ثقافة السرد

رحرمتان ومحرم لصبحي فحماوي- الجزء-2-

يتراكض الأطفال في “حي الجبّارين”، وهم يقذفون حجارة من سجيل على السيارات العسكرية المصفّحة المتقدمة، بينما الدبابات الرابضة الهادرة في مواقع استراتيجية محصنة، تدور برؤوسها المجنونة يمنة ويسرة، تبحث عن أي حركة، أو عمّن يقول (بم)، لتنفث في وجهه نيران النابالم، أو القنابل العنقودية، أو قذائف المسامير الانشطارية، أو القذائف “الخارئة الحارئة”، آسف، الخارقة الحارقة، وكل أنواع القذائف المحرّمة دولياً!
لا أدري لماذا أخطىء كثيراً في كتابة روايتي هذه؟ قد يكون الخوف ورهبة المواقف هما سبب ذلك! لست مراسلاً صحفياً أو تلفازياً يبث أخباره من أرض المعركة، ولكن للضرورات أحكام..أجدني مضطراً لمراقبة ساحات الإعدامات، لأصور معالم روايتي..
الطفل نضال شلهوب، يُذكِّرني طول جسمه ونحوله بقلم الرصاص، يد تقذف الحجارة على الدبابات ومصفحات الدوريات العسكرية، ويده الأخرى تمسك برغيف الخبز المدهون بمسحة حمراء من شطّة الفلفل، الذي تلهب حرارته الحلق والمعدة، أحضرته لـه ابنة جيرانهم؛ الطفلة عائدة.
– خذ، خذ يا نضال، هذه الخبزة بالفلفل، أرسلتها لك خالتي أم غازي.
– كيف عرفتِ يا عايدة أنني هنا ؟
– شاهدتُك من بعيد مع رفاقك، تقذفون الحجارة، وعندما انصرف رفاقك، أتيت إليك. خفت عليك !
– ألم تخافي من الدبابات؟
– جئت لأبعدك عنها، تعال نذهب من هنا!
– إلى أين نذهب؟
– دعنا نغادر المكان، أريدك أن تعيش، كي أبقى أراك في الحارة!
– نحن في معركة تحدٍّ معهم.. إنهم يدخلون حارتنا! يجب ألا ندير ظهورنا لدباباتهم.. اقتربي مني يا عائدة. تعرفي يا عائدة، عندما أقترب منك، أشعر بالسعادة، وبأنني في بيت الأمان. أحبك يا عائدة.. يقترب منها..يدفعها باتجاه كومة هياكل السيارات المحروقة، ثم يختفيان عن الأنظار خلف كومة جذوع الأشجار المخلوعة..أعطيني بوسة يا عائدة.. يحتضنها فتدير وجهها بعيداً!
– أنا خائفة!
– ممن تخافين؟
– عين الدبابة علينا..انظر! إنهم يراقبوننا من فوهة المدفع.. أريد أن أعود إلى بيتنا، تعال نهرب من هنا!
– سأبقى هنا!
يقضم رغيف الشطّة الحارّة على دفعات، وكل حجرين أو ثلاثة، تليها قضمة خبز ملتهبة بالشطّة!
من قال: إن العين لا تلاطم المخرز؟
تشاهد عائدة أخاها جعفر الأسمر يقترب من الجرف، فتهرب مسرعة.
يقترب جعفر الأسمر من رفيقه نضال شلهوب الواقف على أرض منخفضة لمزرعة جرفتها الدبابات، واقتلعت أشجارها، ولم تُخلِّف وراءها سوى حفريات، ورمالٍ يتنطط فيها أطفال الحجارة، وبقايا أشياء، وجوف هيكل عظمي لحمار نافق، ومرتفعات تربض فوقها الدبابات الغازية..يلاحظ جعفر الأسمر أخته عائدة، عائدة من عنده، فيسأله :
– ماذا كانت عايدة تعمل هنا؟
– كانت تعطيني رغيف خبز بالفلفل، أرسلته لي أمي.
فيناكفه جعفر قائلاً ً:
– نعم يا رفيق! يد على الزناد، ويد على الفلفل..صاروا يصنعون بارود المدافع من حرارة الشطة!


وبسبب الشطة الحارة، والرشح الذي يهدُّه، ومرض الحساسية الذي يضعف بنيته، يمسح نضال شلهوب المخاط المنساب من أنفه بطرف قميصه، بينما ريح عاتية تهب من جهة الدبابات الرابضة فوق تل النفايات المجاور، فتحمل معها ما يتطاير من قاذورات ترتطم بوجهيهما، وهو يرد على جعفر الأسمر متضايقاً :
“نعم؟! أنت هنا فقط للمسخرة، وقلة الحياء، والتهكم على عباد الله، بدل أن تقذف عليهم حجرين ثلاثة! تأتي هنا فقط (للفلفسة)، وخذ منك تعليمات!”
رغيف الخبز المدهون بالأحمر يُشعِر جعفر الأسمر بالجوع، ونمنمات الفلفل الأحمر الحارة تتفاعل وتشاغب داخل معدته، فيعود باتجاه بيتهم ليطالب أمه برغيف شطّة مماثل، أو شريحة يُصبِّر بها معدته المطالبة بالطعام.. لا يصل إلى حافة الشارع، إلا وهو يسمع طلقات بارودة قناصة.. يلتفت إلى الوراء، فيشاهد ابن جيرانهم نضال يسقط مصاباً بعيار ناري. يهجم ليسعف رفيقه، ويركض باتجاهه، وما تزال تنطلق رصاصات متفرقة نحو المكان..يشعر لحظة بالخوف، وتتملكه الشجاعة في لحظات أخرى، ثم ينتابه شعور بعدم القدرة على الوفاء لصديقه في لحظات قاتلة..لماذا أنا بالذات المكلف بحمل الأمانة؟! سأتقدم باتجاه طلقات الموت.هذه ليست مسؤوليتي.لا بل مسؤوليتي! إنه رفيق عمري!
تنتابه أحاسيس متصادمة وهو يتقدم باتجاه نضال الواقع بين الأنقاض، بينما هو واقع بين الخوف والشجاعة، وروح المسؤولية والتخلي عن المسؤولية والمحبة والجبن والشهامة والاندفاع والتضحية والأنانية وحب الوطن والنذالة والضيق وواجب الإسعاف و(يا روح ما بعدك روح) و(الهروب ثلثي المراجل). إن احتمال تعرض صديقه للقتل يستحق منه الهجوم للإسعاف الفوري! شعور الخوف يدفعه للهروب إلى الأمام.. باتجاه الجريح نضال !
إذا استشهد نضال- لا سمح الله – فسوف تُشبع الدبابة نهمها في القتل، ولن تتابع قتل الرغيف الذي سقط مغشياً عليه، فتعفرت الشطّة الحمراء بالتراب، وامتزجت معها قطرات الدم! وحتى الأسد يكتفي بفريسة واحدة!
وعلى أساس الثقة بأن أشرس الوحوش لا تفعلها، يعود جعفر الأسمر، فيهجم باتجاه صديقه نضال شلهوب، ويضع يده تحت رقبة الطفل الذي يتلوى على الأرض ولكنه لا يصرخ، يبدو أن الإصابة بسيطة..لا لا، قد تكون قاتلة، والصبي قد أسقط في يديه، يدخل الطفل جعفر الأسمر يده اليسرى تحت فخذي صديقه نضال شلهوب، ويهمُّ برفعه إلى أعلى، ليأخذه إلى أهله، أو إلى أقرب مستشفى يعالج الإصابة، ولكنه يفاجأ برصاصات أخرى تخترق جسده هو شخصياً! لا، لا، ليست رصاصات موجعة، ذلك لأنه لم يحس بها مؤلمة، يشعر بأن شيئاً ساخناً يخترق جسده، فيتهاوى الطفل، وينزل حمولته، ويقعي مُسجياً رفيق عمره على الأرض..
ورغم أزيز اصطدام الطلقات بالصخور والرمال، ومخلّفات الأشجار، والنفايات المجاورة للصبي، زخّات هنا وهناك، إلا أن جعفر الأسمر لا يُصدِّق أن هذه الهياكل الحديدية العملاقة المجنونة، مُصمِّمة على فتح معركة متكاملة بينها وبين رغيف الطفل المحشو بالفلفل! ترى هل تثيرها حرارة الشطة، فتفتح شهيتها على جنون القتل؟ وهل قتل الدبابة للطفل، يتم بهدف خطف رغيف الخبز من فمه؟
وهل تحسد الدبابة نضالاً على رغيف خبزه المحشو بالشطة، فتقوم بتشليح الطفل من حياته، لتنعم هي برغيف الشطة؟
أرض اللبن والعسل،
أرض الشطة والعسل،
أرض الشطّة والشطّة،
أرض القتل والعسل،
أرض القتل والقتل!
يستمر انهمار زخات طلقات غزيرة، تنغرس في جسدي الطفلين، وفي الرمال والصخور المحيطة..بينما المركافا الحضارية الديمقراطية العظمى تتمطى في الوقت الضائع بلعبة تمضية الوقت، وتتسلى بتجارب ممارسة المهنة، فقط لتتأكد من مدى فعالية سلاحها، ودِقة إصابته.. زي ما تقول مجرد قتل تجريبي، أو تجريب القتل، أو كنوع من عرض العضلات، أو نوع من التمرين الرياضي الصباحي الذي تجريه كل يوم، فتحرك خرطومها الطويل بأوامر الكمبيوتر الخفي…يمين، يسار..يمين..يسار.. فوق.. تحت..فوق.. تحت.. استرح..استعدّ..استرح..استعدّ..رماية:
طُررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررر!
طلقات تشبه بَرَدَ الشتاء، الذي يضرب الأرض بقوة، إلى أن يرتميا فوق بعضيهما بعضاً، والدماء نقطتان.. ليستا بقعتي دماء، بل نقطتين حمراوين تجفّان بسرعة، ذلك لأن الطفلين -يا حبِّة عيني- يعانيان من فقر دم حاد، فلا ينزفان كثيراً.
تتلاشى الأشياء من ناظريهما.. وتختفي الألوان، فلا يبقى سوى (الأبيض والأسود) وها هي الكرة الأرضية تدور بهما، (حبّة فوق، وحبّة تحت) والأشجار المجروفة والمخلوطة مع صفيح السيارات المهشمة بضربات طائرات الأباتشي والممزوجة مع قِطع لحوم بشرية ونُتف طوب وأعمدة وجدران العمارات المغدورة والمجروشة بسنابك وأسنان جرافات الكاتربلر العملاقة تتراكم وتتمدد في الساحة المشحونة بالغبار والأعاصير والعواصف والرعد والبرق والنيران تشتعل فيها والشاحنات تمر مسرعة فتدوس عجلاتُها كل المارة المكتظين الذين يقطعون الطريق فتحولهم إلى معاجين من لحوم السنيورة والمرتديلا والبسطرمة والسجق وعوادم السيارات الشاحنة تضخ دخانها الأسود الكثيف فوق اللحوم فتحولها إلى أصناف لحوم مُدَخّنة مميزة يصدرونها إلى مختلف تلفزيونات العالم الفضائية فتنعم بمشاهدتها الأجيال المبتهجة بتشعلقها فوق الكرة الأرضية ودبابات المركافا تفيق من سباتها فتتحول إلى طائرات الهنود الحمر الأباتشي الذين نهضوا من الأنقاض لينتقموا لأنفسهم ويقاوموا الانقراض الذي حل بهم فوجدوا أنفسهم يطيرون في الاتجاه المعاكس وطائرات الهليوكوبتر تطير فوق المكان كالغربان فوق بقايا جثث الوعول والغزالات التي أكلتها الضباع… الصور تتلاشى تدريجياً في مخيلة الطفلين فلا يبقى غير السماء والأرض وما بينهما من غبار وقاذورات تعصف وتدور بها الرياح، وفيروز تغني (شو بيبقى من الليل، من الحكي، من الضحك، من البكي..شو بيبقى، شو بيبقى يا حبيبي؟ بتبقى قصص زغيرة، عم بتطيرها الريح!) وبسرعة غير متوقعة تُطيِّر الريح معالم المكان ويبدد الزمان كل شيء، فلا يبقى غير (السواد)! يبرد جسداهما، ومع ذلك، لا يستطيع أحد الاقتراب من هذا الكمين المستمر في استيعاب رشقات الرصاص القاتلة !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق