قراءات ودراسات

موسم الهجرة إلى الشمال المفهوم عن الغرب القسم الثاني

د. أفنان القاسم

كان قصد الراوي أن يقدم صورة “إيجابية” لعالم القرية تحت أشكال وسيطة تتراوح بين الوظائف والإشارات، وكانت هذه واحدة من “النوايا” الحسنة للطيب صالح، لكنه يوقع نفسه والعالم المعبر عنه في مأزق تصوره البرجوازي الصغير الذي يفضح من خلال القراءة النقدية المباشرة لما ليس مباشرًا –وليس القراءة النقدية المباشرة لما هو مباشر كما هو لدى بعض النقاد- الهم الفني لديه، ألا وهو الوهم عن العلاقة بالذات، عن طريق أخلاقي أحادي الجانب، ليسقط في الوهم عن العلاقة بالنص، ويبرز قيمًا عامة يمكن أن تكون لكل الناس، مسلمين كانوا أم مسيحيين، بوذيين كانوا أم تاويين، ولكل الأجناس، إنجليز كانوا أم سودانيين، هنديين كانوا أم صينيين، ليست حكرًا على أحد. وفي تعميم القيم، من ناحية أخرى، تثبيت للوهم، وإضفاء نوع من التساؤلات الوهمية عن الآخر، عن الغربيين، عن وحدات سردية ثانوية بالنسبة للوحدة السردية الأساسية “المفهوم عن الغرب”: “هل هم مثلنا أم يختلفون عنا؟ هل المعيشة غالية أم رخيصة؟ ماذا يفعل الناس في الشتاء؟ يقولون إن النساء سافرات يرقصن علانية مع الرجال… هل صحيح أنهم لا يتزوجون، ولكن الرجل منهم يعيش مع المرأة بالحرام؟” (ص 7)

حقًا “يدهشهم” (ص 7) الراوي حينما يقول لهم: “إن الأوروبيين، إذا استثنينا فوارق ضئيلة، مثلنا تمامًا، يتزوجون، ويربون أولادهم حسب التقاليد والأصول، لهم أخلاق حسنة، وهم عمومًا قوم طيبون” (ص 7)، ولكنه يقدم لنا وصفًا عامًا دومًا لحالة يمكن أن تكون لكل الناس، ولكل الأجناس، كما سبق لنا القول، لتبدو هذه الوحدات السردية ثانوية بالفعل لا أهمية لها، مفصل من مفاصل الروي لا أكثر، وما “الدهشة” هنا إلا لأن أهل القرية لم يزوروا لندن، وفي الزيارة قراءة، إذا عكسنا المثل الفرنسي المعروف، فتزول الأوهام التي يحاول الراوي الحد منها. أي في التجربة المباشرة تنطبق العوالم، ولا تبقى منها إلا “فوارق ضئيلة”. وهذه الفوارق تنتهي بدورها عندما يسأله أحدهم: “هل بينهم مزارعون؟” (ص 75) ليجيب: “بينهم مزارعون، وبينهم كل شيء. منهم العامل والطبيب والمزارع والمعلم، مثلنا تمامًا” (ص 7). نلاحظ أنه يقول: “مثلنا تمامًا”، وهذا ما يلغي تمامًا “خصوصية” الخطاب الأخلاقي المستعمل: “أحس أنني لست ريشة في مهب الريح، ولكني مثل تلك النخلة مخلوق أصيل، له جذور، له هدف” (ص 7). لم تعد هناك “خصوصية”، أما إذا بقي شيء منها، فهو باق في العرف الأخلاقي الذي لا ينقض ولا يلغي بل يوافق ويماثل، وكوحدة سردية لا يفعل سوى “ملء” الفضاء السردي، كما يقول رولان بارت.

ولنلاحظ حالاً أننا لسنا ضد أن يكون الإنجليزي كالسوداني مخلوقًا له أصل، وله جذور، وله هدف، ولكننا لا نقبل بالتوازي الأخلاقي العام والضبابي ما بينهما: يجب التحديد في كلتا الحالتين. ومن أجل ذلك، يجب التوظيف، أن يكون التوظيف أساسيًا، التوظيف بالفعل لا بالقول، فعل يؤدي إلى بدائل تتقدم بالروي، بدائل تجيب على تساؤلات أو تعرض لمواقف أو تؤشر إلى احتمالات. ونحن لا نقبل، من ناحية أخرى، أن توظف الصورة “ولكني مثل تلك النخلة، مخلوق له أصل، له جذور، له هدف” كحالة معنوية تنتفي بعد عدة سطور، ففي النفي انتفاء للعلاقة بالذات التي هي هدف فني أساسي للنص، وسقوط في الوهم، مرة أخرى، من جديد.

ورغم “ذكاء” (ص 7) أهل القرية، إلا أن الراوي يؤثر ألا يقول لهم ما يفكر فيه عن الغربيين مبررًا ذلك ب “خوفه من غروره ألا يفهمون” (ص 7). من ناحية الطبيعة السردية، الوظائف لم تتغير، وكلها تسير في الخط الأخلاقي الأحادي الجانب ذاته، الخط السردي ذاته بما يحتوي عليه من صفات وأحداث. لنقرأ ما يقوله الراوي في الغربيين، بعد أن كوّن فلسفته الخاصة:

“مثلنا تمامًا. يولدون ويموتون، وفي الرحلة من المهد إلى اللحد يحلمون أحلامًا بعضها يصدق وبعضها يخيب، يخافون من المجهول، وينشدون الحب، ويبحثون عن الطمأنينة في الزوج والولد. فيهم أقوياء، وبينهم مستضعفون، بعضهم أعطتهم الحياة أكثر مما يستحق، وبعضهم حرمته الحياة. لكن الفروق تضيق، وأغلب الضعفاء لم يعودوا ضعفاء” (ص 7).

إنها صفات عامة وفضفاضة، المصطلح كلاسيكي: مستضعفون، ضعفاء، أقوياء، أعطته الحياة، حرمته الحياة، يستحق… إلخ، يدلي بحركة ميكانيكية تلتغي فيها الدينامية النقضية عندما يقول “أغلب الضعفاء لم يعودوا ضعفاء”! وكل هذا من شأن “الحياة” أو “القدر” أو “المجهول”، “الله” الذي يعطي أو لا يعطي مع الغياب الكامل للمفهوم العلمي للاستغلال. وبالكلام الألسني، هذه الصفات العامة الفضفاضة هي محفزات غير وظيفية لا تدخل في علاقات متبادلة مع نواة (الغرب) الوحدة الأساسية (المفهوم عن الغرب)، فتبقى أحادية الجانب.

هل هذه فلسفة صعبة على أناس القرية “البسطاء”؟ وهل تحتاج إلى من هو ذكي أو من هو مغرور ليفهمها؟ إنها تنهل من نفس الواقع “البسيط” لأهل القرية، وتحاول بشتى الطرق ألا تكسر إطاره حتى ولو تكلمت عن عالم آخر مختلف، أو هكذا يبدو، في طقوسه وعاداته. لهذا كانت الوظيفة التي أرادها الراوي أساسيةً للرويِ ثانوية، توافق الوصف هنا مع منطق الوصف وليس مع المنطق الوصفي الذي من المفترض أن يكون استنتاجيًا وكفلسفة استتباعيًا.

وتخاف بنت مجذوب، إحدى شخصيات الرواية، أن يعود الراوي إليهم “بنصرانية غلفاء” (ص 8). وهو، بالفعل، لا يعود إليهم بتلك النصرانية الغلفاء، أي أنه رغم موقفه المدافع “عنهم” (الغربيون) إلا أنه يبقى “شرقيًا”. بمعنى أن الروي للراوي عبارة عن “تواصل” نسقي “لخطأ” لا يراه لا يعرفه لا يفهمه بل يتوهم أنه يراه أنه يعرفه أنه يفهمه.

الحقيقة مطلقة والإحساس الحقيقي بالتاريخ غائب

ليدخلنا الراوي في مسألية العلاقة الوهمية بين الشرق والغرب، يأتينا بصورة لمصطفى سعيد الذي يمثل هذه العلاقة الوهمية، كما سنرى، وهو “يستمع في صمت، يبتسم أحيانًا، ابتسامة أذكر الآن أنها كانت غامضة مثل شخص يحدث نفسه” (ص 8)، وفي الحديث إلى النفس إفضاء للذات نحو غرض إزالة الوهم وفهم “الحقيقة” كما ظهرت في النص، الحقيقة الخاضعة للتصور البورجوازي الصغير للعالم، وإن أخذت في البنية السردية للرواية شكل الحقيقة المطلقة:

“وكانت تخطر في ذهني أحيانًا أفكار غريبة، كنت أفكر، وأنا أرى الشاطئ يضيق في مكان، ويتسع في مكان، أن ذلك شأن الحياة، تعطي بيد، وتأخذ باليد الأخرى. لكن لعلني كنت أدركت ذلك فيما بعد. أما الآن على أي حال، أدرك هذه الحكمة، لكن بذهني فقط، إذ أن عضلاتي تحت جلدي مرنة مطواعة، وقلبي متفائل، إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة، أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي، فينفع، ويثمر، ثمة آفاق كثيرة لا بد أن تزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كتب كثيرة تقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العمر سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء” (ص 9).

ولكنه لا يفعل من كل هذا شيئًا، وكل هذا يبقى في إطار المحفزات السردية (تعطي بيد، تأخذ بيد، آخذ عنوة، أعطي بسخاء، أزور، أقطف، أقرأ، أكتب) لا المحفزات الفعلية، فلا معنى للتفاؤل، ولا معنى للحب، ولا معنى لكل هذه المشاريع، بل الغالب في الأمر هو القدرية والمانوية والعبثية البدائية في عالم بدائي. وتأتي إشاراته عن إحساسه “بالاستقرار” (ص 9)، وأنه “مهم” (ص 9)، وأنه “مستمر ومتكامل” (ص 9) بطريقة إنشائية على المستوى اللغوي، أما على المستوى الدلالي، فهي أقرب إلى الأماني العابرة منها إلى العلاقات في جدلها مع الحاضر، وحتى علاقته بجده، أي بالماضي، فهي علاقة مستقيمة، علاقة عائمة رغم عمقها: “وأذهب إلى جدي، فيحدثني عن الحياة قبل أربعين عامًا، قبل خمسين عامًا، لا بل ثمانين، فيقوى إحساسي بالأمن” (ص 9). الأمن هنا كمرادف للعلاقة المستقيمة العميقة بالماضي دون تناقضات أو هزات أو وثبات، مما يؤدي بنا إلى الاستخلاص التالي: ألا وهو غياب الإحساس الحقيقي بالتاريخ والوعي به. ويعني غياب الإحساس الحقيقي بالتاريخ تغييب التاريخ وسحقه، فلا زمنية هناك، ولا حتى مكانية هناك، ليصبح الروي ليس لسان الراوي بل لسان التاريخ المغيب، الوهم كبنية وظائفها الأساسية ما هي سوى لحظات اتفاقية.

مصطفى سعيد أو وهم العلاقة بين الذات والآخر

مقدمات

1– مزيج من صورتين

يقدم الراوي مصطفى سعيد على أساس أنه “مزيج غريب من القوة والضعف” (ص 11). لنلاحظ أنه مزيج من حالتين عضليتين أو نفسيتين، أي أنه مجبول من معدنين متوافقين، وإذا ابتعدنا أكثر في دلالات هذه الشخصية كفكرة كرمز كإشارة كعلامة كعادة نقول إنها عبارة عن تركيب “لشرق وغرب” أو “لقلب وعقل”، كما سنرى بالتفصيل في فصل قادم، ألبسهما المؤلف ثوبًا واحدًا، وهذه هي كل الوظيفة الخطابية التي لها. إن غربته عن البلد، عن تلك القرية النائية على ضفاف النيل –ولهذا مدلولات على أنه آت ليس فقط من الخرطوم بل ومن لندن أيضًا، أي أنه الإنجليزي أو الغربي عندما يعتبر غريبًا- نقول إن غربته عن البلد لا تصبح عائقًا أمام إقامته في البلد عندما “لا يبدو منه شيء منفر، وأنه يحضر صلاة الجمعة في المسجد بانتظام، وأنه يسارع بذراعه وقدمه في الأفراح والأتراح” (ص 10)، أي أن في شخصية مصطفى سعيد تزاوجًا بين الغريب والقريب، هو غريب حقًا لكنه يمارس طقوس أهل البلد وعاداتهم، يزور الراوي وقت القيلولة، في وقت غير مناسب، كأهل البلد الذين “يزورونك ظهرًا أو عصرًا، لا يهمهم أن يقدموا المعاذير” (ص 11)، “إنه رجل وسيم… (لكنه) أقرب إلى الجمال منه إلى الوسامة” (ص 11)، “يتحدث بهدوء، لكن صوته واضح قاطع” (ص 11)، “حين يسكن وجهه يقوى، وحين يضحك يغلب الضعف على القوة” (ص 11-12)، “ونظرت إلى ذراعيه، فكانتا قويتين، عروقهما نافرة، لكن أصابعه كانت طويلة رشيقة، حين يصل النظر إليهما، بعد تأمل الذراع واليد، تحس بغتة كأنك انحدرت من الجبل إلى الوادي” (ص 12)… إلخ. حقًا هذا المزيج من صورتين الذي هو مصطفى سعيد يلخص كل الوظيفة الخطابية التي له لكنه لا يضفي على الخطاب إلا توتر السيمنتيم (دلالة اللفظ)، فيظل الأثر محدودًا دون توتر المعنى.

2– السمة اللاعادية

تبدأ السمة اللاعادية لمصطفى سعيد عندما يربط صورته بصورة الجد: “جدك ذاك رجل. ذاك رجل. تسعون عامًا وقامته منتصبة، ونظره حاد، وكل سن فمه، يقفز فوق الحمار خفيفًا، ويمشي من بيته للمسجد في الفجر. هاه ذاك رجل!” (ص 13-14)، ونحن سنعرف، فيما بعد، أن السر كامن في أن “يعيش المرء ويموت ببساطة” (ص 14). بكل هذا التبسيط، ولكن تأكيد الغموض هنا يثير التساؤل، ويدعم السمة اللاعادية لمصطفى سعيد الذي يضفي على نفسه صورة غيبية: “وركبت الباخرة، وأنا لا أعلم وجهتي، ولما رست في هذا البلد، أعجبتني هيئته، وهجس هاجس في قلبي: هذا هو المكان” (ص 14). إنه هاجس نبوي، كما سنرى، إذ لا يلبث أن يقول: “وهكذا كان، كما ترى” (ص 14)، أي أن ما هجس به قد تحقق، فيعلو عن القوم، وينصب نفسه قدرًا: “لم يخب ظني في البلد ولا في أهله” (ص 14). لكن بنيويًا هذه السمة اللاعادية تظل محفزة للوظيفة الخطابية: المزيج بين صورتين، العلاقة بين المروى عنه والمروى إليه، الرابط بين المتواصل وغير المتواصل لدى الشخصية الرئيسية. إنها سمة وإشارة إلى السمة من بين سمات نفسية أو عاطفية أو جسدية أو أخلاقية أو فلسفية أو جمالية…

3– يقيم القانون

إذن بفضل السمة اللاعادية الملحقة بسمات من بينها قوة الشخصية التي يتمتع بها مصطفى سعيد في لجنة المشروع الزراعي يقيم القانون، ويحظى بطاعة الآخرين له، ففي أمر الذين “يفتحون الماء في حقولهم قبل الموعد المحدد لهم” (ص 16) حتى ولو كان “منهم من هو عضو في اللجنة” (ص 16) يفرض مصطفى سعيد “الخضوع للنظام… وإلا اختلطت الأمور، وسادت الفوضى، وأن على أعضاء اللجنة خاصة أن يكونوا قدوة حسنة لغيرهم، فإذا خالفوا القانون عوقبوا كبقية الناس. ولما فرغ من كلامه هز أغلب أعضاء اللجنة رؤوسهم استحسانًا، وصمت من عناهم الكلام” (ص 16).

الاستشهاد السابق يوضح موقع ومكانة شخصية مصطفى سعيد بين أفراد مجتمع القرية. ولنلاحظ حالاً أن هذا المجتمع قد قُدم في الرواية على مستوى الطبقة العليا من عمدة وتاجر وأعضاء لجنة من أولي الأمر وباقي “الميسورين في البلد” (ص 15)، فمن يقيم القانون، وهذا هو حال مصطفى سعيد، عليه أن يكون شخصًا ذا جدارة، شخصًا من “عجينة أخرى” (ص 16) كما يقول الراوي، إشارة إلى السمة اللاعادية والسمة القوية تحت كافة إشارات “الفلتة” التي كانها مصطفى سعيد كما سنرى في الفصل القادم. أي أن كل هذه “الإيجابيات” السردية ما هي إلا لخدمة الوظيفة الخطابية لمصطفى سعيد في صورتيه السرديتين، في الزمان والمكان السرديين.

4– يقرأ شعرًا إنجليزيًا

هذه أول إشارة واضحة عن صورة الإنجليزي في مصطفى سعيد، وذلك عندما يسكر، فيخلص من صورة السوداني، ليتلو شعرًا إنجليزيًا (ص 17). وقدرته أو لاعاديته تظهر في اللحظة التي يُغَيِّبُ فيها من هم معه في الغرفة: “كأننا نحن الرجال المجتمعين في تلك الغرفة لم نكن حقيقة، إنما وهمًا من الأوهام” (ص 18). إنه يخفي صورة السوداني في اللحظة التي يتقمص فيها صورة الإنجليزي، فتصبح وهمًا، أي أنه بالوهم يخفي الحقيقة. لنلاحظ أننا نقول يخفي ولا نقول يلغي، أما الراوي، فبالحقيقة “يلغي” الوهم، وذلك عندما يلاحق مصطفى سعيد قائلاً: “من الواضح أنك شخص آخر غير ما تزعم. من الخير أن تقول لي الحقيقة” (ص 19)، لتبدأ لعبة الوهم والحقيقة القائمة على نفس المبدأ: مبدأ التوازن والتوافق، وإن حصل إخفاء أو إلغاء صورة للأخرى، فهو إلغاء ميكانيكي يفضي دومًا إلى الموقف الأخلاقي والأحادي من وهم العلاقة بين نقيضين قابلين للانطباق والتماثل. الإشارات التي عن الإنجليزي في مصطفى سعيد ذات مدلولات محيرة: شخص آخر، من هو؟ يقول الحقيقة، لا يقول الحقيقة، لماذا؟ خاصة أن كل هذا يجري قبل الصفحة 20 من الرواية، كل هذه التساؤلات هي في الوقت ذاته دلالات تحث على تفكيك كودات هذه الشخصية، بغض النظر عن مانويتها، ميكانيكيتها.

5– صورتان أحاديتان للعقل والقلب

مصطفى سعيد شخصية مرسومة بدقة آلة ميكانيكية أعمل فيها الكاتب “العقل” بعيدًا عن أية “عاطفة”. إنها تشخيص “للعقل”، كما يتصوره الكاتب، ولا نقول شخصية عقلانية، تشخيص “للعقل” أو “للحضارة” كما يتوهمها الطيب صالح، وهي صورة مدانة من طرفه، فهي تمثيل للوهم حسبما يزعم. وكذلك، فإننا سنلمس في مصطفى سعيد قبل عودته (أو توبته) إلى القرية كبديل فضائي مفترض، صورة للقلب أيضًا وهمية حسب الكاتب. وسيقدم مصطفى سعيد في هذه المرحلة التي ستبدأ من قريته إلى المدرسة فالقاهرة فلندن كصورة وهمية للقلب أو للعاطفة كصورة زائفة للشرق كما يراها الطيب صالح في حالة مصطفى سعيد، وعلى أساس أنه علاقة اجتماعية لاعادية –كما سبق لنا القول- لأن العادي سيبقى غائبًا حتى العودة إلى نقطة المنطلق، إلى القرية، كمكان لا بد من الرجوع إليه لإقامة التوازن بين الصورتين في وضع القرية الملائم أو اللاوهمي، كما تدّعي الرواية. إذن لا يوجد إلغاء لإحدى الصورتين على حساب الأخرى عندما تكونان وهميتين أو غير وهميتين، ولن نقول عندما تكونان وهميتين أو حقيقيتين، لأن في كلتيهما، وفي وضعيهما المختلفين، نحن لا نخرج من إطار الوهم حسبما نزعم، وحسبما سنرى في تحليلنا القادم، وسنقف في حالة مصطفى سعيد، خلال رحلته بعيدًا عن القرية، على تأكيد الوهم (العقل) بالوهم (القلب)، لأن الحقيقة هنا، منذ البداية، ملغية. هذا، وقد رأينا، عند عودته إلى القرية واستقراره فيها، أنه يتراوح بين الصورتين، فيحصل إخفاء مؤقت لإحداهما على حساب الأخرى دون أن نتقدم كثيرًا في المعرفة العلمية للحقيقة، لا الحقيقة كما يعرفها الكاتب.

إذن، طالما نحن في حالة من الوهم، فلا بد من قلب للعلاقة، وإضفاء ما يمكن إضفاؤه من السمات والتفاصيل مما هو لا طبيعي ولا عادي أو فوق طبيعي وفوق عادي لصاحب تلك الحالة، فيلجأ الراوي، مصطفى سعيد في الفصل الثاني، إلى التهويل، وهذا دور الحديث بصيغة ضمير المتكلم في النص: “نشأت يتيمًا… مات أبي قبل أن أولد ببضعة أشهر… لم يكن لي أخوة… لم تكن الحياة عسيرة عليّ وعلى أمي… لم يكن لنا أهل… لعلني كنت مخلوقًا غريبًا… ليس ثمة أحد يأمرني أو ينهاني… إنني مختلف… لست كبقية الأطفال في سني، لا أتأثر بشيء، لا أبكي إذا ضُربت، لا أفرح إذا أثنى عليّ المدرس في الفصل، لا أتألم لما يتألم الباقون، كنت مثل شيء مكور من المطاط، تلقيه في الماء، فلا يبتل، ترميه على الأرض، فيقفز… إلخ” (ص 23-24).

حتى الآن لدينا وصف عادي لنشأة البطل وشخصيته ونفسيته اللاعادية عندما كان صغيرًا، وكل هذا يدل على تفرده، إنه التضاد أو الضد أو اللاحقيقة، ولكن الوصف ينمو ويحتدم عندما يصير كبيرًا، وذلك لتطوير ما هو لا عادي فيه عندما يجري التركيز على طاقات مصطفى سعيد القاطعة وقدرة عقله العجيبة: “المهم أنني تصرفت بكل طاقاتي لتلك الحياة الجديدة، وسرعان ما اكتشفت في عقلي مقدرة عجيبة على الحفظ والاستيعاب والفهم. أقرأ الكتاب، فيرسخ جملة في ذهني. ما ألبث أن أركز عقلي على مشكلة الحساب حتى تتفتح لي مغالقها، تذوب بين يدي كأنها قطعة ملح وضعتها في الماء. تعلمت الكتابة في أسبوعين، وانطلقت بعد ذلك لا ألوي على شيء. عقلي كأنه مدية حادة، تقطع في برودة وفعالية” (ص 26).

إن الاستعارة الأخيرة التي تتكرر في أكثر من موقع في الحقل السردي: “عقلي كأنه مدية حادة، تقطع في برودة وفعالية” لهي جد معبرة دلاليًا عن سمة هذه الشخصية وجو هذه الشخصية التي لا يقف أمامها عائق: تقطع العلم في برودة وفعالية وإعجاز كالإنسان الآلي الذي يقضم ويهضم ويستوعب عن طريق الأزرار كل ما هو معقد، كل شيء: “كان المعلمون ينظرون إليّ كأنني معجزة، وبدأ التلاميذ يطلبون ودي. لكني كنت مشغولاً بهذه الآلة العجيبة التي أتيحت لي، وكنت باردًا كحقل جليد لا يوجد في العالم شيء يهزني” (ص 26). بالنسبة للقارئ، كما يقول رولان بارت، عليه أن يتعلم كيف يعرف سمة من السمات، جوًا من الأجواء، فالمعلومات تُحْضِرُ معرفة جاهزة، ووظيفة هذه المعلومات، كالوسائط، لهي بالتالي ضعيفة، ولكنها ليست غير ذات قيمة: مهما كان “صممها” بالنسبة لباقي القصة تساعد المعلومة على توثيق الحقيقة المرجعية وزرع الرواية في أرض الواقع.

هذا لا يعني عدم التدقيق في صورة العقل كما جاءت في النص، صورة ذات بعد واحد، فهي مقدمة كصورة “باردة”، وبشكل مناقض لصورة القلب “الدافئة”، أو هي مزدوجة وصورة للقلب “باردة”: “كنت باردًا كحقل جليد، لا يوجد في العالم شيء يهزني”! وفوق هذا كله، هي مقدمة من داخل الإطار الغربي، كصورة للعقل الغربي في “بلاد تموت من البرد حيتانها” رغم أن مصطفى سعيد، في تلك المرحلة المبكرة، لم يغادر السودان بعد إلى القاهرة. لكنها تمتلك كمعلومة، بفضل ما يقوله رولان بارت، وظيفة أكيدة ليس على مستوى القصة، ولكن على مستوى الخطاب.

لقد طرحت الرواية “العلم” الذي هو مادة العقل على أساس أنه للغرب منذ البداية: “أول عهدنا بالمدارس أذكر الآن الناس كتنوا غير راغبين فيها. كانت الحكومة تبعث أعوانها يجوبون البلاد والأحياء، فيخفي الناس أبناءهم. كانوا يظنونها شرًا عظيمًا جاءهم مع جيوش الاحتلال” (ص 24). على أساس أن العلم مرادف للاحتلال، هناك انفصام بين عقل المستعمرين وقلب المستعمرين، ولكن العقل يبقى للغرب على الدوام، وإذا ما نهج مصطفى سعيد نهج الغرب، أي نهج العقل، كان غريبًا عن قلبه، لهذا، جاءت صورتاه عن القلب والعقل زائفتين. وعلى هذا النحو، أخذت الاستعارات المشخصة للعقل، في حالة مصطفى سعيد، سمات وطبيعة أهل الغرب، أي أن مصطفى سعيد العربي الأفريقي الأسود ذو عقل أبيض قاطع كحد السكين، كما يقول النص: “طويت المرحلة الأولى في عامين، وفي المدرسة الوسطى اكتشفت ألغازًا أخرى، منها اللغة الإنجليزية، فمضى عقلي يعض ويقطع كأسنان محراث. الكلمات والجمل تتراءى لي كأنها معادلات رياشية، والجبر والهندسة كأنها أبيات شعر. العالم الواسع أراه في دروس الجغرافيا كأنه رقعة شطرنج” (ص 26). لكن مصطفى سعيد كوظيفة خطابية هو شيء آخر، إنه إشارات وسمات ومعلومات تتداخل وتتخارج في وحدات وعلاقات لا تحسم أبدًا إلا من خارج النص، وذلك عن طريقين، الأولى: طريق المروى عنه، والثانية: طريق المروى إليه. الطريق الثانية تخضع للطريق الأولى، والطريق الأولى تخضع لشرط التطور الخاص بالوظيفة الخطابية، بمصطفى سعيد.

مرتبة من التطور حاسمة كانت بحله اللغة الإنجليزية، هنا تنفتح للبطل آفاق جديدة من الإعجاز: “وبعد ثلاثة أعوام، قال لي ناظر المدرسة، وكان إنجليزيًا: هذه البلد لا تتسع لذهنك، فسافر، اذهب إلى مصر أو لبنان أو إنجلترا” (ص 26)، فيذهب إلى مصر عن طريق منحة دراسية، ولدى مستر ومسز روبنسن الإتجليزيين.

لنلاحظ أن مصر كانت مكانًا وسيطًا بين السودان وإنجلترا في رحلة “العقل” لمصطفى سعيد، ولكن الإنجليز، كأصحاب لهذا العقل، هم دومًا الذين كانوا من ورائه. لقد كانوا له دون وسيط، وقد رفعوه حتى القمة، بينما ظلت صورة “القلب” الباردة ملازمة إياه، “فلم يكن يحس تجاههم بأي إحساس بالجميل، كان يقبل مساعداتهم كأنها واجب يقومون به نحوه” (ص 27). التكرار “للنموذج” الذي يصنعه الطيب صالح ممل بعد أن صار القارئ يعرف مسبقًا أوصاف هذا النموذج: ناكر للجميل، متكبر، متفضل، متبغدد، متقدقد، متخرئ، متبول… لكن الإشارة إلى الحداثة كابنة للغرب أهم بكثير، واستيعاب هذه الحداثة من طرف ابن الشرق على أكمل وجه. هذه الوحدة السردية المهملة من طرف الطيب صالح أهم بكثير من وحدات سردية أخرى يركز عليها، كالصراع بين الشرق والغرب متمثلاً بشخصية مصطفى سعيد، صراع مجاني، خارج-سردي، ليس صراعًا، لأنه في نهاية المطاف صراع استيهامي، صراع وهمي.

إن توازي الصورتين الوهميتين الاستيهاميتين متواصل، وهو تواز بنيوي في الشخصية وفي الرواية، إذ تقوم العلاقات ببعد واحد، ويتطور العقل ببعد واحد، وكذلك القلب العاجز عن الدق لشدة الجليد. إن صورة القلب هنا عبارة عن قناع كثيف: “حين أرجع بذاكرتي الآن، أراها (أمه) بوضوح، شفتاها الرقيقتان مطبقتان في حزم، وعلى وجهها شيء مثل القناع لا أدري، قناع كثيف، كأن وجهها صفحة بحر، هل تفهم؟ ليس له لون واحد بل ألوان متعددة، تظهر وتغيب وتتمازج” (ص 23). أي دون هوية، في حالة زائفة، ودون استقرار، في أزمة خانقة (صفحة بحر! ما هذا؟) من أزمات اقتصاد السرد.

وإذا ما مضت بالقلب لحظة صوفية، ففي الحلم كسيمنتيم (دلالة اللفظ): “تسكعت في شوارع القاهرة، وزرت الأوبرا، ودخلت المسرح، وقطعت النيل سابحًا ذات مرة. لم يحدث شيء إطلاقًا سوى أن القرية زادت انتفاخًا، وتوتر وتر القوس. سينطلق السهم نحو آفاق أخرى مجهولة. وأنظر إلى دخان القطار يتلاشى حيث تهب به الريح في غلالة الضباب المنتشرة في الوديان. وأخذتني سنة النوم، وحلمت أنني أصلي وحدي في جامع القلعة. كان المسجد مضاء بآلاف الشمعدانات، والرخام الأحمر يتوهج، وأنا وحدي أصلي” (ص 32).

وإذا ما مضت بالقلب لحظة إنسانية، ففي الذكرى كسيمنتيم (دلالة اللفظ): “كان ذلك وداعنا (مصطفى سعيد وأمه) لا دموع ولا قبل ولا ضوضاء. مخلوقان سارا شطرًا من الطريق معًا، ثم سلك كل منهما سبيله. وكان ذلك، في الواقع، آخر ما قالته لي، فإنني لم أرها بعد ذلك. بعد سنوات طويلة، وتجارب عدة، تذكرت تلك اللحظة، وبكيت. أما الآن، فإنني لم أشعر بشيء على الإطلاق” (ص 27).

هي صورة مجترة لميرسو كامو في رواية الغريب، وسنرى أن شخصية مصطفى سعيد من بنات أفكار الهذر الوجودي الذي اكتسح الأسواق في سنوات الستين، أي أنها شخصية على موضة عصر التهم العالم العربي فيه إلى حد التقيؤ الكثير مما هب ودب من الترجمات، شخصية خطابية، شخصية جُمَلِيّة، مهارة كلامية.

* يتبع

* من كتاب موسم الهجرة إلى الشمال أو وهم العلاقة “شرق-غرب” الدار البيضاء 1984

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق