قراءات ودراسات

سميائية بنية المناص في رواية وطن من زجاج للروائية ياسمينة صالح

بقلم : هدى عماري
تحاول هذه الورقة البحثية أن تقف على دلالة المصاحبات النصية للمنجز الروائي وطن من زجاج للكاتبة الجزائرية ياسمينة صالح، وياتي اختيارنا له كونه يتميز بقيم مضمونية عميقة الدلالات صورت عبره الروائية الأوجاع التي تكبدتها الجزائر في التسعينيات من القرن الماضي. ونظرا لأهمية المناص بوصفه عتبة أولية يلج من خلالها القارئ للمتن الروائي سنحاول الكشف عن دوره في نسج وشائج الصلة بين البنيات السردية المشكلة للخطاب.

يقوم أيّ عملٍ روائي على جملة من البنيات الأساسية التي تُنسج بينها وشائج صلةٍ تجعل منها نظاماً متكاملاً ونسقاً منسجماً، يقدّم من خلاله الروائي رؤيته للحياة ونظرته للواقع بلغة فنية تسمو بالقارئ إلى آفاق رحبة تحقق له لّذة أدبيّة، لهذا جاءت العناية بالعناصر المحيطة بالنص أو ما اصطلح عليه بالنص الموازي أو المناص الذي يعد منطقة التماس أولى ينجم عنها تفاعل المتلقي بالنص كونه” ” بنية نصية مستقلة، ومتكاملة بذاتها. مجاورة لبنية النص الأصل كشاهد تربط بينهما نقطة التفسير”1
و لأهميته كان النقد الغربي سباقا للبحث فيه ف “جيرار جنيت” يقدم تعريفا مفصلا للمناص، إذ هو نمط من الأنماط المتعاليات النصية و الشعرية ، يتشكل من رابطة هي عموما أقل ظهورا و أكثر بعدا من المجموع الذي يشكله عمل أدبي، مع ما يمكن أن نسميه النص الموازي، أو الملحقات النصية كالعنوان، و العنوان الفردي و العناوين الداخلية و المقدمات و الملحقات و التنبيهات و التمهيد، والهوامش في أسفل الصفحة أو في النهاية و المقتبسات و التزيينات و الرسوم و عبارات الإهداء والتنويه و الشكر و أنواع أخرى من العلامات الثانوية و الإشارات الكتابية أو غيرها مما توفر للنص وسطا متنوعا ، و قد يكون في بعض الأحيان شرحا أو تعليقا رسميا أو شبه رسمي “2
لهذا قدم جيرارجنيت مقاربة للنص الموازي اصطلح عليها المتعاليات النصية قسمها إلى خمسة أنماط 3هي: 
1-التناص : ويقصد به تلاقح النصوص عبر المحاورة و الاستلهام و الاستنساخ بطريقة واعية أو غير واعية ، مقصودة أو غير مقصودة كماهوالشأن لدى جوليا كريستيفا و باختين .
2-المناص : وهو عبارة عن عناوين ، وعناوين فرعية ومقدمات وذيول وصور و كلمات الناشر .
3-الميتانص : وهو علاقة التعليق الذي يربط نصا بآخر يتحدث عنه دون أن يذكره أحيانا.
4-النص اللاحق : عبارة عن علاقات تحويل ومحاكاة تتحكم في النص “ب” كنص لاحق بالنص “أ” كنص سابق .
5-معمارية النص : تتحدد في الأنواع الفنية والأجناس الأدبية.
أما رولان بارت فإنّه يلخص وظائف العنوان فيما يلي4:
وظيفة بيولوجية: الإعلان عن النص بوصفه منتجا وسلعة.
وظيفة إشارية: العنوان علامة من علامات وسم وتمييز النص.
وظيفة تلفظية: العنوان يخبر عما سيليه في النص.
وظيفة نفسية: العنوان يثير شهية القراءة لدى القارئ 4

و استنادا على هذه المعطيات يظهر العنوان كبنية صغرى محورية في الرواية، وعتبة نصيّة أولى لسياقاتها السردية، ومما لاشك فيه أنّ اختيار عنوان معيّن بات قصدا مقصودا، وأصبح ضرورة ملحة لاستقطاب القراء وجذبهم لمطالعة النّص بعناية و اهتمام كبيرين.
عبر هذا الفحوى يتأكد سبب جنوح المبدعين إلى توظيف عناوين مركّزة المعاني موحية الدلالات، وتبدو الرواية أوفر حظاً و نصيباً من الأجناس الأدبية أخرى عناية بعتبة العنوان، فيجد كاتبها نفسه معنيا باختيار عنوان ملائم دلاليا و جماليا يساعد على فهم خصوصية النص الأدبي ويحدد مقاصده، لذا فللعتبات “الدور التواصلي الهام الذي تلعبه في توجيه القراءة ورسم خطوطها الكبرى، لدرجة يمكن معها اعتبار كل قراءة للرواية بدونها بمثابة دراسة قيصرية اختزالية من شأنها إلحاق ضرر كبير بالنص، و تشويه أبعاده و مراميه . “5
إن المناصّ عتبة النص التي تجسد الأبعاد البنائية و الدلالية، و تحقق القيم الفنية و الجمالية للأثر الأدبي ، و على هذا الأساس ، فإن العنوان هوالعلامة اللسانيةالتي تفضي إلى غياهب النص ، وتقود إلى فك الكثير من طلاسمه ، وتعمل على شد الملتقى للعمل الروائي نفسياً و معرفياً ، بما قد يحيل إليه داخل النص أو خارجه، فهو” وإن كان يقدم نفسه بصفته مجرد عتبة للنص، فإنه بالمقابل لا يمكن الولوج إلى عالم النص إلا بعد اجتياز هذه العتبة ، إنها تَمفصُل حاسم في التفاعل مع النص عندما يستميل القارئ إلى اقتناء النص و قراءته، يكون تريقا محفزا لقراءة النص، وحينما ينفُرُ من تلقِّي النص يصير سُمًّا يفضي إلى موت النص و عدم قراءته . “6
لقد اعتبر العنوان إلى وقت قريب هامشا لا قيمة له، وملفوظا لغويا لا يقدم شيئا إلى تحليل النص الأدبي؛ لذلك تجاوزه النقاد إلى النص كما تجاوزوا باقي العتبات الأخرى التي تحيط بالنص. ولم يهتموا به إلى أن جاء المنهج السيميائي الذي أولى في مشروعه النقدي الاهتمام بتفاصيل وتضاريس الإبداع الفني بداية بالجانب الشكلي الذي صيغت فيه ، من عناوين خارجية وداخلية ومقدمات وتوجيهات وهوامش مع ايلاء النص الأدبي في حد ذاته الأهمية القصوى ،تركيبا وبناءا وصياغة و أسلوبا ولغة ، وهذا من صلب اهتمام التحليل السيميائي الذي يسعى إلى الانكباب على أدبية النص لا على الجوانب الخارجة عنه، كالعناية بظروف الكاتب والاحاطة ببئته و سماتها و غيرها مما أفاضت فيه المناهج السياقية السابقة لهذا المنهج . 
إنّ المتتبع لمعظم الدراسات المقاربة للعنوان ، يتبين له بشكل لا يدع مجالا للشك الأهمية القصوى التي يحظى بها العنوان، إذ له علاقة وثيقة بالنص الذي وسم به ، فهو ” مرسلة لغوية تتصل لحظة ميلادها بحبل سري يربطها بالنص لحظة الكتابة و القراءة معا، فتكون للنص بمثابة الرأس للجسد نظرا لما يتمتع به العنوان من خصائص تعبيرية و جمالية كبساطة العبارة و كثافة الدلالة ، و أخرى إستراتيجية يحتل الصدارة في الفضاء النصي للعمل الأدبي.”7
بناءًا على هذه الأسس عُدَّ العنوان من أهم الركائز التي يقوم عليهاالعمل الأدبي، لهذا أولى النقاد عناية به فأقاموا دراسات معمقة على مستوى التنظير؛ كان “جيرار جينيت” قد أسهم في البحث عنها من خلال كتابه “عتبات”، حيث “فكك النص الموازي إلى النص المحيط، والنص الفوقي. فقد جعـل العنوان في مقدمة فضاء النص المحيط، وإلى جانبه كل من العناوين الفرعية والداخلية للفصول والمقدمة، بالإضافة إلى الملاحظات التي يمكن للكاتب أن يشير إليها، وكل ما يتعلق بالمظهر الخارجي للكتاب، كالصورة المصاحبة للغلاف، أو كلمة الناشر على ظهر الغلاف أو مقطع معين من المحكي”. 8
تكمـن أهمية هذا المكـون ( العنوان) في كونه أول المؤشرات التي تدخل في حوار مع المتلقي ، فتثير فيه نوعا من الإغراء، و الفضول المعرفـي و إليهما توكل مهمة نجاح العمل الروائي في إثارة استجابة القارئ بالإقبال عليه و تداوله قراءة أو النفور منه و استهجانه. 
تأتي هذه المقاربة لتسلط الضوء على هذا المكون الأساسي-العنوان- المفتاحي للعمل الفني عموما وللنص الروائي النسائي خصوصا،لما يشكله من انطباع أولي عن طبيعة هذا العمل ورسمه لأفق توقع لدى المتلقي ، يختلف هذا الأفق في اتساعه وضيقه على اللغة المشكلة للعنوان نفسه.
بنية العنوان في رواية وطن من زجاج : 
جاء عنوان العمل الروائي الثاني لـ”ياسمينة صالح” جملة اسمية كان الـ(وطن) مبتدأ وخبره شبه جملة (من زجاج) ؛ هذا الخبر قدم وصفا للوطن ، يندهش القارئ عند قراءاته للوهلة الأولى، لأنه سيدخل وطنا ليس كباقي الأوطان … إنه من زجاج . لهذا العنوان دلالات عديدة تكشف عن أجواء وطنية ذات مرامي تاريخية وأبعاد سياسية، فمفردة وطن تعني المكان الذي يولد فيه الإنسان وينشأ في أحضانه، وليست لديه حرية اختياره، ينتمي إليه رضاءًا أم قدرا هو الملجأ و الأسرة و الكيان، الوطن بيت كبير تظل تضاريسه وجغرافيته ملتصقة بعقول الناس، وتبقى رموزه ومعالمه وأجواؤه مرتسمة في الذاكرة الجماعية لا تبرحها مهما طال البعد والاغتراب .
أما شبه الجملة “في زجاج” تُوجّه القارئ إلى أمرين أمّا الأول فالزجاج شفاف يكتشف ما وراءه ، يبرز آثاره ويفضح عيوبه، والثاني أنّ الزجاج هشّ رقيق قابل للكسر وحتى يتمكن المرء من حمايته لا بدّ من تسييجه وتحصينه، والابتعاد عن إثارة أو تصادم مع الغير، فإذا ما هوجم فإنه سيتحطم و ساعتها لا يمكن تجميعه أو ترقيعه وإعادته إلى صورته الأولى، بعدما صار هشيما محطّما .
بناءًا على هذا فإنّ القارئ يرى أن الوطن يعاني الهشاشة والضعف، وسكانه يعيشون الهزائم والانكسارات المتتالية، فإن كان الزجاج يسمح أن يُنظر من خلاله إلى مجريات الأحداث والوقائع فإنه في الوقت ذاته يجعل الساكن داخله يعيش حالة ترقّب للأخطار المحدقة به.
فالعنوان يبدو مركبا من الوطن و الزجاج، شكلا النّواة الأصلية التي تتفجر منها دلالات المتوارية يلتمسها القارئ مضامينها عند مباشرته قراءة الرواية و يجد نفسه يدخل إلى ذلك الوطن الزجاجي ليكتشف ملامح جيل آخر، جيل تقول عنه ياسمينة صالح “إنه جيل المجزرة. جيل القتل اليومي و سرقة الأحلام و الإهانة الرسمية .”9
تبلغ سوداوية النظرة عند ياسمينة صالح حدها عندما تجزم بأنه لا جدوى من السعي إلى التغيير أو البحث عن أوضاع جديدة تتجاوز الراهن”الجزائري الذي حين يعجز عن الكلام يبدأ بالحلم، يحلم بالهرب، وليس بالتغيير، لأنه يدري أن التغيير كذبة لا تتجزأ عن كذبة الوطن”10 لهذا السبب لا ترى ياسمينة صالح ضرورة من الثورة مادامت البلاد تتخبط في أوحال الفساد ” كنت أفكر دائماً أن الثورات لن تنجح في التغيير، فالثوار نتاج هذا الراهن أيضاً ومهما بلغت درجة إخلاصهم للقضية خارج الضوء، سرعان ما يتحولون إلى “الحرس الجديد” حين يضعون رجلهم على درجات السلم، وحين يصلون إلى الحكم يصيرون جاهزين لإدارة كل الفساد القائم، فيتحولون من ثوار قدامى إلى “غيلان” جدد”.11

صورة الغلاف
إن غلاف الكتاب يعد الواجهة التي تحتوي الرواية و تعرضها لهذااعتنت كاتبتنا ياسمينة صالح به و لأنها تعي أهميته و حتى يؤدي الدور المنوط به و يغري القارئ و يحظى بإعجابه و من ثمّة اقتناؤه، فإنّ الناشر يحرص على تنفيذ شروط تصميم الغلاف الفعال،الذي يكون قادراً على جذب الانتباه وإثارة الاهتمام، ولتحقيق هذه الغاية، فإنه يتطلب خاصيتي التناسب والمرونة البصرية، لتحقيق أفضل تمركز بصري ممكن، من شأنه أن يساعد على التحكم في حركة العين، التي تنجذب نحو الأشياء ذات الأبعاد الفنية والصور المحفزة والألوان المثيرة.
من هذا المنظور فإن واجهة الغلاف رواية وطن من زجاج التزمت تلك الشروط بعناية فقد كُتب في أعلى الصفحة اسم دار النشر ، أسفله بقليل كُتب اسم المؤلفة لدلالة على جنس الكاتب ، وفي وسط الصفحة كتب العنوان بشكل بارزو بحجم أكبر” وطن من زجاج ” و أسفله بقليل كُتب جنس العمل بأنّه رواية. أمّا اللوحة الفنية للغلاف فقد قام برسمها الفنان التشكيلي ” بشار العيسى” الذي ركز فيها على لونين أساسيين الأحمر لدلالة على الدماء التي أريقت في وطن لا زالت جراحه تنزف و اللون الأخضر الذي يبشر مستقبل تأمل فيه السلام و الاستقرار.
إنّ اللون يشكل علامة بصرية، لها مكانتها في تكثيف الدلالة و بخاصة لما يربطها القارئ بالوطن فيستحضر رموزه ، بعدما يلاحظ تركيز الفنان على أبعاد اللون الأحمر و الأخضر ودرجات استخدامهما، وتقنية تدرجهما، وتناسب تجاورهما، مما أضفي على نفسيته إثارة وجدانية، لأن الذاكرة قد اختزنت أبعادهما الرمزية والدلالية مما زاد من درجة إقباله على الرواية.
كلمة غلاف الرواية
تعد كلمة الناشر من أهم العناصر المكونة للمناص ، يأتي بمثابة الورقة التعريفية بالكتاب و صاحبه، في رواية ” وطن من زجاج ” يعيد الناشر كتابة عنوان الرواية في الطرف الأيمن من الظهر الغلاف و أسفله أشار إلى جنسية الروائية ” ياسمينة صالح كاتبة من الجزائر” .
وقد وقع اختيار الناشر على مقتطف من متن الرواية ، يجمع بين الراوي بطل الرواية ، و” عمي العربي ” في موقف فيه الكثير من الشجن، يرصد واقع مرير في مرحلة من تاريخ الجزائر حيث انتشرت الأعمال الإرهابية خسرت خلالها البلاد شبابها وقد قدمت الكاتبة أنموذج الشرطي الرشيد الذي اغتيل برصاصة غدر في إشارة لانزلاق الوطن في متاهة الانفلات الأمني .
ويصور الموقف صبر عمي العربي، فقد تعود على تحمل المصاعب و ومواجهة الشدائد باعتبار مناضل شارك في حرب التحرير ، و لكنه يتحسر على الوطن الذي ضحى لأجله و كانت النتيجة أن سقط في يد الخونة .” لن يفيدنا الحزن يا بني.. لا شيء يعوض خسارتنا ، لا شيء يعوضكم خساراتكم أيها اليتامى في وطن سرق اللصوص و القتلة قلبه!
هكذا يتأكد القارئ و هو يطالع هذا المقتطف أنه سيقرأ رواية تعالج قضية سياسية تتلمس حدود الجريمة اليومية في الجزائر فترة التسعينيات، جريمة ضدّ الثوابت و ضد التاريخ. بحيث أن المجزرة صارت المشهد الوحيد الذي يعبر عن صوت الجزائر وعن انكسار الناس.
من الملاحظ أنّ الناشر وقع اختياره على هذا المقطع من الرواية بقصدية مسبقة للترويج للعمل و إثارة القارئ و بخاصة عند تمعنه في عبارة لغارسيا ماركيز ” لنتعلم الكلام بلا إهانات و لنبذل جهدا كي يحترم الآخر لأننا سنفترق في الأخير”12استشهد بها الراوي الذي لا يعترف بالانكسارات اليومية و لا بالتناقضات المشهدية داخل الوطن فالأمل يظل حيا و نابضا يجر عربة أحلام جزائرية مستحيلة، بتوحيد جهود أبناءه ، سيصنع انتصار الوطن برغم القتلة و المجرمين الذين ساهموا في قتل أحلام الأبرياء في العيش بسلام. 
بنية الإهداء
يعد الإهداء عتبة نصية توطئة يعبر من خلالها القارئ غلى نص الرواية و عبرها ينكشف له جانب من شخصية الكاتب، وهو” لا يخلو من قصدية في اختيار المُهدى إليه/ إليهم أو في اختيار عبارات الإهداء” 13 و يكتسي الإهداء أهمية كونه يعطي للعمل الفني صبغته الواقعية و بعده المرجعي ، لذا نجد الروائية ياسمينة صالح تخصص له جانبا هاما في روايتها ، فبعدما أغوت القارئ و لفتت نظره للرواية من خلال عنوانها المثير، صاغت الإهداء بطريقة فنية غايتها تعظيم الوطنيين وتجريم الخونة ” حين نستيقظ صباحا و لا نجد وطنا نتكئ عليه نكتشف حد اليتم والفراغ المهول الذي نجرّه يوميا في عمرنا الجاهز للانكسار واليتم واللاأمل “14 هنا تتوالد المعاني و تتكاثر الدلالات في ذهن المتلقي ” لا نجد وطنا” أيعقل أن يعيش الإنسان دون وطن ينتمي إله، و يتساءل عن مدى “حدّ اليتم” الذي يرتكز في أعماق ذوات شخوص الرواية.
يشعر القارئ بالقلق و الرهبة و هو يطالع هذا الإهداء و كأنّ ياسمينة صالح تتلمس مواطن الأوجاع و تتتبع معابر الأدمع و اللحظات الحرجة للفزع المهول حد اليتم. تواصل الكاتبة إهداء عملها إلى ” الذين يعتقدون أن حزنهم أرفع من خيباتهم الكثيرة، أرفع من سوء الطالع الذي يتربص بهم في مسيرة البحث عن وطن لا يسكنه القتلة… و لا الطواغيت ” إنه أمل يحذو بالمؤلفة أن تجدا الوطن يوما خاليا من القتلة المجرمين. 
إن القارئ و هو يدخل الوطن الزجاجي يكتشف ملامح جيل آخر، جيل تقول عنه ياسمينة صالح:”جيل المجازر ، جيل القتل اليومي و الاهانة، و الجيل الذي سيولد عمّا قليل أكثر يتما و فجيعة ،وهكذا تكون الروائية قد أبعدت القارئ عن عوالم الرومانسية الساحرة و العواطف الجياشة و راحت تصور له مرارة الواقع و تؤكد حدة المأساة من خلال إهداء يضعه في جو الأزمة التي عاشتها الجزائر و لتكشف في الأخير حب خالد للوطن إذ “هو جدير بالعيش فيه على الرغم من كل شيء” 15.
و تبعا لما سبق نقول إن الكاتبة لياسمينة صالح قد اختارت عنوان روايتها بعناية فائقة، على غرار عنوان الرواية الأولى بحر الصمت موحيا مشوقا يشد الانتباه ، جعلت منه مدخلا أوليا للولوج إلى النص وسبر أغواره لا من خلال أفق التوقع الذي يفتحه فحسب، و إنما جعله يرافق المتلقي والقارئ كنص موازي يتقاطع مع الرواية ليفكك بعض شفراتها التي قد تستعصي عليه أثناء تدرجه مع عتباتها عمقا ، وهو ما منحه قوة من خلال اللغة المشكلة له، التي تعبر بصدق وبعمق وبوضوح عن عمق رؤية الكاتبة 
لهذا أتى عنوان وطن من زجاج بهذا التركيز والتكثيف؛ لأن طبيعته تتطلب ذلك ، وهو يمثل أقصى اللغة اقتصادا، كما جاء ملائما للموضوع الذي تعالجه حيث الحديث عن الجزائر الوطن زمن الانكسارات . وبهذا كان العنوان بمثابة المفتاح الذي أعطي إلينا لنلج به النص ، ونفتح أبوابه ونجول في أركانه و زواياها الكثيفة كثافة التيمة المعالجة. 
فالروائية تبحث عن صورة مثالية للوطن وترفض كل ما يشوبه أو يحاول تشويه وجهه ، ليبقى في نظرها شفافا نقيا ، فعلى الرغم مما تحمله رؤيتها لحاضره من مآس وجراح وآلام تدين عبرها الواقع بكل تناقضاته ، إلا أنها تظل حتى النهاية متمسكة بنظرتها التفاؤلية يخذوها الأمل في غد مشرق ” لأجل أن أنتصر بالحب على القتلة على اللذين يتربصون بي أيضا دون أن يعرفوا أنني أبقى لأجلك ولأجل ان أعيش في وطن وجدته فيك “15

الهوامش
1-سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي(النص-السياق)، المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1993، ص111.
2-عبد الحق بلعابد : عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص، منشورات الاختلاف و الدار العربية للعلوم ناشرون ، ط 1 ،2008 ص:44.
ntroduction a l aechitexte in théorie des geners seuil, PARIS-3: Gérard Genette 1986 p: 157 
4 -محمد بوعزة : من النص على العنوان، علامات في النقد ، النادي الأدبي جدة ، مج 14 ، ع 53 2004 ص: 413
5 – عبد العالي بوطيب ( برج السعود و إشكالية العلاقة بين الروائي و التاريخي ) ، المناهل ، المغرب ، العدد 55 ، 1997 ، ص : 64.
6- محمد بوعزة ” من النص إلى العنوان ، ،ص : 408.
7- محمد مفتاح : ” دينامية النص ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ، الدار البيضاء ، ط2 ، 1990 ص : 72 .
8- حليفي، شعيب: النص الموازي للرواية ” إستراتيجية العنوان، الكرمل، بيسان للصحافة والنشر، قبرص، عدد 46، 1992، ص82.
9- ياسمينة صالح: وطن من زجاج، منشورات الاختلاف، الجزائر، 1427هـ/2006م، ص 5 
10- المصدرنفسه ص:85
11- المصدر نفسه ،ص: 81. 
12- المصدر نفسه، ص: 24
13- عبد الفتاح الحجمري : عتبات النص البنية و الدلالة ، منشورات الرابطة، الدار البيضاء ، المغرب، ط1، 1991، ص:26. 
14- المصدر السابق ، ص:5. 
15- المصدر السابق ، ص:175.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق