ثقافة المقال

أسئلة عن مسارات الرواية بعد ربيع العرب

منى بشلم
كانت البداية مع رسم الواقع أو محاكاته، ثم تحرر الفن شيئا فشيئا، ودون دخول في تفصيلات مسارات التفكير والإبداع الإنساني، أقترب مباشرة من عصرنا من روايتنا الرواية العربية التي استعارت ملامح الواقعية لترسم روائعها الأولى، ثم تشظى واقعها على النكسات التاريخية، والخيبات سواء خيبة الجماهير، أو خيبة الطبقة المثقفة، وأنا هنا أفصل بينهما عامدة لأن ما انتظرته الفئتان وإن كان ظاهريا هو الحلم ذاته إلا أن المسار الذي ابتغته الشعوب كان مختلفا عن رؤيا مثقفيها ومبدعيها. هنا تدخل الرواية مرحلة جديدة تشظى فيها الشكل ،تفتت النص، غابت الإرادة الإنسانية، هيمنت الرؤيا العبثية وطغى الإحساس بالضياع..
وغيرها كثير من ميزات النصوص التي كتبت بعد النكسة بشكل عام ، كان إذن تجديد في جسد النص – تجاوزا –  من منطلق أن الشكل يعبر عن حال الإنسان و حال المجتمع  بشكل قوي، أن الشكل بعبارة أدق “دال”. مات الإنسان إذن متأثرا بعمق خيباته، أفلت المبادئ و الشعارات، انتهى الأمل ، سقطت الإرادة في عبثية الأقدار التي تتلهى بنا. كتبت الرواية ساخرة من ذاتها ..من فنياتها ، و من عظمة الفن ذاته ، كتبت الميتارواية، و كتبت الروايات المفتتة ، ارتقى – وأضع الفعل بين قوسين حادين- الفن مبتعدا عن جمهوره الذي كتب له ، متأثرا و هذا لا يخفى على أحد بالتيارات الفنية الغربية.
اليوم .. تصحو الإرادة الإنسانة في العربي الذي كسرته الحوادث، ليتخذ قراره  – حتى إن وضعنا القرار بين قوسين حادين أيضا – و يشعل ربيعه.. ربيع زحزح الموت صمتا، و أسقط الصمت حتى و إن كان ثمن السقوط هو الدم ..حتى و إن كان الغد باهت المعالم. هل سيقرأ هذا الحي أدبا مات كاتبه بقرار نقدي ، هل سيقرأ هذا المقرر نصوص العبثية القدرية، ماذا يتوقع هذا القارئ الجديد ، المثقل بتاريخ من الخيبات و النكسات ، و المنتشي بانتصاره على ذاته و مآسي الأمس.
أول السؤال أمس أيضا هل سيرضى و قد ارتقى نحو دلالة الشكل و الكتابة عبر نوعية، وتداخل الأجناس الأدبية بالتنازل عن هذه المنجزات في المسار التطوري للنص، حتى و إن كانت بقايا من عهد يود التخلص منه ، إن كانت الإجابة بالإجاب فهل سيتسمر مستمتعا بنص مفتت كحياة تشظت على ناصية الخيبة ، هل مازلنا في حاجة إلى التجديد الشكلي بعد أن بالغ النص – و لن أقول الروائي لأن ما يهم هو النص لا غير- في التجديد الشكلي إلى حد يعترف فيه القارئ أنه لا يفهم ما يقرأ ، و يقر فيه الروائي أنه يكتب للأكاديميين، ألا يستحق القارئ غير المتخصص بعض المراعاة ، و هل مراعاته تعني التنازل .. إنها مجرد أسئلة، لا أملك الإجابة عنها، و لا أظن غيري يملك، مع احترام شديد لخصوصية كل إنتاج إبداعي و رؤيا فنية.
بحثا عن بعض الإشارات على طريق الغد لنتأمل اليوم ، الاختيار الحر – بين قوسي النظرة البريئة – لشعوب الثورات تونس ، مصر مثالا اتجه صوب التيارات الاسلامية ، لن نناقش الأمر سياسيا فهذا لا يهم ، بل أطل عليه من زاوية أخرى ، لنحاول رؤية ما يرغب به جمهور عاش القهر لعقود ، لماذا يختار الإسلاميين ، أقرؤها عودة للإسلام فكرة لا أشخاصا ، أقرؤها بحثا عن الذات ، عن مقومات و هوية الذات العربية التي انسلخت منها منذ عقود الخيبة والنكسات، والتي طمستها النظريات و الرؤى المستوردة من بلدان لها هويتها الخاصة و المتميزة، التي ليس علينا أن نشبهها. عودا للسؤال هل سيكتب لهذه الذات أدب استقى أشكاله من هوية مختلفة، هل ستستمر الكتابة بتغذية الروح الجديدة بقوالب مستوردة ، أم أن الرواية ستتفطن لضرورة التجديد المضامين ، ليس للتماشي مع السائد الجديد و لكن لتعميق النقاش حول الواقع الجديد، و بناء قارئ جديد يكون في مستوى انسان ما بعد الثورة، تفاديا لأخطاء الثورات السابقة.

*كاتبة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق