ثقافة السرد

حُرمتان ومَحْرَم

رواية

صبحي فحماوي

إهـــداء: إلى أطفال غزة…

الجزء-1-
النجم الساطع.

في معسكر الحصار، يتوسط حي “سلام الشجعان” سوق شعبي تقليدي يغص بمحلات تجارية عديدة. حيث تحشر محددة العودة أنفها بين عدد من الدكاكين التي تجاورها ذات اليمين وذات الشمال، فمن هنا منجرة أبو ريالة، وبقالة (غظب)، ومحل ألبان الثور، ومغسلة الهرش للسيارات، ومن هناك ؛ محلات رخام الدفش، ومطعم فول مكتوب على واجهته الأمامية بالخط العريض( إذا خلص الفول، أنا مش مسؤول!) وتحتها توقيع “بطبط” ، ودكان حلاق الزهور، ومستودع أسطوانات غاز الثورة، وعدة مداخل صغيرة لبيوت عائلات مستورة، تتصدرها بوابات ضيقة العرض صفيحية وخشبية مهترئة، يدخل ويخرج منها أحياناً أشخاص بسيطون على باب الله، مصبوغون بانكفاء على الذات، وتفكير في المجهول، وحزن في العيون، ولكنها عيون حذرة مترقبة ومفتوحة على الآخر.. والشارع شبه ترابي، تملأ حفره سوائل مجارٍ… وعجلات سيارة مسرعة تطبطب فوق الحفر، فتطرطش المارة بالمياه العادمة، وقاذورات كثيرة تتطاير بعفوية لتخلق جواً من الحركة، وتشغل بال سكان المكان عن توترات الأحداث المخيفة في المنطقة..!
وعلى بعد مئتي متر تقريباً ترتفع تلة قمامة عملاقة، تفوح منها روائح منتنة، وتتصاعد أبخرتها لتحل محل الضباب الذي كان في الزمن الماضي يغلف سماء المكان.. وفوق التلة تربض دبابة مركافا جديدة بكرتونتها، (آخر موديل) تتدله فرحة بشبابها، وترصد الغادي والعائد، والقائم والقاعد، والفاعل والتارك، والصاحي والنائم، والله تعالى في السموات والأرض.
تمر تغريد بجمالها الأخّاذ من أمام محددة العودة، فيقف الحداد جهاد متملياً وجهها المشرق، وجسدها الفتّان، وكأنها برق يضيء ليل تجاويف ذاته، فتتسارع دقات قلبه، منتشياً أمام تقدمها بسعادة لا توصف، ثم المنهار بغدوها، بعذاب لا يرحم . بريئة الإطلالة…عينان حييّتان حذرتان، تنأيان عن حُفَر الطريق المزروعة بالنفايات، شقراء شفافة زهرية، ناهد الصدر، هضيم الكشح، ريّا المخلخل.. تذهب إلى كُلِّيتها، ناثرة خلفها عبير عطرها الياسميني الفواح، بينما ملابسها البسيطة المختارة بعناية، تبرز تضاريس جسدها، وتضفي عليها تلك الأنوثة المحتشمة. تعود مساءً وهي تحمل بعض الكتب بأناملها الرقيقة، وترسم على وجهها ابتسامةً تشرح قلب الحداد جهاد الأسمر، الهائم بحبها، فيقف متملياً نعَم الله على عباده، ومن أروع هذه النعم، إشراق وجهها الذي يعيد لـه إنسانيته، وشعوره بأن الحياة تستحق أن تعاش، خارج هذا الحديد والصاج الذي لا يحس، وأشعة اللحام التي تعمي البصر والبصيرة، وتهلكه بغازاتها الخانقة..!


هذا ما يشعر به لحظة عبور الثريا التي تُصَبِّح أو تُمَسِّي عليه، فيتوقف عن طرق الحديد، وتسقط الأشياء من بين يديه دون أن يشعر بها، ويقف مستمتعاً بالخدر اللذيذ الذي يسري في أوصاله، وهو يتأمل تلك الصبيّة التي لم يخلق مثلها في البلاد.!
وكثيراً ما يحدِّث جهاد الأسمر نفسه قائلاً: لقد كبرتِ يا تغريد…! كنتِ تلعبين في الحارة، (النطة، والإكس، ولعبة الحبل)، وها أنت تتكور فيك الأشياء، وتنضج فيك الثمار، وتتفتح فيك الأزهار..
(طفلة الأمس التي كانت على بابك تلعب،
والتي كانت على حضنك تغفو، حين تتعب،
أصبحت قطعة جوهر،
لا تُقدر..!)
ما هذا يا نزار ؟ هل كنت تشاهد تغريد وأنت ترسم قصيدتك هذه بألوان وروائح بتلات أزهار المشمش والدراق واللوز، بتلة بتلة… ؟
لم كل هذا الدلال وهذه العزلة التي تفرضينها على نفسك وعليّ، فتحرمينني من جناك المعلل ؟ بالأمس كنت تلعبين في الحارات، هكذا ببراءة الطفولة، تزوريننا، وتلعبين مع أختي ماجدة، وتتضاحكان معاً.. أتحرّج من اللعب معكما، ويشاهدني والدي ألتفت إليكما، وأدور حول نفسي تائهاً، فيستدعيني إلى المحددة، فأنخرط في عمل يصرف طاقتي اليافعة في معالجة الحديد، بينما أنت وأختي ماجدة تتدللان، وتمضيان الوقت في ألعاب بناتية. لم أجد الوقت للاستمتاع بالتفرج عليكما، والإحساس بدفء مصاحبتكما وأنتما تلعبانها.. كنت أشعر أنك ما زلت صغيرة، أنا في الصف السابع الابتدائي، وأنت وماجدة في الصف الخامس…. وكبرتُ وتخرّجتُ من المدرسة الثانوية، فأرسلني أبي إلى كلِّية الصناعة، لأتخصص بالحدادة، وأما أخوك غازي فلم يبق معنا، بل سافر إلى أمريكا في بعثة تعليمية، ودرس التوجيهية هناك، وقال إنه سيعود بعد سنة، وها قد مضت سنتان، ولم يعد بعد..! ترى لو أن غازي معنا، فهل سيدعم عقد قراننا، ويسرع بزواجنا، أم إنه سينتظر تخرجك، كي تعملي وتساهمي في تسديد نفقات العائلة ؟ ولكن جمالك صار يعطل المركب السائر..! يقولون إن أجمل منظر في الطبيعة، هو منظر الغزال الملتفت إلى الخلف…… أيّ جمال، وأي غزال هذا الذي يتحدثون عنه..! وأي يد فنان موهوبة ساحرة، تستطيع رسم هذا العنق المصقول كالرخام، الطري كاللبان، الشاهق الارتفاع، مثل يد شعلة الأولمب، والمطل بكبريائه على الدنيا كلها… ؟ يا إلهي كيف صنعت كل هذا، سبحانك..!
وجهاد هذا رجل جادّ في عمله، في العشرين من عمره، شديد البأس، يمتلك مواصفات حدّاد متمكن، ومع اشتداد الانتفاضة، وقلة فرص العمل، صارت محددة العودة تشتغل ببطء، (دَقّة عالحافر، ودقّة عالمسمار) رغم الطلب المتزايد على أبواب الأمان، وتحديد حمايات للشبابيك، بسبب الخوف من مداهمات قوات التحالف – آسف قوات الاحتلال – لبيوتهم ليلاً أو نهاراً، وكذلك الحماية ممن هبّ ودَبّ، فلا يفل الحديد إلا الحديد.. يضاف إلى ذلك زيادة الطلب على أفران الخبز المصنوعة من الصاج المعدني، فبعد أن انتشر خبز الأفران العامة، وعم التمدن، وتراخت النساء وتكاسلت وتدللت، فصار أظلم شنب في الحارة، لا يستطيع أن يأمر زوجته لتعجن وتخبز، تستعيد الأفران البيتية سطوتها من جديد بفعل حصار الانتفاضة، فيضطرون لأن يقعدوها في صدر البيت، ويقولوا لها: صدر البيت لك يا فُرنيِّتنا الحبيبة…!
أثناء الحصار، ومنع التجول في طرقات المعسكر، وانبثاق زخات متجمعة ومتفرقة من طلقات رصاصية ومعدنية ومطاطية ودمدمية بين الحين والآخر، لتنغرس في أي جسم تطلق عليه، سواء كان طفلاً، أو شجرة مقاومة، أو جحشاً يرعى ورق البلاستيك من المزابل نظراً لشح الموارد واعتقال أعشاب الرعي التي جُرِّفت أرضها بالجرافات، يصير الخارج من بيته مفقوداً، والعائد إليه مفقوداً أيضاً، وكل يوم يمر على أحدهم دون أن يموت، يُعَدُّ فاتحة حياة، وعمراً جديداً..! وهذا يدفع العاطلين عن العمل، والذين يُقدّرون بنسبة خمسة وسبعين في المئة من القوى العاملة، إلى تأسيس محلات حدادة كثيرة.. صارت المحادد تنافس المحادد، فتنزل الأسعار، ويقل الطلب على المحددة الواحدة، ولهذا يضعف حافز العمل عند جهاد الأسمر، فيتراخى في عمله، وتقل إيراداته المالية، وما باليد حيلة.!
وفي معسكر الحصار المحاصر، كما في سائر بقاع الإقليم الفلسطيني المكتظ، ينطفئ المارّون مثل الشموع على الطرقات، وداخل البوابات، وفي صف المدرسة تنقصف زهرة برية ؛ فتاة بعمر الزهور تتلقى درسها مع رفيقاتها الطالبات، وترفع ذراعها داخل الصف، مشيرة بإصبعها:
– أنا معلمتي، أنا معلمتي……..
ولكنها ويا حسرة قلب معلمتها، تموت وهي ترفع إصبعها، إذ تدوّي طلقة زائرة من الشباك، مخترقة جسدها الطري، وتسكن قلبها الرضيع، طلقة تنفذ إليها من النافذة، فتغتصب روحها حيث تسكن، فتصمت الطفلة على دُرج كتبها، وتنكسر الزنبقة على حضن أوراقها التي تعلمها القراءة والكتابة..!
كل من يفكر بالخروج من منزله يتحمل مسؤولية الرصاصة التي ستقتله، أو الدمدم الذي سينغرس في لحم جسده، فيشل أعصابه، أو يفتت عضلاته، أو يعيق عمل جهاز ما في جسده… ولهذا تختزن كل أسرة مؤونتها من الطحين داخل بيتها، لستة أشهر قادمة.
يُفرض منع التجول، فتنشغل أم غازي بتحضير عجينها، وبعد أن يختمر، تخبزه في فرنيّتها، فتقرأ تغريد كل يوم ما هو مكتوب بالقلم العريض على بابها، عبارة (محددة العودة) وتستبشر بها، متذكرة جهاداً الأسمر الذي يروي عروق مخيلتها كل صباح بتلك القامة المشدودة الصلبة القاسية الحنون..
ما أقواك يا جهاد، فأنت الرافعة الحديدية العملاقة التي ستحملني بين ذراعيها، وتوصلني إلى شاطىء الأمان، أنت قوي وفاعل، وأنا محتاجة إلى شاب قوي، أداري بجواره ضعفي، وعدم قدرتي على السير وحدي في الطرقات، دون رجل يسندني، ويحمي أنوثتي الرقيقة، وأكون لـه رفيقة درب، فقطار الحياة يا جهاد لا يسير إلا على قضيبين، والحمَام لا يطير إلا أزواجاً، ولاعب التنس لا يستطيع أن يلعب إلا مع رفيق، والشمس تتناوب إضاءة الأرض مع القمر، فأنت الشمس، وأنا القمر، ولو أن كلاً منا يسبح في فلك.. أنا محتاجة إليك يا جهاد، لتسبر أغواري، وتملأ حياتي الخاوية على عروشها، بهجة وسعادة غامرة.. الحارَة موحشة، والأشياء من حولي عيون تحدجني، وتبحلق بي، والصقور تحوم فوق رأسي..! هل يا ترى أنجح في تحقيق ذاتي معك، أم أنها لا تعدو مجرد أمنيات، لا تلبث أن تزول، مثل الغيوم المتحركة؟
4

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق