ثقافة المقال

أجمل قلب في الدنيا

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

يُقال أن الإنسان يخلق صفحة بيضاء وأن السنين تخط عليها السطور وأحيانا تلجّ علينا الحياة فتتحول الصفحة البيضاء إلى صفحة سوداء ونصبح نحن أولاد زماننا وأبناء تجاربنا وأحفاد الحياة . ربما كانت الحكمة هي من دفع الشاعر الانكليزي وليم بليك ليكتب ” أغنية البراءة والتجربة ” لأننا نولد أبرياء وتعلمنا الأيديولوجيات مفاهيمها في المدارس التي تشبه السجون وكأن تشارلز ديكنز بيننا يكتب روايته “أوقات حرجة”.
فهل نمتلك أنت وأنا أجمل قلب في الدنيا ؟
وهل أثرت فيك مثلي تجارب الحياة؟
وهل غيرتك الخبرات والتجارب ومدارس الأيديولوجيات كما غيرتني ؟
وهل تحولت مثلي من Tabula rasa ( صفحة بيضاء) إلى صفحة شوهتها الحياة بسطورها؟
لا أدري !
طرح وليم بليك في قصيدته ” أغنية البراءة والتجربة ” السؤال الوجودي، سؤال الإنسانية عبر ديوانه كما حاول في قصائده التعبير عن فلسفته ورؤيته للعالم ورؤيته للوجود الإنساني في علاقته بما هو أسمى بشتى تجلياته فثمة أسرار للحياة لا يعرفها الإنسان إلا متأخراً حتى إن حاول الآخرون أو بعضهم على الأقل إرشاده إليها . كان يقين وليم بليك الخاص رافضاً وتواقاً ليقين التجربة الذاتية وحلاوة المعرفة الشخصية . لكن السؤال يطرح نفسه حينها: أبعدَ أن يصل الإنسان إلى الحقيقة هل يمكنه الاستمرار فيما هو عليه ؟ أو يمكنه مجرد الصمود والإمساك بذاته بقوة والإصرار على رؤيته ومبادئه مهما اختلفت عن الواقع وطرائقه ودروبه عازماً على مواجهة العالم بما يؤمن به داخله.
تلك معضلةٌ إنسانيةٌ كبرى. هناك من الفلتات البشرية التي أمكنها أن تُصر على ما هي عليه في مواجهة عالم ضاغط له قوانينه وسُبله الجاهزة.
فهل البراءة : مرحلة أم اختيار؟
من منا يمكنه عبور بركة من الوحل ويخرج نظيفاً كما دخل؟
أين هي الغاية ؟ وأين هي الوسيلة؟ وما الحدود الفاصلة بينهما؟
إن الفروق الفردية بين البشر والتفاوت في الطبيعة الشخصية لكل إنسان سيكون لها الدور الأكبر في حسم هذه المعضلة.
ربما كانت رؤيته للعالم في حبة من الرمل إحدى الحلول . يقول بليك :
أن ترى العالم في حبة رمل ،
والسماء داخل وردة الحقول،
أن تمسك اللانهائي بكفك،
أن تضع الأبدية في ساعة،
أليست هذه الأبيات مثالا رائعا للزهد في الحياة ؟
أليست مثالا للقلب الجميل ؟
أما الشاعر وردثورث فيعطينا معنى الخلود من خلال ذكريات الطفولة والبراءة حين يقول :
The child is father of the man;
And I could wish my days to be
Bound each to each by natural piety.
(Wordsworth, “My Heart Leaps Up”)
There was a time when meadow, grove, and stream,
The earth, and every common sight,
To me did seem
Apparelled in celestial light,
The glory and the freshness of a dream.
It is not now as it hath been of yore;—
Turn wheresoe’er I may,
By night or day.
The things which I have seen I now can see no more.

The Rainbow comes and goes,
And lovely is the Rose,
The Moon doth with delight
Look round her when the heavens are bare,
Waters on a starry night
Are beautiful and fair;
The sunshine is a glorious birth;
But yet I know, where’er I go,
That there hath past away a glory from the earth.

Now, while the birds thus sing a joyous song,
And while the young lambs bound
As to the tabor’s sound,
To me alone there came a thought of grief:
A timely utterance gave that thought relief,
And I again am strong:
The cataracts blow their trumpets from the steep;
No more shall grief of mine the season wrong;
I hear the Echoes through the mountains throng,
The Winds come to me from the fields of sleep,
And all the earth is gay;
Land and sea
Give themselves up to jollity,
And with the heart of May
Doth every Beast keep holiday;—
Thou Child of Joy,
Shout round me, let me hear thy shouts, thou happy Shepherd-boy.

Ye blessèd creatures, I have heard the call
Ye to each other make; I see
The heavens laugh with you in your jubilee;
My heart is at your festival,
My head hath its coronal,
The fulness of your bliss, I feel—I feel it all.
Oh evil day! if I were sullen
While Earth herself is adorning,
This sweet May-morning,
And the Children are culling
On every side,
In a thousand valleys far and wide,
Fresh flowers; while the sun shines warm,
And the Babe leaps up on his Mother’s arm:—
I hear, I hear, with joy I hear!
—But there’s a Tree, of many, one,
A single field which I have looked upon,
Both of them speak of something that is gone;
The Pansy at my feet
Doth the same tale repeat:
Whither is fled the visionary gleam?
Where is it now, the glory and the dream?

حكاية الحياة هي حكاية البياض والسواد ….حكاية النغم الإنساني الجميل .
يحكى أنه في يوم من الأيام ، شعر شاب بالسعادة بقلبه السليم الجميل . وفي أحد الأيام وقف في ساحة المدينة ، وبدأ بالصياح بأنه يمتلك أجمل قلب في هذا الوادي بأكمله . احتشد الناس حوله وبدؤوا بالنظر إلى قلبه الجميل . لقد كان قلبه رقيقا ناعما براقا ومعافى . قال الناس يومها أنه فعلا يمتلك أجمل قلب في الوادي .

شعر الشاب بالسرور وبدأ يفاخر الناس بقلبه . وفجأة خرج صوت قوي من بين الحشود يقول : ” إن قلبك ليس أجمل من قلبي.” بحث الشاب عن مصدر الصوت فخرج له رجل عجوز ووقف أمامه .

قال الشاب : “هات أرنا قلبك إذا كنت تعتقد أنه أجمل من قلبي.” أخرج العجوز قلبه ، فاجتمع الحشد حوله وبدأ يتفحص قلبه . كان القلب يدق بقوة ويبدو سليما لكنه لم يكن رقيقا ناعما براقا مثل قلب الشاب . بل كان مليئا بالقشور والأخاديد والحفر . ويبدو للعيان وكأنه قد بُدل فيه بعض الأجزاء وكأن بعض الأجزاء الجديدة لا تتطابق مع أماكنها إذ أن هناك حوافا غير مستوية . بدا وكأن هناك خدودا عميقة في القلب وأجزاء مفقودة .

ضحك الحشد ساخرين من قلب العجوز وقالوا له : “من أين لك أن تدعي أنك تمتلك أجمل قلب إذا كان قلبك مليئا بالحفر والقشور والأخاديد؟”

ثم نظر الشاب إلى قلب الرجل العجوز وضحك قائلا : ” لا بد أنك تمزح . قارن قلبك مع قلبي . يبدو قلبي كاملا وناعما وليس مثل قلبك مليئا بالقشور والشقوق “

أجابه الرجل العجوز قائلا : ” نعم ، قلبك يبدو كاملا . لكن لا يمكنك أن تقارن قلبي بقلبك . إن قلبي عامر بالحب وقشوره تمثل عدد الناس الذين قدمت لهم الحب وفي كل مرة أمزق من قلبي قطعة وأعطيها لهم . وفي غالب الأحيان ، يعيد الناس قطع قلبي الممزقة فأعيدها لمكانها فتترك ندبة . وبما أن الناس يعبرون عن الحب كل بطريقته الخاصة وكل إنسان يختلف عن الأخر. يحدث أحيانا أن لا تنطبق القطعة المعادة مع القطعة التي أخذها . وهذا سر الحواف الخشنة الموجود في قلبي . تذكرني القشور والحواف الخشنة بالحب الذي تبادلته مع الناس . “

تابع العجوز قائلا:” أحيانا أتمنى أن أمنح قطعة من قلبي للآخرين . لكنهم لا يعيدونها إلي فتترك مكانها خدودا عميقة مؤلمة . تذكرني هذه الخدود أيضا بالحب الذي قدمته للناس . أتعلم الآن معنى الجمال الحقيقي؟”

تنهد واستطرد قائلا: ” انظر إلى تلك الندبة الكبيرة في قلبي إنها بسبب رفيق وثقت به دهرا وغدر بي عندما لم يعد بحاجة إلى مساعدتي . أما تلك الحفرة الغائرة في زاوية قلبي فحدثت لأنني لم أشارك في مشاريع الفساد في بلدي فنبذني الناس وصرت على كل لسان . وتلك الجروح والقروح صارت بسببها تلك الفتاة التي كانت حبي الأول وكنت رقم أربعين في حياتها . وحكاية تلك المناطق الغائرة في جدران قلبي سببها أخي الذي قدمت له الغالي والرخيص والآن يمر بجانب منزلي ويتجاهل أن يلقي التحية . أما الورم في الجانب الأيسر فسببه حرب ضروس حدثت في بلدي وذبح الناس فيها بعضهم بعضا مثل الخراف ولم يتعبوا من القتل والموت على مدى عشر سنوات كانت كافية لتدمير البشر والحجر . الندبات والجروح والقروح لا يمكن أن تنسى أبدا هي كالناقوس في عالم النسيان . وفي يوم من الأيام علّمت أحد القادة الكبار ألف باء الإدارة وعندما شعر أنه أتم العلم لم يحتذِ بالاسكندر العظيم واعتذر عن استقبالي في مكتبه فترك تلك الندبة الصغيرة هناك على الجانب الأيمن من قلبي . لكل ندبة حكاية ومتى تحولت الندبات إلى قصص وحكايات فإنها لا تموت “

أصاخ الشاب والحشد المجتمع حول العجوز السمع والدموع تنهمر على وجناتهم . ثم تقدم الشاب نحو العجوز ومد يده نحو قلبه الشاب المفعم بالحياة . أخذ منه قطعة وقدمها له بيدين ترتجفان حبا وخشية .

تقبل العجوز هدية الشاب ووضعها في قلبه ثم أخذ قطعة من قلبه ووضعها في قلب الشاب .

رمق الشاب قلبه ، لم يظهر البريق والرقة السابقين لكنه صار أكثر جمالا من ذي قبل لأنه شعر بحب العجوز يتدفق في قلبه .

تعانقا وسارا بجانب بعضهما على الطريق.

هذا قلبي وقلبك جزء غال من حكايات الوجود وكينونته.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق