ثقافة المقال

في الطريق إلى بجاية

ياسين عدنان

في الطريق إلى “ناصرية” الجزائر ولؤلؤة المغرب الأوسط.. في الطريق إلى “بجاية” الوجهة الجزائرية التي ظلت تتمنع عليَّ لسنوات.  منذ بداية التسعينيات وأنا أتردد على الشَّرْق الشقيق. زرتُ “الجزائر” و”وهران” و”مغنية” و”الشلف” و”عنابة” و”قسنطينة” و”تيزي وزو” و”باتنة” و”تيبازا” و”شرشال” ومدنا أخرى صغيرة في مختلف جهات الجزائر الشقيقة، لكن بجاية ظلت تتمنّع. مرة قبل ثمانية عشر عاما، خلال سنوات الجمر في الجزائر (يسمّونها العشرية السوداء)، أخذنا الطريق الساحلي من العاصمة باتجاهها: أخي طه والصديق العزيز بوزيد حرز الله وأنا. زرنا “تيزي وزو” و”تيقزيرت” و”أزفون” ونمنا نوما متقطعا في مأوى صغير للشباب في “تيقزيرت”، لكننا لم نكمل الطريق إلى بجاية. كنا قد تعبنا، والوضع الأمني كان صعبا، لذلك آثرنا الرجوع.
وإذ أسافر غدا إلى بجاية للمشاركة في الفعاليات الأدبية الموازية لمهرجانها المسرحي (مهرجان الجزائر الدولي للمسرح) وأيضا لقضاء عطلة عيد الأضحى هناك، سأكون كمن يُسدِّد دينا قديما.
ثم كيف يمكنك أن تقدم نفسك للعالم كشاعر مغربي وأنت لا تعرف بجاية؟ هكذا كنت أشعر دائما أنا الذي أدرَكَتْهُ مبكّرا “حرفة” السفر وغواية الترحال. هل يجوز لي أن أزعم الكتابة وأتشبث بالشعر دون أن أكمل  “ديني” بالحج إلى بجاية؟
لكم أحبُّ تعقُّبَ أثر الأسلاف.
فابن عربي غادر مراكش باتجاه بجاية ذات زمن قديم وهو يردّد بيتيه الخالدين (رأى البَرْقَ شرقيّاً، فحنَّ إلى الشرقِ / ولوْ لاحَ غَربِيّاً لحَنَّ إلى الغَرْبِ / فإنَّ غَرامِي بالبُرَيْقِ ولمْحِهِ / وليْسَ غَرامي بالأمَاكِنِ والتُّرْبِ). ومن بجاية استدرجَهُ الشرق نحو المزيد من الشرق فواصل رحلته إلى دمشق. لكن في بجاية سينزل الشيخ الأكبر ضيفا على مراكشي أصيل، هو المفسر الصوفي أبو الحسن الحَرالِّي المراكشي صاحب (السر المكتوم في مخاطبة النجوم) الذي اختار الإقامة في بجاية إلى جانب مغاربة آخرين تحدث عنهم بالتفصيل أبو العباس الغبريني في كتابه (عنوان الدراية فيمن عُرِف من العلماء في المائة السابعة ببجاية).
شاعر مغربي آخر هو الصوفي الشهير أبو الحسن الشّشتري صاحب قصيدة (شْوِيّخ من أرض مكناس / وسْط الأسواق يغنِّي / أَشْ عليَّ من الناس / واش على الناس منِّي؟) هجر مكناس وأسواقها، وفاس وزواياها، ورحل إلى بجاية. وهناك التقى شيخه ابن سبعين. وهناك أيضا بدأ حياة الهائم الباحث عن الحقيقة. وفي بجاية دائما سيكتب الشّشتري وينشد أول مرة قصيدته الشهيرة (لمَّا دَارْ الكاسْ / ما بين الجُلاَّسْ / وحَيَّتْهُم الأنفاس / عنهُم زال البَاسْ / سقاهم بكأس الرِّضا / عفا الله عمَّا مضى). وفيها أيضا كتب قصيدته: (طاب شُرْبُ المدام في الخلواتِ / اسقِني يا نَديمُ بالآنِياتِ / خَمْرةٌ تَرْكُهَا علينا حرامٌ / ليسَ فيها إثمٌ ولا شُبُهاتِ)
إلى بجاية إذن. “اكسر” ما استطعت من “الشُّبهات” وتفيأ ما شئت من ظلالها، فالضرورات “الشعرية” تبيح المحظورات.
إلى بجاية إذن. غدا إن شاء الله. من مراكش إلى الدار البيضاء. ومن البيضاء إلى الجزائر. ومنها إلى لؤلؤة المغرب الأوسط: بجاية. المدينة التي مارست غوايتها على المغاربة في القرن السابع الهجري أيام الحكم الحفصي الذي قام على أنقاض دولة الموحدين، ها هي تعود لترسل برقها من جديد. و(إنَّ غرامي بالبُرَيْقِ ولمْحِهِ / وليس غرامي بالأماكنِ والتُّرْبِ).
سلامًا بجاية. سأجيئك بـ(دفتر العابر). وسيكون الجُلاَّسُ هناك: بوزيد حرز الله، فاطمة البودي، عبد الرزاق بوكبة، زينب الاعوج واللائحة مضيئة.. أما كأس الرِّضا فلن تغيب عن مجالسك. سلاما يا لؤلؤة المتوسط.. سلاما بجاية.. وهاأنذا في الطريق إلى شرقك المنذور لرياح الغرب..

كاتب من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق