ثقافة السرد

التجريدة

بقلم / على حزين

اليوم يختلف تماماً عن أي يوم مضى .. لا ادري ما الذي يحدث في الخارج ..؟! , ولماذا لم يُفتح السجن حتى الآن.. ولماذا الزنازين مغلقة على من فيها في العنبر وحتى الآن , ماذا جرى بحق السماء.. وماذا يحدث ..؟!! …………………. اليوم ليس كأي يوم عادي ..الصمت يلف كل شيء.. والكل في سكون رهيب.. وفي هدوء الصمت الذي يسبق العاصفة .. السجن كل السجن اليوم سمع هوس , ترمي الإبرة على الأرض ترن ………… السجن في هذا الصباح .. يسكنه صمت القبور.. ولم يخرج أحداً من العنبر حتى الآن .. حتى الأشغال لم تخرج .. إذاً ما العمل .؟.. وماذا أصنع ..؟ …. نظرت في ساعة يدي .. كانت تشير إلي التاسعة صباحاً … كل من في الزنزانة من حولي في حالة غموض .. قمت من مكاني , اتجهت صوب الباب الحديدي.. نظرت من الكوة الصغيرة التي بباب الزنزانة .. ” النظارة ” .. محاولا أن أفهم ما يحدث .. أو بحثاً عن أي أحد أسأله , عما يدور من حولي من غموض .. لكني لم أجد إلا الصمت , والهدوء المترقب بالحذر .. وأخذت أضرب على باب الزنزانة الحديدي بيدي الموهنة .. فجاءني صوت قهقهة من خلفي لأحد رفقاء الزنزانة , يصحبه صوت أخر يحمل في طيات نبرة ساخرة , وهو يقول لي

ــ فاكر حد هـ يجيلك يفتح لك الباب .. طاب تعالي مكانك . لحسن نتكدر بسببك

عدت إلي مكاني , من حيث جئت على الأرض جلست , فوق ” النمرة ” أشعلت سيجارة , وقد قام أحد أخر غيري لينظر.. لعله يجد تفسيرا لما يحدث .. أو يعرف ماذا يحدث في الخارج .. جعل السجن مغلقا , ولم ُيفتح إلي الآن ..؟!… شعرت بشيء في بطني يؤلمني .. فأنا أريد أن اقضي حاجتي , والذهاب إلي الحمام الذي في الخارج .. كل صباح يمثل بالنسبة لي .. شيء مهم بل ضروري وحيوي.. فالحوض الذي في الزنزانة لا يصلح لذلك , فضلا علي انه لا يسمح فيه بذلك أصلاً .. فهو للتشطيف وغسيل المواعين المتسخة .. والتبول فيه وفقط ..

تحاملت على نفسي لأقصي درجة , وتظاهرة بالصلابة والقوة .. وأنا بداخلي ما الله به عليم .. أشياء غريبة تحدث .. القولون العصبي .. وما إدراك ما القولون العصبي .. وخصوصا إذا جاءك وأنت في السجن ..

” السجن مرتع خصب للإمراض والأوبئة المستوطنة .. بحكم الاختلاط , والمكان , والزحام , والنفس .. والروائح الكريهة .. وهناك قصص لا تحصي , ولا تنتهي عن المرضى الذين أصيبوا في داخل السجون بسبب كل ذلك .. بل هناك من مات أيضاً بسبب عدم الاهتمام .. وعدم الرعاية الطبية .. المرض في السجن شيء فظيع .. لك أن تتصور أن دعوة الناس هنا في السجن .. ” اللهم اكفنا شر المرض .. وعدي هذه الأيام السوداء على خير .. ” …..

انتابتني حالة غريبة من ضيق في التنفس , مع مزيج من المشاعر المتناقضة المتضاربة .. ألقيت السيجارة من يدي في حوض التشطيف .. الذي لا شيء يستره إلا بطانية ميري رصاصي قديمة ومتهالكة .. وأنا أحاول أن أتماسك , وأريد أن أصرخ بكل ما أملك من قوةٍ .. وما أتيت من علو صوت ,

ــ الحمام أريد أن اذهب إلي الحمام .. بطني تقتلني وتُميتني من شدة الألم ..

ولكن أعرف أن أحداً لن يجيبني .. بل سأكون مادة للسخرية .. ومدعاة للضحك من رفقاء الحبس في الزنزانة .. وربما أُعرض نفسي للتعذير , أو السجن الانفرادي .. فابتلعت لساني لأني أعرف أن أحدا لن يفتح لي ..

أذكر في إحدى ليالي الشتاء .. أصيب أحد المساجين بكريزة كلى مفاجأة .. وكانت الساعة الواحدة ليلاً .. فأخذ يصرخ ويتلوى من شدة الألم .. وهو ينادي عليهم ليفتحوا له الزنزانة .. ولا مجيب .. وهو يكاد يقطم من الأرض الملقى عليها .. ولكن هيهات , هيهات .. ولا حياة لمن تنادي , ولا مجيب أيضا …

هذا اليوم غريب جدا , وعجيب أيضا.. لم يسبق وأن حدث معي مثل هذا من قبل .. منذ جئت إلي هنا إلي هذا السجن اللعين , وتحديدا ” عنبر أ ” وكل شيء هنا يمشي كالساعة .. في الصباح نوبة الصحيان .. تفتح الزنازين الساعة السابعة صباحا .. تخرج الأشغال وهم “عبارة عن مساجين صنفوا في أعمال خاصة داخل السجن .. كلاً على حسبه فمنهم , من يخرج إلي الورشة , ومنهم من يخرج إلى المزرعة , ومنهم من يذهب الي المطبخ , ومنهم إلي الفرن …الخ “.. ثم تأتي الجراية .. ثلاثة أرغفة مصري فقط لا غير .. ومعلقة من الفول المدمس .. وفي الغداء كبشة أرز مع كبشة خضار سبانخ أو كرنب أو كوسة على حسب.. وسعات يتركوا الغداء في أزان أو صفائح , وسط العنبر قرب السلم .. وكل واحد من المساجين يأخذ منها ما يريد , أو ما يشاء ..

” أذكر أننا كنا نتجمع حول أزان الأرز , وأذان العدس الأصفر ونأكل منه بأيدينا وبعضنا كان يضع معلقة في جيبه يأكل بها .. وكنت أنا ممن يجلس ليأكل معهم .. وكنت أفرز وانقي الأرز من الحصى والطينة قبل أن أكله , ” ….

وفي العشاء الجراية قطعة جبن بيضاء صغيرة , أو قطعة من لحم مائة جرام .. وغالباً لا يأكل أحداً من هذا الطعام إلا الفقراء . والذين انقطعت عنهم الزيارة .. ولم يأتي أهلوهم لزيارتهم , أما الأثرياء فكانوا يعتمدوا على ما يأتيهم من ذويهم من طعام في الزيارات .. وأيضاً كانوا يأكلون من ” الكالتين “. ثم يفتح باب العنبر للمساجين للتريض في خارج العنبر .. لمدة ساعة , أو ساعتان تقريباً ..

” في التريض فسحة , وكوميديا سوداء .. فكثيراً ما كنت أنظر لما يفعله المساجين وأضحك .. لما أرى منهم من أفعال مضحكة في نظري , أفعال ربما تشبه أفعال المجانيين .. فمنهم من كان يجري وهو طاعن في السن , وهرم .. ومنهم من كان يقفز في مكانه كالبهلوان , وربما جرى أيضاً , ومنهم من كان يصطحب صاحباً يعرفه , أو لا يعرفه , المهم يظلا يمشيا طول الوقت , ويدورا في المكان , وهما يتكلمان , ويثرثران , ويرغيان في أشياء , ربما تكون مهمة , وربما تكون مضحكة أيضاً , حتى إذا ما تعبا يجلسا في مكان ما يكملا حديثهما .. ثم يصفر بالصفارة بانتهاء الوقت .. وينادى بالعودة إلي السجن .. والدخول إلي العنبر .. مع بقاء الزنازين مفتحة الأبواب .. إلا في حالات نادرة .. كانت الزنازين تغلق فيها علينا , لأسباب معينة , وغالبا ما كنا نعرف الأسباب .. كنشوب إحدى المشاجرات , أو شغب يحدث من بعض المسجين .. أو خصومة جاءت من الخارج والخصومة هي عبارة عن ” شخصان,أو طرفان جاءوا في قضية واحدة , وغالباً ما تكون مشاجرة , أو قضية ثأر .. فكان يغلق علينا الزنازين فترة وفترة .. بمعني تفتح الزنزانة التي بها خصومة بعض الوقت , ثم تدخل وتغلق , ثم يفتح للأخرى وهكذا , حتى تنتهي المحاكمة.. ثم يرسلوا أحد الخصمين إلي سجن أخر بعيد .”.. لكن كنا غالباً ما نعرف السبب .. لكن مثل هذا لم أري .. ولم أسمع من قبل …

” على أن أتأقلم على هذا الوضع الجديد ، كل شيء قد تغير مائة وتسعون درجة وغالبا الأقدار هي التي تختار ، ودائماً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ، وأنا هنا في السجن .. ولست في أحسن حالاتي ألان ، أو بمعني أخر .. أنا في وضع لا أحسد عليه إطلاقاً , أو بمعني ثالث , تجاوزت مرحلة عض الأصابع بأربع مراحل وأصبحت في مربع التيه .. توهه لا ليها أول ولا أخر .. ولا يعلمها إلا الله .. كل شيء ضاع ، العمر ضاع، والحب ضاع ، والحلم ضاع , ولم يبقي إلا الحسرة , والألم .. ألم أقل لكم بأني في وضع لا أحسد عليه.. ومع ذلك مازلت صامداً ، ثابتاً ولن اهتز .. ومازلت متمسكا بالحياة .. وحقي فيها بأن أعيش حر طليق كالطير .. أو حتى كإنسان له حقوق يأخذها , وعليه واجبات يُؤديها ” …

لماذا لم يفتح السجن حتى ألان ..؟!.. أهل اختفي الجميع .؟!.. أم هل مات كل السجن .؟!..هل خرج كل من فيه إلي المحكمة .؟! .. أم انه كابوس سخيف مزعج من كوابيس السجن اللعين ..؟!.. أم أني أحلم .؟!..لا,لا أنه ليس حلم , فهذه بطني تكاد أن تقتلني .. وأنا أريد أن أذهب إلي الحمام .. فمن يفتح لي من , وكل زنازين السجن الآن مغلقة علينا .. لماذا يحدث هذا.. ولماذا لم يفتح لنا , حقاً إنها عجيبة تضاف إلي عجائب هذا السجن اللعين .؟!!…

ربما يكون هناك شيء ما .. ربما ..؟!.. بالتأكيد هناك شيء ما يحدث , ولكن ما هو , أنا لا ادري ..؟. أريد أن أعرف , أريد أن أخرج , أريد الحمام ..؟!..

اللعنة على السجن ومن فيه , ولمن جاء بي إلي هنا .. واللعنة على الجميع ..

ولا وأحد خرج إلي الآن من الزنازين , حتى الأشغال ..” أنا لست واحد منهم طبعاً فأنا تخزين , والتخزين هو عبارة عن عدم الخروج للأشغال لسبب ماء , كالمرض وكبر السن , أو الدراسة من داخل السجن , وهكذا , وأنا واحداً ممن يدرسون داخل السجن .. ولن يسمح لي قطعاً بالخروج مهما حدث ” ,

و” حسن كلبه ” أين ذهب هذا الصباح , لما لم يدور في ممرات العنبر ــ كعادته ــ بأدواره الأربع .. مثل كل صباح , ليوقظ المساجين بصوته الجهوري ..وقولته الشهيرة , والتي يحفظها الجميع عنه , هنا داخل العنبر …

ــ يا عم سيبها على الله .. يا عم قول يا رب

لم أسمع صوته حتى الآن .. أين ذهب .؟ .. هل مات ..؟ .. هل خرج إفراج .؟ .. هل ذهب صوته .؟.. أين ذهب , لا أدري ..؟! .. حتى الجلسات لم ينادى عليها حتى ألان .. ورحت اسأل نفسي في نفسي من جديد

” أيكون اليوم عطلة رسمية .. أجازة , ربما , فأنا هاهنا لا أعرف شيءً , فضلاً على معرفة العطلات , والأيام , والمناسبات .. فالأيام كلها عندي سواء , يوم واحد متكرر , حتى أحداثة متكررة أيضاً , فالزمن هنا متوقف عندي تماماً , مع محاولتي الدءوبة دائماً في تغير بعض الأشياء , حتى اقتل بها هذا الروتين , وهذا الملل القائل ” ..

عقلي يكاد يُجن , ورأسي تكاد تنفجر , من كثرة التفكير , والتحليلات , والتوقعات وبطني تكاد تقتلني , ولا أحدا يسأل عني , أو يسأل في ..؟.. هذه أول مرة يحدث فيها معي مثل هذا الأمر..منذ جئت إلي هنا.. وسكنت عنبر( أ ) … لقد بقي ساعة على وقت التريض وينتهي , وأنا أريد أن أذهب إلي الحمام .. اللعنة ..

منذ دخلت السجن , وجئت إلي هنا , وأنا لم أري مثل هذا الصباح .. نعم سمعت من بعض المساجين , عن مثل هذا , لكن لم أعرف ما سيحدث بالضبط .. أيكون في هذا اليوم , تنفيذ أحكام إعدام , لذا أغلقوا الزنازين علينا .. ولم يفتحوا السجن لابد أنه أمر مهم قد حدث .. أمر خطير . وجلل .. لابد في الأمر شيء ما .. أكيد في الأمر شيء .. لكن ما هو هذا الشيء اللعين ..؟!!. ,

” بالأمس علمنا أن المحكمة أيدت حكم الإعدام على ” أبانوب “.. هذا اللص الذي ما كفاه سرقة البيت الذي هجم عليه ليسرقه , حتى اغتصب المرأة الشابة الأرمل بعدما فشلت كل محولاتها للدفاع عن نفسها.. إلا أنه قام بضربها حتى فقدت الوعي واغتصبها , ثم قام بقتلها , وإشعال النار في البيت , حتى يخفي معالم جريمته الشنعاء .. واتخذت قضيته رأي عام .. ” ..

أيكون هذا اليوم , يوم تنفيذ الحكم بإعدامه , ربما ..؟! .. لكن لا , لا أظن ذلك .. فقد اعتدنا وتعودنا بأن نسمع غالباً , أصوات من يقودونهم إلي غرفة الإعدام , ونسمعهم وهم يصرخون , ويبكون , وأنا لم أسمع حتى الآن أي صوت , ثم غالباً يكون تنفذ هذه الأحكام بعد الفجر .. لا أظن ذلك …

الساعة الآن تقترب على التاسعة وربع صباحاً .. والكل يجلس علي نمرته .. والكل في صمت , وترقب , وانتظار يشوبه الحذر .. وقد بدا علي بعضهم القلق , والاضطراب , وظهر الخوف واضحاً على الوجوه ,

رفقاء الزنزانة يتمتم بعضهم مع بعض .. يتناقشون فيما بينهم بصوت خافت .. عن توقعاتهم لما سيحدث بعد قليل , وما ينبغي أن يحدث في مثل هذا اليوم .. والبعض الأخر يجلس في شرود طويل .. وبعضهم ما زال ملتف في فراشه .. ولا تدري إن كان نائما بالفعل , أو لا يعنيه المشهد برمته , ولا يعنيه ما يدور , وما يحدث من حوله .. أو لا تدري إن كان هو متعب , أو بارد , فنحن في فصل الشتاء , أو ربما نوع من الهروب من الواقع .. أسمع أحدهم يقول :

ــ لابد أن هناك تفتيش من إدارة مصلحة السجون ..

فيرد عليه أخر

ــ لا لا , فرقة مكافحة شغب السجون مشرفانا النهارده ههههه

وفرقة مكافحة شغب السجون هذه , هي عبارة ــ على حد علمي المتواضع ــ وبما أني أصبحت قديم في السجن , ورأيتهم أكثر من مرة .. يجعل كلامنا خفيف عليهم

” فرقة خاصة من عساكر الداخلية , تسمي فرقة مكافحة شغب السجون , يرتدون بزاة سوداء , وملثمين , يجوبون البلاد شمالاً وجنوباً , ومن أدناها إلي أقصاها يذهبون إلي كل السجون , التي في القطر كله .. مهمتهم إخماد الشغب , تفتيش , تجريد المساجين من كل المحتويات الممنوعة داخل السجن , مثل النقود والأواني الزجاجية , وأمواس الحلاقة , والتوتو, وأيضاً الملابس الملكي .. وغير ذلك من أشياء .. ولا يبقوا إلا البلاستيك , وفقط ” …

قوم شداد غلاظ ملثمون , وعليهم ثياب سوداء كالليل البهيم , وبأيدهم قطع خشب من الزان سوداء , يأتون فجأة , وبدون سابق إنذار, يفتح لهم أبواب زنازين العنبر .. زنزانة , زنزانة , يدخلون يهجمون على من فيها كالغيلان , والوحوش الكاسرة , ويوسعوهم ضربا , ولكما بالأيدي والأقدام .. والعصي تنزل , وتهوي , وترف , ولك بأن تتلقاها في أي مكان فوق جسدك كما تريد , ثم يأمروا الجميع بالخروج سرعاً خارج الزنزانة .. ” وشك للحائط , ويدك فوق ” .. ومن يعترض , أو يريد أن يتعرف عليهم يتركوا الجميع , ويستلموه , ولا يتركوه الا وهو كالخرقة البالية , شبه ميت , ثم ينقضوا كل شيء داخل الزنزانة , ويخلطوا كل شيء على بعضه .. ثم يدخل الجميع الزنزانة , ليلتقطوا أنفاسهم برهة , ثم يبحثون عن أشيائهم بعد ذلك ومن ثمَّ تنشب المشاجرات بينهم لما يختلفوا على حاجاتهم ..”

” الخيال مرتع خصب , من ثقب الذاكرة القديمة .. تجيء كائنات غريبة .. أراها تشبه أسراب الجراد , التي كانت تجيء وقت الفيضان , فتغطي وجه الأرض والزرع , والماء , كائنات مخيفة , مخفية المعالم , متوحشون , يفترسون كل شيء حتى الحياة .. يدخلني سراب , وظلام موحش .. وأنا يقتلني الخوف من المجهول ..” .

قام واحد من رفقاء الزنزانة ــ متطوعاً ــ يجمع بعض الأواني والإغراض الممنوعة في السجن , مثل مكينة الحلاقة , وشفرة الأمواس , وقطعة مرآة الصغيرة , والتوتو , ووضعها في أكياس بلاستيك , وأحكم ربطة الأكياس جيدا , , تمهيداً لوضعها في حوض التشطيف المليء عن آخره ـ أعزكم الله ـ بالماء المتسخ والذي هو عبارة عن متر في متر , أو يزيد قليلا , وفي زاوية من زوايا الزنزانة .. نقوم بقضاء حاجاتنا فيه , ونسكب فيه الماء المستعمل , وربما اغتسل فيه أحدنا خلف ستارة من بطانية رمادي قديمة, وعندما فرغ من مهمته التطوعية جلس لجواري .. طلب مني سيجارة .. أخرجت له سيجارة أشعلتها له , ثم ناولته إياها , أخذها من يدي , وعلى وجهه ابتسامة باهته , ضعيفة . إلا أنها لا تستطيع أن تخفي خلفها , أو تبعد عن قسمات وجهه الفزع , والرعب , والتوتر , والخوف من انتظار المجهول .. وأنا اشرب سيجارتي من غير كوب الشاي الذي تعودت عليه كل صباح .. ثم عاد الجميع إلي الصمت المطبق .. والترقب كان سيد الموقف

(( ليلة أمس سهرت على نمرتي مع نفسي , كنت أفكر في مستقبلي .. وماذا سأفعل بعد خروجي من هذا الكابوس المزعج .. ” السجن “….

” هنا في السجن .. يجب عليك أن تحاذر , بل ينبغي عليك ألا تفكر في الخارج , أو في المستقبل , وإن فعلت فمع نفسك وفقط ,, أو مع من هم على شاكلتك , أو من هم أوشكوا على قضاء مدة عقوبتهم سجنهم .. لتخفف واسري عنهم .. وتعطيهم أمل ودفعة للتمسك بالحياة ..عكس من هم في بداية المشوار .. واحذر كل الحذر , وحرص بأن تتحدث عن الخارج أمام أصحاب الأحكام الثقيلة الكبيرة .. فهذا غير مسموح لك .. وإلا أدى ذلك إلي ما لا يحمد عقباه .. فالكل مفجوع بمصيبته .. ويريد أن ينسي , أو يتناسى فجيعته , وأحبته , وحياته التي كانت في الخارج , حتى لا يتعب من كثرة التفكير .. فيمن هم بالخارج ..))

السجن لم يزل , حتى ألان مغلق على من فيه .. ولا حس ولا خبر . فلا صوت يسمع إلا صوت العصافير .. وبعض الأصوات القادمة من بعيد , والتي لا تستطيع أن تميزها من بعضها .. أو تعرف ماذا تقول .. حتى صوت العساكر توقف عن إعطاء التمام في الخارج .. والباش شاويش الذي يصبح على كل الحرامية كل صباح اختفي هو أيضاً .. والجراية لم توزع حتى ألان .. والأشغال لم تخرج مثل كل يوم .. والذين ينادونا عليهم للخروج إلي المحكمة .. كل ذلك اختفي في هذا الصباح .. والسجن كله سمع هس .. لماذا..؟. لا ادري , وكل التوقعات ممكنه الساعة الان تقترب من التاسعة ونصف صباحا .. والكل يجلس علي نمرته في صمت, وترقب , وانتظار يشوبه الحذر, وقد بدا علي بعضهم القلق , والاضطراب والخوف بدا واضحاً على الوجوه , وكل التوقعات ممكنه .. كل التوقعات ممكنه … *****************

تمت الجمعة 15 / 11 / 2019

على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ القاهرة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق