ثقافة السرد

سر الهيكل..

أمل الكردفاني 

 الليل لا يتنفس… الأربعة يتسللون إلى المقبرة الواسعة المظلمة….
– حتى لو أتوا بجنازة جديدة فلن يدفنوها في ذلك المكان..
– خفير المقابر هو المشكلة..
– سنرشوه..
– جيد..
.
.

-لم تكن سيارة تلك التي حطمت أضلعي… كانت دبابة.. هناك فرق كبير…أن ترتطم بك دبابة..أو سيارة عادية..
قال وهو يلعب بعصاه ويديرها عدة دورات…
– لا تبالغ..كانت مجرد مدرعة صغيرة لا تزن طنا…
أشعل سيد سجارته ورمق ابني عمه ؛ أحدهما سمين والآخر معاق…
طار الدخان فسعل الآخران لكي يجدا سببا لمضايقته ، قال القصير ذو الشعر الناعم:
– دخن في الخارج لا تؤذينا…
توتر الجو بين أربعتهم…
– يا سيد..حاول أن تراعي الآخرين..
قذفه سيد بالسجارة المشتعلة بعنف…فجزعت عينا السمين وصاح:
– لم أقصد.. لم أقصد إهانتك…
تحفز الإثنان الآخران للدفاع عن السمين وبقى سيد يقدر موقفه من ثلاثتهم ثم خرج ساخطا..
قال القصير ذو الشعر الناعم:
– لماذا يبقى معنا…اطرداه…
قال المعاق ذو العصا:
– لا نملك الحق في ذلك..انه أقوى من ثلاثتنا..
.
.
.
اشعل سيد سجارته وهو يقف قبالة المقبرة عظيمة الإتساع…أخذ يدخن ساهما…كان يتأمل بضعة رجال يدفنون جثمانا..، همس:
– دائما بعيدا عنها… دائما بعيدا عنها… أتذكر ذلك جيدا منذ كنت طفلا…القبر الرابع بعد الشجرة..قطعوا الشجرة ولكن لا زال ساقها القوي في مكانه..
.
.
– لا تصفر..
صاح المعاق وجسده يضطرب ، فقال السمين:
– يمكنك أن تطلب ذلك بشكل محترم…
قال القصير:
– صفيرك مزعج.. لقد حذرناك أكثر من مرة.. أكثر من مرة دون أن تتوقف..
صاح السمين:
– أيها القصير الخبيث أنت تنفث السموم بيننا…
صمت القصير ليأمن على نفسه. أما المعاق فقال:
– بل يقول الحق…
صاح السمين:
– سأصفر كما يحلو لي وإن لم يعجبك ذلك فسأكسر لك قدمك السليمة..
دخل سيد وارتمى على مرتبة مفروشة في الأرض ثم صلب ذراعيه خلف رأسه…كان نحيلا بعظم قوي ، وعلى خنصره خاتم فضي بحجر قرمزي كبير…
قال السمين:
– أنكم متوترون جدا…
قال المعاق:
– لأنك تحمل احتياطيا من الشحم يكفيك لأسابيع..إننا جائعون ومفلسون..
قال القصير:
– إن وضع البلد سييء …هذه مدينة للفقراء .. بائسة وحاقدة…
صمت الثلاثة الآخرون ولم يعقبوا..وأشعل سيد سجارته…لكنهم لم يتدخلوا..قال وهو ينظر للأفق:
– هل تريدون مالا؟
لم يجب أحد فهمس بنبرة جادة وخطيرة:
– ستصبحون أغنياء جدا… جدا..
انتبه الثلاثة الآخرون..ثم قهقه القصير بخبث:
– ماذا تدخن؟…
صرخ سيد:
– أسكت يا كلب…
فصمت القصير…
قال سيد:
– قبل خمسة وعشرين عاما كنت في العاشرة من عمري… كنتما صغيران ماعدا هذا السمين.. أنا وهو كنا متقاربين في العمر..
كان السمين يرقد على مرتبته فقال:
– كانت أياما جميلة..
قال سيد:
– لا أقصد رومانسية من حديثي..إنني لا أتذكر إلا شيئا واحدا… ذلك اليوم الذي رأيت فيه جنازة لأول مرة…
أخذ ينفث دخان سجارته بعصبية:
– جدتي .. ماتت.. دفنها والدي بيديه القويتين.. وكنت أنظر لجثتها المكفنة على ضوء فانوس صغير شق ظلمة الليل العتيدة.
رفع ساقه ووضع بطنها على زاوية ركبته وقال:
– لقد سمعت قبل ذلك أنها قد أصيبت بمشاكل في سلسلتها الفقرية وعظامها…لكن ما أثار انتباهي أن كل سلسلتها وعظامها قد استبدلت بمعدن الذهب… لا أعرف كيف.. لا أعرف إن كان ذلك حقيقة أم أسطورة.لكن ما أعرفه أنها لم تشأ ترك أموالها لأحد..كانت غنية وحقودة في نفس الوقت..كانت تكره حتى أبناءها…وأولهم أبي ثم آباءكم أنتم أيضا.. لقد دفنت كنزها معها…
قفز الثلاثة من مراتبهم والتفوا حول سيد وقلوبهم مضطربة.
قال السمين:
– إنك لا تمزح…
هز سيد رأسه نفيا ثم قال:
– خططت لنبش قبرها منذ كنت طفلا…لكنني كنت أخاف من المقابر…وأخاف الجثث…
قال القصير:
– ولماذا لم تنبش قبرها بعد أن صرت شابا؟
قال بارتباك:
– لا زلت أخاف من المقابر….تفزعني أعين قططها المشعة في الليل .. يفزعني صمتها المطبق…رائحتها الخانقة….أشكال قبورها.. لكن معكم ربما سأتمكن من فعل ذلك ونقتسم الكنز..
قال القصير:
– مضى على دفنها ربع قرن من الزمان..
قال سيد:
– أحفظ قبرها جيدا…
قال القصير:
– اخبرنا به وسنأتيك بنصيبك وأنت هنا..
ابتسم سيد ساخرا:
– أيها القصير المكار…
رفع جسده ناهضا وقال:
– هيا…الآن هو الوقت المناسب…نحن في منتصف الليل…منتصف الليل تماما
.
.
.
ضوء القمر كاف جدا لإبانة طريقهم داخل قلب المقبرة الشاسعة ، وكان الأربعة يحملون معاولهم…
همس سيد:
– هذا هو…هذه الكومة القديمة من التراب…احفر هنا أيها السمين وحاول أن لا تدق المعاول بصوت عال…
كان السمين يكسر كثافة الأرض وتماسكها بضربات سريعة صغيرة وأخذ الثلاثة الباقون يغرسون أصابعه نابشين التراب.. مضت ساعة والحفر لا يتقدم كثيرا… غمغم سيد:
– اقتربنا مجرد بضع سنتيمترات قليلة ونصل إلى حفرة اللحد..إنني أشعر بدوار وغثيان…
قال القصير:
– وهم..مجرد وهم… ما أن ترى سلاسل الذهب حتى تنسى كل خوفك هذا..
كانوا يرفعون رؤوسهم كل بضعة ثوان لمراقبة الأمان…وحين بلغوا اللحد رفعوا الأحجار المستطيلة فانبعثت رائحة عفونة خفيفة ورأوا بقايا كفن…
قال سيد:
– نحتاج نورا..
أخرج المعاق قداحته وأشعلها فوجدوا بقايا عظام قليلة…
قال القصير:
– أين ذهبت عظامها؟
رفع سيد رأسه عن القبر وقال:
– يبدو أن هناك من سبقنا إليها…
نزلت كلماته كالصاعقة عليهم..فبقوا واجمين…ثم أصابهم الفزع عندما سمعوا صوت خفير المقبرة فوق رؤوسهم:
– ماذا تفعلون يا كلاب..
قفز سيد بسرعة وأطاح بمعوله في وجه الخفير وتبعه الثلاثة فانهالوا عليه بالضرب حتى فارق الحياة…
قال المعاق:
– سندفنه هنا…مكانها…
رفعوا الجثة ووضعوها داخل اللحد بصعوبة فأشعل المعاق قداحته:
– كرشه كبيرة… علينا أن نحفر قليلا..
قال السمين:
– لا نملك الكثير من الوقت..ابقر كرشه فقط…
اخرج سيد مطوة وبقر كرش الخفير فانهملت أحشاؤه ثم حانت منه التفاتة إلى وجهه وحينها قال:
– اللعنة… إنه يملك سنا ذهبية…
مد أصابعه داخل فم الخفير العجوز وقال:
– بل سنتين.. بل ثلاثة.. اربعة…
غمغم:
– اخرجو الجثة…
أخرجوا الجثة وبدأوا في خلع الأسنان الذهبية…
قال القصير:
– هو من سرق جثة جدتي…فلنفتش في غرفته….
اهالو التراب على الجثة واندفعوا بعدها بخطى حثيثة نحو غرفة الخفير….
.
.
.
لا شيء في غرفته سوى سجادة قديمة.. أضاء أحدهم الفانوس ..فقال القصير:
– السجادة مبسوطة عكس القبلة…تحتها نفق..هذا مؤكد…
هبط الأربعة إلى مقبرة قديمة وكانت بضعة زخات من التراب تنسكب من الجدران كلما خطوا خطوة. وحين رفع السمين الفانوس انعكس ضوؤه على عينين مندهشتين:
– رباااه….
رفع الفانوس وحدق الأربعة باعجاب في هيكل عظمي ذهبي بالكامل….
قال المعاق:
– كيف فعلت ذلك؟
قال سيد:
– بل لماذا أبقاه حتى الآن دون صهره وبيعه..إنه يساوي ملايين…
تأملوا الهيكل وبدأوا في انزاله.. وعلى أركان المقبرة وجدوا صندوقا حديديا تصدأت زواياه..فتحوه ووجدوا رزما من الخطابات بين جدتهم والخفير…قرأ سيد بعضها وقهقه:
– رسائل ماجنة…تصف ذكره ويصف جسدها…
ضاقت عيناه وأضاف:
– يا الهي…هذا شيء لا يمكن تصديقه؟
تجمعت الرؤوس حول سيد فقال:
– كان جدنا عنينا!!
– ماذا تقصد؟
سأل القصير…فأجابه:
– أي كان عاجزا عن الوطء…
حام الصمت حولهم…قال سيد:
– لقد قتلنا جدنا…
قهقه وتبعه الباقون بهستيرية…
ثم غادروا وهم يحملون الصندوق والهيكل الذهبي .. كانوا يسيرون بصمت… لقد وهبته كل شيء ..وهبته جسدها حية وميتة…
أي نوع من الحب هذا؟

(تمت)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق