ثقافة السرد

لص وكلب

زوليخا موساوي الاخضري 

 في تلك الساعة المتأخرة من الليل حيث يترصد السارقون السكارى وعاملات الليل الوحيدات , كانت محطة المترو شبه خالية. رجل خمسيني بلباس أنيق لكن من دون معطف يقيه قساوة برد الأيام الأولى لشتاء تستعد المدينة لاستقباله، يجلس باسترخاء مادا رجليه أمامه و قد تدلى رأسه على صدره و أغمض عينيه. بقي مدة هكذا من دون حراك. هل مر عليه وقت طويل و هو على دلك الحال؟ لا يستطيع الرجل الأخر الواقف في الجهة الأخرى من المحطة و الذي يحمل مظلة أن يجزم بدلك. حين وصل إلى المحطة وجد الرجل النائم على تلك الهيئة. في لحظة ما شعر الوافد الجديد بالتعب و أراد الجلوس. خطى نحو الكرسي الذي يجلس عليه العجوز النائم ثم كأنه فجأة غيّر رأيه، دار حول نفسه و رجع إلى الزاوية التي كان يقف فيا من قبل. لم يقم الرجل النائم على الكرسي بحركة و لم يصدر عنه صوت. فجأة اتجه نحوه شاب في مقتبل العمر ظهر بغتة كأنه انشق من العدم.
بهدوء شديد جلس الشاب على يمين الرجل النائم. مد يده إليه، حركه، لم يتحرك الخمسيني و بقي في الوضعية نفسها. تجرأ الشاب أكثر فأدخل أصابع يده اليسرى في الجيب الأيمن لسروال الرجل النائم، أخرج ورقة نقدية وضعها بهدوء في جيب سترته الجلدية. في الطرف الآخر من المحطة كانت امرأة تجر وراءها حقيبة سفر كبيرة و صاحب المظلة واضعا يده اليمنى في جيب سرواله الدجينز يتابعان الأمر باهتمام شديد. انتقل الشاب إلى يسار الرجل النائم و قام بنفس ما فعله للجيب الأيمن للرجل، غير أن هذه المرة لم يكن صيده ثمينا كما في المرة الأولى. نهض بعدها مبتعدا عن العجوز بعد أن قام بمهمته على أحسن وجه. لم يعلق الآخرون بشيء و لم يكلم أحد الشاب الذي مر من أمامهم و اختفى في ظلام النفق.
استفاق الرجل النائم من غفوته، ألقى نظرة حائرة فيما حوله ثم قام واقفا، تقدم بخطوات متعثرة يكاد في كل خطوة أن يسقط أرضا و هو يزمجر بكلام غير مفهوم ، واصل تقدمه نحو حافة سكة القطار الذي يوشك أن يدخل المحطة في أية لحظة. وقف مترنحا على الحافة الخطرة و الرجل الثاني ينظر إليه واضعا دائما يده في جيب سرواله و بالأخرى يحمل المظلة. فجأة سقط العجوز على السكة في الوقت الذي دخل فيه القطار المحطة . توقف القطار عند قدميه. بقي الرجل الواضع يديه في جيبي سرواله متسمرا في مكانه. فجأة انطلق اللص الشاب نحو سكة القطار مثل سهم ، مد يده و انتشل السكران العجوز من موت محقق في آخر لحظة قبل انطلاق القطار.
زوليخا موساوي الأخضري
المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق