قراءات ودراسات

قرينة العشق وقوة الإرادة داروما رواية للكاتبة د. عطيات أبو العينين

رؤية: صباح عبد النبى

ثمة كتابات نتوقف أمامها طويلا أثناء القراءة؛ كتابات محرضة على النقد؛ تجعلنا نبحر فى أعماقها لثرائها الذي يرهق الناقد بقدر مايسعده فرواية (داروما ) للكاتبة والإعلامية والاستشاري النفسى د.عطيات أبو العينين الصادرة عن دار يسطرون للطباعة والنشر والتوزيع (طبعة ثانية)، لهذا العام وهى تشتمل علي واحد وعشرين فصلا وجاءت الأحداث متوهجة من الوهلة الأولى بدأت ساخنة متأججة بالعشق من بداية الفصل الأول رواية قد يحتار البعض في تصنيفها فهي تبدو سيراوية-رومانسية -ترفيهية – لاتخلومن أدب الرحلات ولاينقصها أدب الخيال العلمي رواية مؤدبة للوجدان والنفس محجمة للقلوب تحللت الكاتبة فيها من الأساليب الأدبية العامية المعروفة فجاءت العبارات فصحى بليغة رغم بساطتها وسلاستها للإنسان المثقف والقارئ العادي وجاء أسلوب الكاتبة على صورة مختلفة لم يعتدها القراء وصاغت أفكارها وصورت مشاعرها بلغة خاصة بها؛ لغة طازجة؛ تسترق القلوب.. ابتكرت خطا جديدا ينسب إليها في الكتابة .
(داروما) تلك القطعة المصنوعة من الورق الأحمر المقوي الملصقة على خشب البامبو تحمل الكثير من المعاني غير أنها تمثل فأل حسن ورمز الانتصار وتحقيق الآمال ورمز القوة والإرادة لقول العجوز “تشيرو” كاتودا )مذكرا البطلة سوسن أو كرم أو “يوري ” وهو يهديها تلك العروسة “[إذا سقطت داروما سبع مرات فإنها تقف ثمان ].

صباح عبد النبى

تماهت ظروف البطلة مع ظروف دولة اليابان حيث قام كلاهما بعد تدمير كامل وحتى أنها أطلقت الكاتبة على بطلتها اسم سوسن لتؤكد للقارئ أنها تلك السوسنة إحدى الزهور الجذابة وهي نباتات معمرة ذات جذور طيبة ثم استخدمت اسم كرم لتنبئنا أنها ستنال نصيبا من اسمها من كرم الله لها تبدو الكاتبة منطقية فى أسلوبها ونمط كتابتها وعقلانية للغاية فلم تنه الرواية بقصة حب جديدة أخرى للبطلة، وإنما ركزت علي هدفها الأساسى الذي وضعته في المقطع الخلفى علي الغلاف بل ظلت طوال الوقت تبحث عن التوافق النفسي ومزجت الحاجات النفسية البشرية بالنجاحات فى الحياة وكانت أشبه بطبيب ماهر يتحكم في مشرطه في تحديد علاقة الطبيب دكتور أمجد الطحاوى بالبطلة، وقد بنت الرواية بناء فنيا محكما حيث ترابطت جزئياتها ووحداتها ترابطا عضويا، بما اعتمدت عليه الكاتبة من أحداث مثيرة وأبرزها حادث السير ومن قبله ماينبئ به وهو الحلم الذي غزا خيالها قبل الدخول غابة “أوكيغا هارا ” أو بحر الأشجار …مما جعل القارئ يتهيأ لعاصفة قادمة فيجري بصره متلهفا على السطور لشدة شوقه لما سيحدث ثم تخاتل عقل القارئ.. بأن ماحدث في حلم سوسن أثناء نومها فى الحافلة حقيقة وليس مجرد حلم… عندما تحسست خدها وطالعت وجهها في المرآة ووجدت آثار صفعة حاتم أثناء تواجدهما في الغابة هل أرادت الكاتبة أن تجعل روح بطلتها من تلك الأرواح التي تتلقى رسائل حقيقية أثناء النوم… ربما ولم لا؟

فليس من عمل الأديب نقل الواقع وإنما صنعته صناعة جديدة تحاكيه بصورة أقوى بإعمال مخيلته وخبراته الحياتية وفكره وأدواته فقد حبكت الكاتبة الرواية حركة درامية متقنة وفقا لخصوبة خيالها وخبراتها من سفرها وربما المحيطين بها قدمت الكاتبة مشاهدا تصويرية لعب فيها عنصر المكان دورا مهما، كما أنها مزجت الحب بالطبيعة ص62(كأن قلبى قد فاض حبه مع ماء الينابيع فخرج ينبوع صافيا لاتشوبه شائبة).


فقد اصطحبتنا الكاتبة في رحلة ولا أروع إلى اليابان فجاءت الكتابة مشهدية أشبه بشريط سينمائي يفصلنا عن واقعنا طوال وقت القراءة تغمرنا بمتعة المشاهدة في غابة الأشباح وتباغتنا بحلم مريع لفقدانها حبيبها حاتم ورؤيته وجوها مشوهة مخيفة.
أفرطت الكاتبة في تصنيفها اللون الأحمر خلال الرواية إفراطا محمودا وذلك امتداد حضاري لثقافة متوارثة لأجدادنا الفراعنة حيث كانوا يطلون الشفاه والأظافر باللون الأحمر اعتقادا منهم أن اللون الأحمر يطرد عنهم الأرواح الشريرة… في عبارات العشق والشوق وصفته بحبة الكرز مرة وبحبة الفراولة مرة والستائر والسجاد والفرش .. العقد الأحمر المرجانى وجعلت للعشق ارتعاشات ؛ بقولها هاجت شفتاي وماجت واستبد بى الشوق وعذابات الهجر كما وصفت الحب بالطعنات، وكأنها تهيئ نفسها لتلقى سهام الخيانات وكأن حدسها ينبئها أن الخذلان سيكون أقوى أو على الأقل على قدر ماقدمته من قربان في صورة عشق صادق خالص للمحبوب، الذى قابله بغدر غير مبرر.
نجحت الكاتبة في إدخال البطلة خيمة الله ووظفت نزعتها الدينية وربطت العلم بالإيمان فكانا مجدافيها للإبحار بقارب النجاة لبر السلامة مع إصرارها على عدم الانضام لجمعية المعاقين و ذابت وسط الأصحاء وأبرزت عقيدتها صراحة بأن ماقامت به البطلة بمساعدة المعاقين والأيتام ساهم في شفائها لقول الرسول الكريم ( داووا مرضاكم بالصدقة) نجحت الكاتبة في توظيف أسماء أبطال روايتها سوسن /كرم/ماجد /ميرهان وإن كانت التجارب قد أثبتت عدم دلالات الأسماء لشخصيات الرواية حيث لم يكن حاتما كريما معها كما تم إيهامها وأن أمينة لم تكن أمينة وتلك هي المفارقة وظفت اسم أمل توظيفا جيدا في وقت بدأ الأمل يناوش قلبها ربما يطرقه دكتور ماجد كحبيب جديد بعد الحادث المؤلم والأكثر ألما هو خذلانها، موقف حاتم حيث أدركت أنها اختارت الشخص الخطأ مع المشاعر الصادقة والأمل أيضا في الشفاء ورغم أن أمل شابة وفي مقتبل العمر . مرحة . لكن وصف ملامحها وطريقة صبغ شعرها …غير موفق حيث جاء منفرا إلي حد ما وعلاقتها بأمها تبدو مرتبكة في بداية الرواية ولكن نجدها تتبدل وتنسي أمها رغبتها في إنجاب ذكر للنزعة الذكورية المعتادة في المشرق العربي علي الأخص أشاعت الكاتبة جوا من التنافسية بين العجز والإرادة رواية يقرأها الشباب في الكليات والجامعات والناشئة في المدارس حيث جاء أسلوب الرواية مرسلا خاليا من العوائق نأت بروايات عن العامية المصرية وكتبتها بالفصحى عنوان حضرتها وكان يليق بالكتابة ولايعيبها أن تدمج العامية بالفصحى كما استخدمت لفظة (الغايشة ) ولأنه يبدو لفظا مبهما اضطرت الكاتبة لشرح معنى اللفظ الدخيل علينا فدائما الألفاظ والعبارات ماهي إلا مطايا للمعاني والمشاعر الإنسانية فجعلته عنوانا للفصل الثالث وكان لا يمكن الاستغناء عنه فلبعض الدول مفرداتها المقصورة عليها فقط، ولكن الكاتبة أرادت أن تصور لنا كل ماجاء في خاطرها وتفاعلت معه مباشرة دون مشقة، وفي نهاية رؤيتي النقدية لرواية ( داروما ) أرى أن تلون دكتور عطيات أبو العينين الجانب الأيمن من عيني داروما .. مصحوبا بتهانينا في انتظار المزيد من النجاحات المعتادة من سعادة الدكتور عطيات أبو العينين. صباح عبد النبى الدويرى.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق