ثقافة المقال

العبيرو ليسوا العبرانيين

مصطفى إنشاصي

كثير من الكتاب الذين يعتمدون التوراة المحرفة ويعتبرونه كتاباً تاريخياً موثوقاً كلما تحدثوا عن تاريخ فلسطين، أو عن تاريخ بني إسرائيل، وخاصة داود عليه السلام، فينقلون اتهامات لا أخلاقية وسخافات وافتراءات وأكاذيب ليس فقط لا تليق بنبي أو رسول ولكنها تتنافى والفطرة السوية لعامة الوثنيين، فما بالك بأنبياء ورسل الله عليهم جميعاً أفضل الصلاة والتسليم؟! تلك المعلومات التي ينقلونها وبكم زائد عن الحد دون أن تنفر نفوسهم منها ومن مضامينها وأبعادها عن نبي أو رسول، ودون مراعاة لأدب أو تنويه بأنهم ينزهون الأنبياء والرسل عن تلك السخافات والافتراءات والأكاذيب، وأنه اضطر إلى نقل تلك النصوص كما جاءت لضرورات التوثيق أو تبيان الحقيقة، أو لكيفية تناول كتبة التوراة وتشويههم لتاريخ الأنبياء والرسل من أجل خدمة أهداف وغايات دنيوية لا علاقة لها بحقيقة دعوة رسل بني إسرائيل وتاريخهم أو أخلاقهم.

العابيرو ليسوا العبرانيين
ومن تلك المعلومات والأخطاء التاريخية والخلط في الحقائق دون تمحيص لها لتبيين عدم صحتها، خلطهم بين بني إسرائيل وقبائل العابيرو التي لم يكن لها موطن محدد، وكانت تعيش على السرقات وقطع الطريق، وتعمل لمن يدفع لها ليتقِ شرها أو ليخلصوه من أعداء له، اتهامهم كذباً لنبي الله داود إلى جانب اتهامات كثيرة لا تصح في حق نبي مرسل من الله تعالى، أنه انضم للعبيرو وأنه كان قاطع طريق، ولا يلفت انتباههم وهم يسوقون تلك المعلومات نقلاً عن التوراة المحرفة على أنها حقائق تاريخية أن العبيرو الذين لجأ لهم داود ليسوا من بني إسرائيلن ولا ينتبهوا لذلك ويخلطوا بينهما لمجرد اشتراكهما في الأصل العرقي، حيث أنهما من نفس القبيلة العربية، ولكن العبيرو ليسوا أحفاد إبراهيم عليه السلام! تلك المعلومة لم ألتفت لها إلا وأنا أحقق في: مَنْ يكون فرعون موسى عليه السلام؟ خاصة وأن علماء الآثار الغربيين وبعض العرب والمسلمين جعلوا له أكثر من فرعون، فهناك مَنْ جعل له فرعونين وآخر ثلاثة وقد وصل الأمر بالبعض أن جعل له أربعة فراعنة، من أجل أن يتوافق ذلك وينسجم مع روايات التوراة المحرفة عن خروج بني إسرائيل من مصر، في الوقت الذي لم يذكر القرآن الكريم لموسى غير فرعون واحد، ولد في عهده ومات غرقاً وهو يطارد موسى وبني إسرائيل!
جاء في كتب الآثار التي تحدثت عن تاريخ مصر، كتب موريس بوكاي في كتابه “العلم الحديث والقرآن والتوراة والإنجيل”:
“إن ما تركه العبريون كآثار لمكوثهم بمصر غامض جداً إذا استثنينا معطيات الكتب المقدسة. ومع ذلك يوجد بعض الوثائق الهيروغليفية التي تشير إلى أنه قد وجد بمصر فئة من العاملين تسمى أبيرو Apiru او هابيرو Habiru أو Hapiru. رأى البعض صحة أو خطأ أنهم العبريون. وقد أشير بهذا الاسم إلى عمال البناء والعمال الزراعيين وعمال قطف العنب الخ.. من أين أتوا؟ عسيرة حقاً الإجابة عن هذا. وكما يقول الأب ديفو (فإنهم لا ينتمون إلى السكان المحليين لا يجدون هويتهم في طبقة من المجتمع وليس لهم عمل واحد ولا وضع واحد)”.
ومع أن هؤلاء العبيرو مذكورين في أكثر من مكان غير مصر وخاصة في بلاد الشام إلا أنهم يجزمون أنهم هم العبريون: “(أيا كان الأمر ففي عصر رمسيس الثاني نفذ العبريون في قول التوراة) أو الأبيرو (حسب النصوص الهيروغليفية) في الأعمال الكبرى التي أمر بها فرعون ويمكن أن يقال إنهم ساهموا في أعمال إجبارية. وليس هناك شك في أن رمسيس الثاني كان يضطهد اليهود: ومدينتا رمسيس وبيتوم المذكورتان في سفر الخروج تقعان على الجزء الشرقي من دلتا النيل. وتانيس Tanis وقنطر Qantir الحاليتان اللتان تبعدان 25 كم كل عن الأخرى مطابقتان لهاتين المدينتين القديمتين. هناك كانت عاصمة الشمال التي بناها رمسيس الثاني. ورمسيس الثاني هو فرعون الخروج”. وأن موسى قد ولد في عهده.
كما أن علماء الآثار التوراتيين ليبرروا وجود عبريون (إسرائيليون) في فلسطين قبل خروج بني إسرائيل من مصر يعتمدون على ما جاء في القراءة المنحازة والمزيفة لما أسموه (نصب إسرائيل) في عهد مرنبتاح، ولهذا النصب أهمية عظمى حيث أنه يشكل الوثيقة الهيروغليفية الوحيدة المعروفة التي يشار فيها إلى كلمة (إسرائيل) ولقد اكتشف هذا النصب بطيبة في المعبد الجنائزي لفرعون ويقدر تاريخه بالجزء الأول من حكم منبتاخ، وهو يشير إلى سلسلة من الانتصارات التي حققها على جيران مصر وخاصة في نهاية الوثيقة، انتصار على “إسرائيل التي محيت ولم يعد لها بذور…”. واستناداً إلى هذا الأمر قال البعض بأن وجود كلمة (إسرائيل) يتضمن أن بني إسرائيل كانوا مستقرين بأرض كنعان في العام الخامس من حكم منبتاخ وأن خروج العبريين من مصر”.
فقد ذهب الأب ديفو للتأكيد: “فيما يخص الجنوب – من أرض كنعان- فإن استقرار جماعات تنتمي إلى العبريين بمنطقة قادش غير محدد وهو سابق على الخروج من مصر”. وبناء على ذلك يقول: “بمعقولية استقرار الجماعات التي خرجت من مصر في زمن آخر غير زمن خروج جماعة موسى من مصر. إن (الأبيرو) أو (الهابيرو) الذين يطابقهم البعض على الإسرائيليين كانوا بالشام قبل رمسيس الثاني… ويذكر ب. مونتي هذا في كتابه “مصر والتوراة” عن قيام العبيرو بكثير من الاضطرابات، ثم يقول: “وعلى ذلك يكون معقولاً تماماً أن منبتاخ قد عاقب بقسوة هذه العناصر على حدوده على حين كان في داخل البلاد دائماً هؤلاء الذين تجمعوا فيما بعد حول موسى للهروب من مصر”.
ويضيف الأب ديفو مبرراً وجود أكثر من بني إسرائيل: “أن ظهور كلمة (إسرائيل) في تاريخ شعب اليهود لا يرتبط بتاتاً باستقرار جماعة موسى بأرض كنعان”، وأن أصل الكلمة أنها: الاسم الثاني الذي أعطي ليعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم “ويصبح من غير المدهش أن يصف بالتالي جماعة بأكملها تخليداً لذكرى أب أول”. يريد القول: أنه هناك أكثر من بني إسرائيل يرجعون في الأصل إلى الأب الأول لهم وهو يعقوب .. وأن النصب عندما يشير إلى جماعة تسمها (إسرائيل) فإنه لا يستطيع أن يشير إلى جماعة مستقرة سياسياً حيث أن هذا التسجيل يرجع إلى نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد وحيث أن مملكة إسرائيل لم تتكون إلا في القرن العاشر قبل الميلاد. إنها بالضرورة إذن مجموعة بشرية أكثر تواضعاً”.

تصويب الخطأ
خلاصة القول: أنه هناك شبه إجماع بين علماء الآثار على أن الخابيرو تسمية تطلق على فئة من الناس كانت خليط من قبائل مختلفة أشهرها الآراميين، ليس لها موطن، وكانت تعتمد في حياتها على الإغارة وقطع الطريق، وكانت مرتزقة بالمعنى الحديث للكلمة أي ممكن أن تقاتل مع من يدفع لها. وكان الفراعنة وأمراء بلاد الشام أوقات يدفعون لهم ليأمنوا شرهم، وكانوا يجوبون الأرض بين بلاد الشام ومصر، وأنهم مذكورين في أكثر من مكان غير مصر وخاصة بلاد الشام في التاريخ القديم قبل تشكل بني إسرائيل في جماعة واحدة تُعرف باسمهم، وتذكر التوراة المحرفة أن داود عندما فر من جيش طالوت استعان بهم في قتاله.
أما ما يجزم به بعض علماء الآثار التوراتيين أن العبريون هم العبيرو أو الخبيرو بحسب نص التوراة المحرفة أو الأبيرو (حسب النصوص الهيروغليفية) الذين سخرهم فرعون في الأعمال الكبرى التي أمر بها، فذلك يعتبر نتيجة حتمية لانحيازهم لروايات التوراة المحرفة لإثبات وجود مؤثر لبني إسرائيل تاريخياً، وربطهم القصري بين بني إسرائيل (العبرانيين) والعابيرو حتى وإن خالفوا روايات الكتب المقدسة نفسها. فلا التوراة ولا القرآن أخبرانا عن خروج سابق لأحد من ذرية يعقوب بعد دخولهم مصر في عهد يوسف، قبل خروجهم مع موسى، ولا أخبرانا أن أحداً من بني إسرائيل ـ أبناء يعقوب ـ تخلف في أرض (كنعان) عندما ارتحلوا أيام نبي الله يوسف عليه السلام إلى مصر. ولا أن هناك ابناً آخر لإسحاق بن إبراهيم بقي بأرض (كنعان) يحمل اسم إسرائيل إلى جانب حمل يعقوب لهذا الاسم، ولا المعارف الحديثة قطعت بذلك أبداً!
بتقديري أن مطابقة بعض علماء الآثار للأبيرو على الإسرائيليين وخلطهم بين تاريخ الخابيرو المذكورين في الوثائق المصرية القديمة، وبين كلمة عبرو أو عبرانيين التي كانت تطلق على بني إسرائيل آنذاك في الحل والترحال، وفي دخولهم لمصر وخروجهم منها ولم يفصلوا بينهم، وبلغ ذلك الخلط أن اعتبر (عبد الحميد زايد) في كتابه “الشرق الخالد”: أن “كل الإسرائيليين عبرانيين وليس كل العبرانيين إسرائيليين”، يرجع غالباً لأسباب منها:
ـ تقارب الأسماء.
ـ إن غالبية العبيرو من أصول آرامية، وأن إبراهيم عليه السلام آرامي الأصل.
ـ الربط بينهم كلما عجزوا عن تقديم تفسير لحدث تاريخي مثل هذا الحدث على النصب.
أما ونحن نحاول أن نقدم قراءة جديدة لتاريخ إبراهيم وأحفاده من خلال رؤية قرآنية، فقد فصلنا بينهم وبين غيرهم من الجماعات التي عاصرتهم أو قد تكون صاحبتهم في مسيرة ترحالهم الطويلة، وخاصة الخابيرو، واعتبرنا أن بني إسرائيل جماعة لها تاريخها المستقل عن غيرها ممن يتشابهون معهم في الأسماء أو يشتركون معهم في الأصل العرقي، لذلك لم نعتبر – كعلماء الآثار- أن هجرة إبراهيم من العراق كانت جزء من هجرة كبيرة، حتى وإن ثبت أن إبراهيم هاجر مُتبعاً طريق القوافل مع جماعة كبيرة كانت متجهة إلى حَرّان أو فلسطين. لأن هجرة إبراهيم ومن آمن معه كانت هجرة إيمان وعقيدة، وبأمر من الله تعالى إلى أرض محددة (الأرض التي باركنا فيها للعالمين)، وليست هجرة عشوائية لقبيلة تبحث عن أرض يمكن لها أن تضع رحالها عليها وتستقر وتعيش فيها، وأنه لا علاقة لهجرة إبراهيم ببقية الركب إن ثبت أنه كان معهم ركب آخر لا في حِلهم ولا ترحالهم إلا بما يخدم دعوته أو وجهته التي أمره الله تعالى بالتوجه إليها “الأرض المباركة”.
ونفس الأمر ينطبق على خروج يعقوب وبنيه من فلسطين وانتقالهم ودخول مصر أيام يوسف عليه السلام، لم يكن له علاقة بدخول الهكسوس أو قبائل الخبيرو أو العابيرو إلى مصر أو خروجهم منها، حتى وإن ثبت أنهم رافقوا بعضهم في طريق انتقالهم إلى مصر فقط، لأنه يستحيل أن يكونوا رافقوا أحد سواء من الهكسوس أو قبائل الخابيرو أو العابيرو أثناء خروجهم (بني إسرائيل) من مصر، لأن خروجهم لم يتزامن مع خروج الهكسوس الذي سبق خروجهم بنحو ثلاثمائة سنة، وإن ثبت يوماً ما تاريخياً أن خروج بني إسرائيل تزامن مع خروج قبائل أخرى من العبيرو من مصر، فلا يعني ذلك أنهم رافقوهم في سيرهم وسلكوا معهم نفس الطريق! لأن بني إسرائيل كان لهم خصوصية اختصهم بها رب العالمين لحمل الرسالة، وليكون منهم الأنبياء والرُسل، وقد كان خروجهم من مصر هرباً من فرعون وقومه هروب إيمان وعقيدة، تلاه أحداث خصت بني إسرائيل وحدهم دون غيرهم لها علاقة بعقيدتهم ودعوتهم الإلهية، فيستحيل أن يكون معهم في ذلك الخروج قبائل أخرى.
لذلك نقول ونحن مطمئنين لأننا لا نلهث وراء إثبات صحة هذه الرواية أو تلك: إن الذي أوقع علماء الآثار في الخطأ والخلط؛ أنهم ربطوا تاريخ بني إسرائيل في حِلهم وترحالهم، بدء من هجرة إبراهيم للعراق، مروراً بدخول يعقوب وبنيه مصر وخروجهم منها أيام موسى بغيرهم من القبائل وخاصة قبائل الخبيرو! والذي زاد من الخطأ والخلط أن علماء الآثار والراجح في التوراة المحرفة أن إبراهيم يرجع نسبه إلى الآراميين، وعليه يكون الأصل العرقي لبني إسرائيل أو العبرانيين الذين يقصد بهم مَنْ عبر النهر أو الصحراء مع إبراهيم يعود إلى قبيلة الآراميين العربية. وأن السواد الأعظم من قبائل الخابيرو أو العابيرو التي بدأت تجوب المنطقة بكاملها إلى مصر منذ ما قبل الألف الثاني قبل الميلاد، وكانوا مرتزقة وقطاع طرق وقد استقروا أخيراً في جنوب فلسطين وشرق الأردن، يرجعون في أصلهم العرقي إلى الآراميين أيضاً.
من هنا قد يكون جاء الخلط والخطأ في الغالب.
التاريخ: 24/11/2019

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق