ثقافة السرد

ضـوء الـقـمـر

أحمد الخميسي 

كانت جدتي تتكلم بصوت خافت جدا، تهمس، بالكاد أسمعها، يخرج صوتها مثل هديل يمام. وكنت وأنا طفل قصير أرجع برأسي للخلف، أتطلع إلى وجهها وأمط رقبتي لأعلى بعينين مفتوحتين أحدق بشفتيها بتركيز لأخمن أو ألتقط من حركة شفتيها ما يقوله صوتها الوديع مغمغما برحمة قلب محب. لم يكن لها صوت، وليس للحنان صوت، ولا ضوء القمر ناطق. كل ما كان يصدر عنها همهمة حروف متكسرة تذوب قبل أن تصل إلى فمها. أتذكر وجودها الصامت مثل رقة المياه تغمرني بالوداعة. توفيت وأنا في العاشرة، وتلفت عليها قلبي الصغير والكبير منذ ذلك الحين، مفتوحا على الأبد، يقف أمام البوابة الضخمة التي تفصلنا بالضباب، يطرق قضبانها بأمل أن أسمعها، وأسألها: ماذا كنت تقولين يا ستي وأنت تمدين أصابعك بلقمة صغيرة إلى فمي؟ وماذا قلت لي ونحن واقفين في الشرفة وحدنا والجميع نيام؟. أسأل لعلها تحكي لي ما فاتني من حنانها ورحمتها الممتدة كالحقول الشاسعة.
كانت ستي خديجة من عائلة كبيرة في الفيوم. لم تكن جميلة بالمعنى المتعارف عليه. سمراء. نحيفة تقريبا. تغطي المياه البيضاء إحدى عينيها. شعرها أجعد. قام والدها بتزويجها لجدي لأن جدي من القاهرة وحاصل على شهادة الابتدائية، وكانت تلك في ما مضى شهادة كبيرة يحوز صاحبها لقب أفندي رسميا في المعاملات والوظيفة والراتب. تزوجها جدي ولها قطعة أرض عن والدها، لكنه تفلسف في شئون الزراعة وليس له أي دراية بها، فخرب نصيب جدتي ثم باع الأرض، وشاد بمعرفته الهندسية التي لاتدعو للفخر منزلا متواضعا في الجيزة. وعاش على أنه ” أفندي” ومن أصل تركي، فاستمرأ العجرفة والنكد، وظل مناكفا كسولا متذمرا، يرهق جدتي بكل صغيرة وكبيرة، حتى أننا ونحن صغار كنا نمزح في ما بيننا ونقول إنه ناول جدتي كوبا كان يمسكه في يده وقال لها:” أعطني هذا الكوب يا خديجة”! كنا ستة أطفال مع أمي، نحيا حياة قاسية، والدي معتقل، وأمي تعمل في مدينة بعيدة، تزورنا مرة كل أسبوع. وكانت جدتي بمفردها تنهض بعبء ذلك البيت بما فيه جدي العبء الأكبر. كانت وحدها تطبخ وتنظف وتغسل وترعانا، ولم أسمعها يوما تشكو أو تتأوه. مازلت لا أدري لم كانت تخصني في صمت بمحبتها، أشعر بها حين نجلس إلى مائدة الطعام لنأكل، فتدور بعينيها بين الصحون وتختار أحسن قطعة دجاج، ترفعها إلي وهي تهز ذقنها مشيرة إلى فمي، أي :” خذ هذه. كل”. لم أرها طيلة سنواتي معها إلا في ثوب واحد، أسود منسدل أقرب إلى البنفسجي. أقف معها في الشرفة حين يحل سكون الليل وينام الجميع، تهبط ببصرها إلى أسفل حيث السيارات المركونة تحت، وتقول لي : ” لو تحب يبقى عندك سيارة، تحب لونها أزرق زي دي؟ ولا أحمر زي دي؟”. ربما كان سكون الليل والتصاقي بجلبابها هو الذي جعلني أسمعها حينذاك، وأحني رأسي لأفحص لون السيارات وأختار واحدة. تهمس لي:” لما تكبر ح يبقى عندك واحدة”. وكنت أشعر بالسعادة ليس لأنه قد يكون عندي سيارة، لكن من محبتها ومن مشاغلتها أحلامي الطفولية. في الصباح تقف في المطبخ وتعد سندويتشات المدرسة. تقف من دون صوت. تنتهي من السندويتش ثم تنظر إلي طويلا كأنما ترجوني :” لا تتأخر بعد المدرسة”. أتطلع إليها، وأنا لا أدري إلي أين تنظر أو إلي من بسبب البياض على عينها، لكني أرى وجهها مثالا لرضوخ رقيق وصبر يشع بالطيبة لأنها تؤمن أن ثمة عالما آخرا ينتظر كل هذه الرقة لكي ينصفها. كنا نحيا على القد، وبالسحتوت، ونمشي احيانا حفاة في الشارع، ونبات بنصف رغيف، وكانت جدتي قطرة الحنان الوحيدة في تلك الصحراء، قطرة ملأتني حنانا مدى الحياة ولم يجف ماؤها في قلبي قط. وكنت كلما مررت بظرف صعب ألتفت إلي حنانها وأشرب منه لأواصل الطريق. مازال قلبي كله منذ أن توفيت يطرق أبواب الأبدية، ينصت، لعلني أسمع صوتها، لعلها تفسر لي هديل اليمام، ولعلني أستطيع أن أقول لها إنها كفتني محبة رحيمة في صمت، من دون صوت، لكن ما من صوت للمطر الخفيف الرقيق، ولا صوت لضوء القمر، ولم يكن لجدتي صوت.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق