ثقافة السرد

قسوة مجتمع..

*أسامة طبش

أهم بالخروج من سجني الآن، لم أجد أحدا في استقبالي، ربما كنت أتوهم ذلك، 10 سنوات رميت في زنزانتي ظلما وعدوانا، لا زوجة ولا أولاد ولا صديق يسأل عني، كنت أذبل يوما بعد يوم، أقاسي مرارة وحشة الوحدة؛ لوعة الفراق مضافة إلى لوعة السجن. وقفت أمام باب السجن أرقب سيارة تقلني إلى منزلي، نعم لا زلت أؤمن أنه منزلي وعشي الذي آوي إليه، ليس لي ملجأ ولا ملاذ غيره، فهو الذي بنيته بجهدي وعرق جبيني طيلة سنوات شبابي، عمري الآن خمسون سنة، اشتعل الرأس شيبا واحدودب ظهري، صرت كعجوز أوهنته سِنون العذاب، أوقفت سيارة، بالكاد وافق صاحبها أن يكلمني متوجسا من مظهري، بعد أن توسلت إليه مرارا وتكرارا، ها هو ذا يرأف بحالي ويوافق على اصطحابي.

بيتي كما هو، الشيء المتغير فيه ربما لون الطلاء وبعض الرتوشات على الشرفة، طرقت الباب في المرة الأولى، لا مجيب، ثم عاودت ثانية وثالثة، هممت بالانكفاء راجعا محني الرأس مكسوف البال، وفجأة الباب يفتح، تهلل وجهي عندما رأيت فتاة صغيرة لا يتعدى عمرها الخمس سنوات، ربما كانت حفيدة لي من إحدى ابنتي، ركضت إلى باحة المنزل، بعد هنيهة قصيرة أطل علي رجل طويل القامة عريض المنكبين، يبدو على تقاسيم وجهه آثار الانزعاج.

المعذرة على الإزعاج، هل هذا بيت فلان؟

قطب جبينه وحد بصره في عيناي وأردف قائلا:

– لا أعلم شخصا بهذا الاسم.

أغلق الباب في وجهي، لم يعجبه سمتي قطعا،  أخبرني أحد الجيران فيما بعد أن عائلتي قد غادرت البيت بمجرد صدور حكم السجن في حقي، قد كنت كتبته  بإسم زوجتي، لقد فقدت كل شيء الآن.

انقشعت كل الأوهام من أمامي، صدمتني الحقيقة المرة وبدأت أتجرع كأسها جرعة بعد جرعة، منذ العاشرة صباحا وأنا أهيم على وجهي في أزقة المدينة، لا مأكل ولا مشرب، سكون الليل يخيم عليها الآن، وهنت قواي لدرجة أن قدماي لم تعد  تحملان جسمي الهزيل، فجأة ربتت يد على كتفي فاستدرت ملتفتا، يا للقدر السعيد، حمدلله، إنه أعز أصدقاء طفولتي، انقطعت بيننا الاتصالات لفترة ما لظروف أجبرته على اتخاذ مدينة أخرى لأعماله التجارية.

احتضنته بقوة دون شعور مني، قصصت عليه كل ما مر بي من معاناة ونحن في مطعم أحاول  استعادة بعض دماء الحياة في عروقي، اقترح علي أن أرحل وأساعده في تجارته، وافقت دون  تردد، فأنا محاصر بضيق ذات اليد، لقد انفتح لي باب الفرج مرة أخرى، قررت منذ تلك الوهلة أن أهجر مدينتي وكل ما فيها من تفاصيل، قررت أن أنسى ذكرياتي فيها وأنا أقضي أعز سنوات عمري، إنه القدر المحتوم الذي حل بي، فقد لفظت دون أي جريرة أرتكبها ، قررت أن أطلق حياتي الأولى، الأمر ليس بالهين ولا السهل على الإطلاق، لكنني سأسعى لذلك بكل ما لدي من قوة، لم أجد من يحتضنني في وقت محنتي العصيبة، حتى أقرب الناس تخلوا عني، زوجتي وابنتاي، ربما هُنَّ الآن يخجلن من ذكر إسمي، بل ربما تم اختلاق كذبة ما لمحو ذكرى وجودي.

عندما تزوجت كنت دون عائلة ، وكأنني اتخذت المعاناة صديقا حميما لي، لطالما عشت حياة مشتتة، فوالداي انفصلا منذ نعومة أظفاري، افتقدت دائما للدفء العائلي، بزواجي شعرت أني قد ولدت من جديد، عشت سنوات رائعة، أحسست فيها بكل معاني السعادة وأنا أرى فلذتا كبدي تكبران أمامي، وإذ بتلك المصيبة تسقط على رأسي وتقصم ظهري، كل من أعرفه تجهمني، يرمقني بنظرة الاتهام، كنت أصرخ وأبكي، كبت ألمي في سويداء قلبي، أخفيته ولازلت أخفيه، عاهدت نفسي أن لا أنحني إلا للذي خلقني.

هي حياة جديدة إذا لي، إنها قسوة المجتمع التي آلمتني وهناك الكثير مثلي، أجبرت على تغيير نمط سيرورتي، قررت أن أبدل رداء الذل والانكسار برداء الإرادة  في بدء المشوار، لازال أمامي الكثير لأنجزه، حرمت أجمل سنوات عمري، لكنني لن أستسلم بل سأرفع التحدي، سأقاوم كل  الصعاب كي ألج طريق النجاة من جديد، لن أنكس أعلامي ما دام قلبي ينبض، وما دمت أنشد الأمل في الغد المشرق.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق