ثقافة السرد

رَقَصَتْ كَلِعْبة مِيكانِيكِية

عبد العزيز دياب
 
حتى لو كانت أحلامي ضبابية، أو هلامية فقد رأيتني- وكان هذا واضحًا جليًا- في الواقع طبعا- أمام “منجة” الراقصة اللهلوبة بعد أن اصْطَحَبَني إلى وكرها أخبث أصدقائي وهو يقسم بأننا سنقضى عندها ليلة رائعة، لم أكن أعرف هذه المنجة ولا حتى شجرتها، لم يكتف بالحديث الطيب المبالغ عنها، إنما راح يُجَسَّدها في الفراغ وينحت تضاريسها: انتفاخات حميدة محمودة… اختناقات محسوبة مرغوبة، وكأنى رأيتها تخلقت أمامي نموذجًا للجسد، والوجه، البسمة التي لا تفارق شفتيها، وخفة الظل، إلى آخره من الصفات التي ينبغي توافرها في أي حبة منجة.
ماطَلْتَه، في حين كنت أدرس كل التوقعات المحتملة لخوض تجربة مهمة كهذه، ربما أصبح وكرها مقرًا دائمًا لي، أقوم على خدمتها بدور “لَبّيس”، أو بودى جارد، ربما تعلمت الموسيقى وانضممت إلى فرقتها طَبّال، أو رَقّاقْ، قد لا أفعل كل ذلك وأقوم فقط بدور حَبّيب، حَبّيب يستقبلها بالأحضان والقبلات، قبل وبعد رقصتها.
أماطل صديقي، أدرس المؤامرات… المشاجرات التي يمكن أن تحدث في وكر راقصة، نوع الأسلحة، طبيعة الجروح- بعيدًا عن جروح القلب التي لا شفاء منها- سطحية… عميقة، هذا وإن كنت أستبعد بتر أطراف، أو بشاعة تعذيب في حضورها.
هناك- في وكرها انتظرنا نصف ساعة إلى أن أتت الفرقة الموسيقية التي كانت عبارة عن طَبّالْ ورَقّاقْ، وعازف أورج، وعازف أكورديون، وعازف كمان، جلسنا مع المَزَّة، وزجاجتي بيرة إلى أن دخلت منجة في بدلة الرقص، أصابتني صدمة، ضحكت وأنا أهمس لصديقي: ليس للمنجة أي جسد يا صديقي، أراها ستسقط من بدلة الرقص.
غمزني بأن الفرقة بدأت عزفها، يبدو أن الأقدار كلها كانت ضد منجة، فالفرقة الموسيقية كانت رشيقة ومتماسكة للغاية، وفى محاولة منها لاستعراض مهارتها بدأت السرعة تكتنف عزفها، سريعًا… سريعًا تنفلت النغمات، ومنجة كطيف حط في المكان كان عليها كراقصة لهلوبة أن تجارى سرعة الإيقاع، كان مشهدًا عبثيًا… ساخرًا، غير ممتع بالمرة… هل أقضي ليلتي وأوهم نفسي بأنها ليلة ممتعة حسب منطق صديقي الخبيث، انتظرت إلى أن انتهت رقصتها، أو انتهت الفقرة الأولى، نهضت مغادرًا المكان وهو يتبعني، تعلقت بي منجة، سلمت علىَّ تطلب منى متابعة باقي الفقرات، لا أعرف لماذا كانت كفها باردة وجافة أشبه بكف بلاستيكية.
اعتذرت لها بأن لي سهرة عندها يوم أجازتي، تركتها وأنا مشفق عليها من غدر فرقتها الموسيقية.
لم تغادرني هذه المنجة، جاتني في الحلم تؤدى رقصتها، كانت تشاغلني كأنها ترقص لي وحدى، لم أكن مكترثًا بها لأنني كنت أعرف في الحلم كما عرفت في الحقيقة أنها حبة منجة جافة، جفت على شجرتها ربما لأنهم منعوا عنها الماء والغذاء، لكن إيقاع فرقتها كان سريعًا… سريعًا كعادته، بل كان أسرع كثيرًا عما كان في الواقع، وكانت المنجة تجارى الموسيقى بجهد خارق فوق احتمالها، وفوق احتمال مشاهداتي حتى تفككت كلعبة ميكانيكية: سقط الرأس أمامي بوجه يحمل ابتسامة مرهقة، تدحرجت الرقبة أمام الطبال، قفزت ذراع ذهبت إلى الرّقّاقْ، والأخرى إلى عازف الكمان، أما الفخذان الناشفان سقطت واحدة فوق الأورج، والثانية في حجر صديقي الخبيث، هَمَّ أن يحملها ويغادر المكان كأنه غنيمة لكنني منعته.
لملمت كل أعضاءها، قمت بتجميعها مرة أخرى، الرأس مع الرقبة، الرقبة مع الكتفين…..، إلى أن اكتملت، وضعتها في المنتصف، عزفت الموسيقى، قلت لها ارقصي لكنها رفضت رفضًا قاطعًا، وخرجت من حلمي بكل عنفوانها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق