ثقافة السرد

عربي جبان أنا..

صالح عزوز 

جلست إليه تنظر في عينيه اللتين تغرقان في دموعه… سألته عن سبب هذا الألم وهذا البكاء الذي لم ينقطع… فرفع إليها وجهه وهو يمسح من تبقى على وجنتيه من دمع.. يشبه قطرات الندى وهي تفارق الزهور عند كل صباح… وقال لها، أتراني أبكي من شدة الشوق أو من لوعة الفراق أو من ألم حنين يشد بقوة على صدري، أو لأجل حبيب طال انتظاره.. أتحسبني أبكي على هزيمة في كرة القدم التي أصبحت اليوم أفيون الشعوب.. أو من سوء حظ في لعبة قمار يرقص فيها مكعب النرد فوق الطاولة فيختار الجهة التي تحمل تعاستي.. أنا يا سيدتي لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، أنا أبكي حزنا وأريد أن أبكي بدل الدموع دما في حضرة وطن عربي جبان. أنا أبكي على حال من يساقون إلى الملاهي والمدرجات تباعا كالقطيع.. لكنهم للدفاع عن الشرف وعن الظلم متكاسلون. أنا أتألم ويزيد ألمي ليل صباح، عن أمة هان عليها شرفها وعزها واختارت عيش الذل من أجل السلام.. كم من صوامع هدمت وكم من مدن بأكملها خربت.. وهم يسارعون إلى تقبيل أيدي من صنعوا فيهم هذا الدمار.. ألا نخجل من أنفسنا أين كنا وأين وصل بنا المقام.. ألم نكن يوما سادة تفتح لنا الحصون حين نأتيها من أبوابها وترتعد الجبابرة عن عند جدرانها.. ألم نكن الآمر الناهي في مملكة تأتيها الشمس من مشرقها وتحط في مغربها وهي لا تكاد تحصي أطرافها وأبعادها كل يوم.. إن أردت الجلوس إلي يا سيدتي فاعذريني لا أجد ما أجلسك عليه ماعدا تربة طيبة زكية تسمع تحتها آهات وطن ممزق يستنجد لكن لا مجيب. أما سقوف بيوتنا فقط انطوت فوقنا من صوت الرصاص وصدى المدافع.. وإن أردت أن تتجولي معي فخير مكان عندنا ليست شوارع تغرق في الأضواء ولا شلالات تصب من السماء، ولا فنادق مكسيات بالحرير. بل مقابر تزف إليها كل يوم براءة كانت تلعب في الشارع فسقطت عليه النار من السماء.. فماتت وهي تحمل لعبها بين أيديها، كموت ضمير عربي يرقص فوق جثتها، وهم يتمايلون مع كؤوس الذل حتى الثمالة.. احتارت السيدة المسكينة من قول طفل لا هو بشاعر ولا مجنون. يتقن فن الخطابة والحديث.. ناولته قطعة خبز كانت تحملها معها في كيس مرسوم عليه شعار السلام. نظر إليها نظرة مودع وحمل نفسه ورحل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق