصابِه الشّابة وانتِزاعِ حُرِّيَّتِها الحَياتِيَّة ؟
يَوْمَها بَدَأ يزدادُ تساؤلي وهَمْسي الصارخ :
ما أروعَكِ يا حِكَمُ تلك الأساطير ،
وكم يَجْمُلُ بِنا اليومَ خُصوصًا أن نَتَعَلَّمَ مِنْكِ ، فلا يبقى بيننا اغتِصابُ جَسَدٍ ولا اغتِصابُ أرضٍ ولا اغتصابُ كَراماتٍ أو حُرِّياتِ حياة .

التواصل الإنساني
حِكَمٌ وضَروراتُ حَياة

اندَهَشْتُ حَقًّا ،
حينَ قَرأتَ أسطورَةً إيطالِيَّة ، يونانِيَّة الأصول تَتَحَدثّ عن كبيرِ آلِهة كان يركبُ ثورَهُ المُقَدَّسَ
ويطوفُ في فَضاءِ البَحْرِ الكَنْعاني ، فرأى شابة لبنانِية ـ سوريّة ابنة واحِدٍ من الآلِهَةِ الكَنعانِيَّة ـ الفينيقِيَّة .
لَحظتها هبَطَ سِرًّا وسريعا ونزلَ من ثورهِ ، رَأتهُ الشابة ، فاعْتَلَتْ ظَهْرَ الثَّوْرِ مُنْدَهِشَةً بنورِ جمالِهِ . فما كانَ من كَبيرِ الآلِهة إلّا أن سارع وقفز يَمْتطي وراءها وخَطَفَها . وحينَ وَصَلَ إلى بلدِهِ ، باتَتِ الشابةُ زوجَتَهُ المَعْشوقة ، لكِنَّهُ سَرْعانَ ما لاحظَ حُزنَها اليومي وكان حُزنًا موجِعًا ولم تُخْفِه أنَّ أكثرَ ما يوجِعها هو إبْعادُها عن أهلها وناسها ، مَن وُلِدَتْ وانطلقت من جيل حَبْوِها الطُفولي ومِنَ الأرْضِ التي وُلِدَتْ فيها فرأتْ نورَ الحياة .
عِنْدَها صَحَبَها وركبا مَعًا الثَّورَ المُقَدَّسَ وانطَلَقا يطوفانِ في سماء بلدِه وأرضه ، وحينَ رَأتِ الشّابة جمالِيّات طَبيعَتِها اندَهَشتْ كثيرًا، إذ أدرَكَتْ أنَّ لِكُلِّ طبيعةٍ جمالياتها الخاصة والمُتَشابِهَة .
حين لاحظ زوجُها اندِهاشَها وبِدايَةَ ارتِياحِها النَّفسي المُفرِح ، سألَها مَرَّةً ثانِية عن اسمها ،
قالت : أوروبا .
قال سريعًا :
أنَّ هذا سيصبِحُ اسمَ بلدي وستصيرُ أرضي أرضَكِ وسيبقى تواصُلُنا الحياتي شرطَ حَياتِنا .

حكاية شعبية مَغْرِبٍيَّة

رَوى لي هذه الحِكاية كاتِبٌ فَنّانٌ من مدينة فاس المَغرِبِيَّة ، سرعان ما بات واحِدًا من كُتّابنا الفنّانين الرّائعين ، واسِعي الثقافة ُ، يقيم في بلدة كفر قرع الواقعة جنوب تلة الرّوحا وغربَ وادي عارة في المثلَّثِ الشمالي ، وقد انتقل للعيش هنا مع فنّانَة باتت شريكة حياته وأمَّ طفليه ( سلمى وعمر ) وكانِ قد اشتَعل عِشْقًا إنسانِيًّا بالفنانة ابنة هذه البلدة وبادلته هذا العِشْق باحترامٍ وأمل وسرعان ما تزَوَّجا .
حَكى أكثر من مَرَّةٍ ، أصغيتُ لَهُ باحترامٍ واندهاش :
عاشَ إنسانٌ مَغْرِبِيٌّ في بَلدةٍ قريبَة من فاس واندَفَعَ ذات يوم لترميم جُدْرانَ وسَقْفَ مبناه الأثري الجميل ، فَطلبَ من ” مِعْمَرْجي ” مَوْهوبٍ ومَعْروفٍ في بَلَدَتِهِ أن يبدَأ في ترميمِ المَبْنى كيلا يفقِدَهُ بفَعْلِ تَقَدُّمِ الزمن ، فبدأ العمل حالًا وحين انتهى من ترميمِ الجُدْرانِ صعد إلى السَّقْفِ ، تأمَّله فاندَهَشَ مِمّا رأى ، وجد شِبْهَ حَصى وِديانٍ ورَملٍ ملوّن ، فظَنَّه مُتَأكِّدًا أنَّهُ ثَرْوةُ حَجَرٍ كريم غالٍ الثمن .
وَضَعَه في جيبه ونزل حالًا لِيَرى صاحبَ المبنى ويعطيه الحجر ، ما وجدهُ على السَّقْفِ .
حَدَّثَ صاحِبَ المبنى وقال حقيقةً لا أعرفُ مَنْ هو صاحِبُ هذا الحجَرُ المُلَوَّنُ وثمين القيمة ، أحسَبُهُ لك ، فخُذه المُهِم وجدته فوق مبناك … !
أجابَ الصّاحبُ سريعًا وباسِمًا :
لَمْ أرَهُ من قبل ، أنتَ وجدتَهُ ، فهو لك .
وبَعْدَ نقاشٍ طَويلٍ اتَّفَقا التشاور مع أحَدِ حُكَماءِ البلدة الأشبه بقاضٍ نزيه ، لا كأكثرَ قُضاةِ اليَوْم .
وحين وصلا إلى ذلك الحكيم ، أصغى لهُما باهتِمامِ جادٍّ وبعد صمتٍ مُفَكِّرٍ ، قال لهما حَقًا لا أعرِفُ مَنْ مِنكما الصّاحِبُ الحَق ، فالصاحبُ الحَقيقي هو بلدَتُنا ، ودْيانُها ورَملُها وربما طيرها المُحَلِّقُ ودائم التحليق في سماء بَلْدَتِنا وبين شجرها ورُبَّما هذا الطائِرُ وجدَ هذا الحَجَرَ ، ظَنَّهُ حَبَّةَ فاكِهَةٍ مُلَوَّنَة ، فحمله بمنقاره صُدْفَةً إلى سقفِ مَبناكَ ، تركَه فوقه وبعْدَ زمنٍ جِئتَ للعمل فوجدْتَهُ . فَهْوَ لكما ولي وللبلدة ، بَلْدَتِنا .
وبعدَ صَمتٍ آخِذٍ في تأمُّلِ فِعْلِ رَدِّهما ، قال :
كم وَدَدْتُ لو أنَّكُما ستبيعانُهُ وتبدَئا مَعًا ومع آخرين كثيرين من ناس بلدتنا ومِمَّن تَتَواصَلونَ معهم في بناء جامِعٍ ومَدْرَسَةٍ فوقَ أرضٍ قريبةٍ من سَكَنِكُما ، هِيَ ملكٌ عام لا صاحبَ لها غيرنا ، ففي المدرسة تتَّسعُ مَعْرِفَةُ ويزداد فهمُ أكثر ناسنا وفي الجامعِ قَدْ يتَّسِعُ الإيمان الكريمُ الخَيِّرُ والرَّجيم لا العنيف في التَّواصُل .
وما أن التزم الصَّمْتَ ثانيةً ، شَكَراه ، شُكْرًا صادقا ، وخرجا للبَدْء في البَحْثِ عن مُشْتَرٍ ، أرْضٍ وبَدءِ بِناءِ مدرَسَةٍ وجامِعٍ وما احتاجَتْه البلْدَة واحتاجَهُ ناسُها !

*ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق