ثقافة المقال

عند النقد الأدبي الفكري والثقافي الموروث

لُزوم ا نتِهاج رُؤية جمالية إنسانيَّةِ المُنْطَلَق وجَريئَةِ التَقويم

ابراهيم مالك*

تَمَنَّيْتُ في أكثر من مرّة لو أننا نلتزم ، حقيقةً ، في عالمنا العربي الإسلامي وفي بلادنا التي هي جزء من هذا العالم بانتهاج
فهم جمالي جديد عند الحكم على الموروث الثقافي الأدبي العربي ، خاصة الشعر منه والأمثال .
وكم تمنيتُ وجوب الخروج على ما تعلّمنا في المدرسة أو الجامعة من فهم بلاغي أو أدوات نقدية للمدارس الأدبيّة المختلفة،
التي أساءت كثيرا للإبداع الأدبي ، كما أظن .
وقد ازدادت هذه القناعة في الآونة الأخيرة ، وأنا أحاول فهم أسباب العنف ، الذي يعيشه أكثر العالم العربي .
وازددتُ قناعة أنني حين أتأمل الموروث الأدبي الثقافي العربي الإسلامي ، علَيَّ أن أميِّز بين النهضة الثقافية الفكرية
الإسلامية ، إنسانية الملامح والطُّموحات كصرخة ” إقرأ “، وبين ما باتَتْ وفَرَضَت الأوساط التجارية العربية وغير العربية
المُهَيمنة في مكة ، خصوصًا بعد سيطرة العائلتين ـ الأموية والعباسية ـ على المجتمعات العربية الإسلامية وبعد غزواتِ
مختلفة جاءت أوَّلًا مِنَ الشمال الشرقي ، صحراويِّ البيئات القبلية ومن الشمال الغربي الاستعماري .
فهذا الموروث وليد هذه الهيمنة ، الذي لم نضعه تحتَ مِجْهَرٍ نقدِيٍّ انطلاقًا من فهمٍ إنساني وعقلانيٍّ للإبداع الأدبي والعقلي ،
وأسهم كثيرا في الحفاظ ( على ) وتكريس عقليَّةٍ قبلِيَّة صحراوية فينا ، موروثة تجيز ما لا يجوز .
وقد عدتُ إلى دروس البلاغة الأدبية، التي كان يفترض بها أن تنمي فينا حِسّا جماليا ، يعيننا على كشف ما هو جميل في أدبنا ،
القديم والحديث منه ، تذوّق ما نقرأهُ والشعورِ بالمتعة الذِّهنية ، التي يفترضُ أن يُثيرَها النَّصُّ المذكور فينا . فكان أكثر ما حَرِصَتْ
عليه هذه الدروس هو ما أسميه أدوات نقدية ، كالاستعارة ، التورية ، الطباق والجناس ،التنافر الاستهلال والمطالع
( خاصة إن كان النص شعرا ) وغير ذلك .
لا أنكر ما لهذه الأدوات النقدية من أهميّة وضرورة ، لكن لا يجوز الوقوف عندها ، عند امتلاك أو انتهاج رؤيةٍ جماليةٍ ناقِدَةٍ ،
مُقارِنَةٍ إن أمكن ومدقّقة. فهذه وغيرها تمثّل في نظري صورة عاكسة لتقنية الكتابة ولا تتناول فنية النص ذاته ولا تتناول جمالياته
القِيَمِيَّة ( من قيمة ) ، ويفترض بهذه الجماليات ألاّ تتعارض والقيم الإنسانية . وهو ، أي النص ، هو الأهم في نظري عند التقييم
الأدبي . فيجب الاهتمام في كيف نكتب، لكن الأهم هو ما نكتب . وكم يُحسِنُ واحدنا ، حين يتقن الجمع بينهما .
سأحاول أن أوضح ما أرى من خلال أكثر مِنْ قصيدة من إرثنا الأدبي للشاعر المعروف ، أبي الطيِّب المتنبي ، أتطرّق إليها تلميحا
لتوضيح ما أعني ، ولمَثَلٍ مُتداوَلٍ في حياتنا اليومية .
لكن قبل ذلك أودُّ أن أشير في هذه المقالة القصيرة الى قصيدة الشاعر أبي تمّام ، كاتب قصيدة “فتح عمورية” .
درستُها ضمن المنهج الأدبي استعدادا لامتحان اجتياز الثانوية وعدت مرارا الى قراءتها وقد تقدم العمر والإدراك بي ، كما أظن .
لا أخفي ، حين نَضَجْتُ قليلا في الحقل المعرفي وخصوصا الأدبي ، أنني لم أستطع رؤية أيّة جمالية في القصيدة .
يحقّ لكل شاعر أن يستوحي نصوصه ، صوره الشعرية ، استعاراته وكلَّ ما يمليه خياله الشعري وتفاعلاته الحسّية ، من حيثُ
وكيفما يرى .
ميزة الأدب والشعر أحد أجناسه أنه عمل إبداعٍ أرضيٍّ ، أي إنساني ، يحسن أن يتعرض أي نصٍّ منه للمُساءلة والمراجعة والفهم
والتوثيق الأدبي لما حدث بأسلوب ومضمون يعكسان وجهة نظره الإنسانية المهذبة المُثَقفة والمنحازة للحياة .
وما أرى ضرورة التنويه بخصوص هذه القصيدة هو أن الخيال الشعري ، مهما حلّق الإنسان به ، الإنسان المبدع ، لا يمكن أن يستمِدَّ
وحيه ( النصّ وتجلّياته وما يعكسه من أحاسيس وفِكْر ) ، يَسْتَمِدُّهُ من مدينة تحترق ويُحْرَقُ فيها ناسها ، أيّا كان ساكنوها . وكثيرا ما
سألت نفسي ، حسّي وعقلي :
هل ثمة من رؤية جمالية مفترضة في حريق آخِذٍ بأجساد الناس ، بيوتهم وشوارعهم ، وامتداح العمل – الحرق – والفاعل الذي يختفي
وراءه ، أيا كان .
فحين أقرأ بعض التشابيه المضمّنة في تلك القصيدة والمقارنة بين “الرَّبْعِ الخَرِب والخدّ التَّرِب”، لا ارى في تلك التشابيه ما يثير فيّ حسًّا
جماليا ، فلا أرى في مدينة تحترق ، بغضّ النظر أين ، متى وأيّا كان اسمها ؟ لا أرى فيها أمرًا موحٍ ومُغْنٍ للحسِّ ومؤشرا على الجمال
الأدبي .
لا أجافي الحقيقة ، حين أقول إنَّ قصيدة ” فتح عمورية ” أملتها ” عقلية صَحْراوِيَّة عنيفة ” ما زالت متأصِّلة فينا. وازددت قناعة بخُطورةِ
هذه العقلية ، حين تأمَّلْتُ كثيرًا البيتَ الشعرِيِّ الأوَّل لهذه القصيدة :
” السيفُ أصدَقُ إنْباءً مِنَ الكُتُبِ في حَدِّهِ الحَدُّ بينَ الجَدِّ والْلَعِبِ “
فهل يُعْقَلُ أنْ يَتَصَوَّرَ شاعرٌ حَقيقِيٌّ ، فيقول ويهتِف أنَّ السَّيْفَ أصدَقَ إنباءً من الكتب .

***

استوقفتني قصائد كثيرة مماثلة للمتنبّي ،أوحتها ” العقليّة الصَّحْراويّة ” ذاتها ، لكنني سأكتفي بالإشارة إلى أبيات شعرية في ثلاثةٍ منها.
تكْشِف القصيدة الأولى عن العقليَّةِ الصحراوِيَّة المُشار إلَيْها :
” الخيلُ واللَيْلُ والبيداءُ تَعْرفُني والسيف والرُّمْحُ والقِرطاسُ والقلمُ “
سَألْتُ نفسي كثيرا كيف يمكن الجمعَ بين هذين النقيضين ، فالسيف والرُّمح هما وليدا عقلِيَّةٍ تبحث عَمّا يوفر لها شرط ووضع هيمنةٍ
وحالةٍ اجتماعيةٍ شرسةِ الجَشَعِ وكثيرة العنف والطمع ،كما هو حال عالمنا اليوم ، أمّا القرطاس والقلمُ فهما وليدا نَهْضَةٍ ثقافِيَّةٍ إنسانِيةِ
الملامح والتواصل العاقل بين ذات وأخرى .
يومَها ازدَدْتُ قناعةً أنَّ الإسلامَ الحقيقي كان ولا يزال نهضة فكرية إنسانية يوم ظهوره وكان نقيض
هذه العقلية العنيفة ، فبتُّ أصغي كثيرا ودائما لِصَرخة الرسول العربي في إنسان تلك البيئة :
ـ اقرأ ….. وعلَّمَ الإنسان بالقلم
فالله علَّمَ الإنسان بالقلم ، لا بالسيف
وازددتُ اندِهاشًا حينَ سمعْتُ صرْخَة أخرى وإنْ تَكُنْ صرخة هامِسَةً أحيانا :
ـ جادِلْهم بالتي هِيَ أحسن ….
وسَرْعان ما تذكَّرتُ يومها قول الرسول الكريم والحكيم :
نحن لا نأكُلُ حَتّى نجوع وإن أكلنا لا نشبع ،
فالرسول يوصي بالقناعة ، لا بالجشع البَطْني ، والاكْتِفاء حَتّى بالقليل المُمْكِنِ والجاهِز .
أدهشني كثيرًا هذا القول ، حكمة الحياة ، وكم تَمنَّيت أن يصير نهج وحكمة أكثر ناسِنا وناسِ إنسانِيّتنا .

***
تتشكّلُ قصيدة ثانية من بيتين ، كتبهما المتنبي في صباه ، ويعكسان عقليّة لا نزال نعاني منها ، يقولان :
” لا تَحْسُنُ الوفرة حتّى تُرى منشورَةَ الضفرين يوم القتال
على فتى معتقل صعدة يعلّها من كل وافي السّبال “
الوفرة، كما جاء في التوضيح ، هي الشَّعْرُ المُجتمِعُ على الرأس والسّبال هي الشوارب ، شوارب الإنسان .
ما عناه المتنبّي وما كان يراه منذ صباه ، أنّ شَعرَ الرأس الجميل لا يظهر الاّ حين يذهب الفتى للقتال ويغسله ( يعلّه ، أي يسقيه )
بماء الشوارب– دمائها ، دِمائِه ودماء الآخر .
أمّا القصيدة الثالثة فقالها في مدح الأمير ” أبو العشائر “، أملا في الارتزاق ضمن أسباب أخرى ، وكان أبو العشائر انطلق من دمشق
الشام لمحاربة خصومه وانتصر عليهم .
توقّفت كثيرا عند بيتين فيها :
” كأنَّ على الجماجم منه نارا وأيدي القوم أجنحة الفراش
كأنَّ جوارِيَ المُهجات ماءٌ يعاودها المهنّد من عطاش “
فأية جماليّة يمكن أن نستوحيها من هذا الوصف والخيال ، الذي يتمثل القوة لا في أجنحة الفراش ، بل في النار الآخذة بالجماجم ويرى في
دم الإنسان ماءا يعاوده السيف- ا لمهنّد من عطشٍ فيه ، عطش للدم .
صورة موجِعَة ومخيفة حقا .
وقد اندهشت كثيرًا ، حين قرأتُ قصيدة أخرى للمتنبي ، خَصَّ بها الأمير حاكم مصر في زمنه ، ” نَصَحَهُ ” في أحدِ بيوتِ قصيدته الشعرية :
” لا تشترِ العَبْدَ إلّا والعصا مَعَهُ إنَّ العَبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ “
فاستغربتُ ، كيف يسمح شاعِرٌ مِثْلَه بِكِتابَةِ مثل هذه النصيحة لحاكمٍ عنيف ، ظالِمٍ ويطلب منه أن يُهَيئ عصًا هي أشبه بسيفٍ موجعٍ وقاتل
لمن صار عبدًا ذات زَمَنٍ ومكان مثل عبيدٍ كثيرين في عالَمِنا القديم والحالي ؟
***
بعدها سألتُ نفسي طويلًا وكم وددتُ لو أسأل أكثر منْ أردتُ أن يكونوا أصحاب عقل ( قديمًا وجديدًا يسألون أنفسهم ) ، أن يسألوا أنفسهم :
أيَّة عقليَّةٍ هِيَ هذه ؟ ،
وهل يُعْقَلُ أن يكونَ السيفُ مثل ” سيف أبي تَمام ـ أصدق إنباءً من الكتب ـ وسيف المتنبي ورمحه اللذين يعتبرهما صديقين مثل القرطاس
والقلم ؟
عِنْدها تَذكَّرتُ ببعض فرحٍ وأملٍ ما قاله أحدُ كتبة الأسفار التوراتية العبريين النادرين واسمه أشعيا ، وهو نقيضِ ما كتبَ الكهنةُ الآخرون ،
كَتبَةُ الأسفار التوراتية اليهودية ، خاصة سفر الخروج ، كثير الأساطير والعقلِيات الصحراوية ، وما كتب فيه عن حِكَمِ موسى ويهوشع
بن نون العنيفة جدا ، مِثْل وصاياه العشر ( الشريعة ) ـ العين بالعين والسِّنُّ بالسِّن ـ ، لكنَّ أشعِيا قالَ في سفره التوراتي ، قالَ حالِمًا بأن
يستبدل الإنسان السيف والرماح بمناجِلَ حَصاد وعيدانِ حِراثةٍ زراعِيَّة .
وتَذَكَّرتُ ما قاله الشاعر الرائع عنترة بن العبس :
” حينَ أغشى الوغى ، أعِفُّ عند المغنم ”
أي حين يدخل الحرب مُضطَرًّا ، يكون مُنـَتصِرًا كريمًا لا عنيفًا ،
وقالَ مؤكٍدًا لمعشوقته :
وودَدْتُ تقبيل السُّيوفِ لِأنَّها لَمَعَتْ كبارِقَ ثغرِكِ المُتَبَسِّمِ
وما أروع ما كتب شاعرنا القديم طَرَفة بنِ العبد ذات يوم عن عنف ذوي القربى وظُلمِهِم ، كتب في معلقته :
” وَظُلْمُ ذوي القُربى أشَدُّ مضاضَةً للنفس من وَقعِ الحسام المُهَنَّدِ “
وكم وَدَدْتٌ أن يصيرَ حُلُمُنا الحياتي ما عناه رائع الشعراء الصعاليك ، أنصار الفقراء والمُحْتاجين ، عُرْوَة بنُ الورد ، حين هتف شاعرًا :
” أوَزِّعُ جِسمي في جُسومٍ كثيرَةٍ وأحتَسي قراحَ الماءِ والماءُ بارِدُ “
وفرحتُ كثيرا حين قرأتُ بَيْتَيْ شِعْرٍ للشاعر الإمام الشافعي :
” إنّي رأيْتُ وقوف الماء يُفسِدُهُ لَوْ سَحَّ طابَ ، إن لم يجرِ لم يَطِبِ ”
” نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا وما لِزَماننا عيبٌ سِوانا ”
وعِشْتُ فَرَحًا شَبيهًا حين قراتُ روائع أبي العلاء المعرّي ، مثل
” خفِّفِ الوطءَ فَما أظُنُّ أديمَ الأرضِ مِنْ هذه الأجساد “
وازددتُ فرحا مُماثِلًا حين قَرأتُ قصيدة الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي الراحل شابا في القرن الماضي ، طاب ذكرُهُ ، وكم تمنَّيتُ
لَو أنَّ أكثرَ ناسنا وناس عالمنا يدركون ما عناهُ الشاعر حين صاحَ :
” إذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياة
فلا بُدَّ أن يستجيب القدر
ولا بُدَّ لليلِ أن ينجلي
ولا بُدَّ للقيدِ أنْ يَنْكَسِر ”

***

أمّا المَثلُ الذي أخافه ويحزنني انتِشارُهُ ، فسأشير بإيجاز إلى واحد متداول في حياتنا وفي كل مجتمعاتنا ، يقول :
” أنا وأخوي عَ ابن عمّي ، وكلانا وابن عمّي عَ الغريب “
خطورة هذا المثل تكمن في أنه يحصر دائرتي الإنسانية في حيّز، غاية في الضّيق، وحين يتسع هذا الحيّز ،
فلا يشمل إلاّ ابن عمّي ، الذي تربطني به ، مصادفة مفروضة ، قرابة دم محدَّدة ،لا القرابة الإنسانية الأعم والأوسع، وأمّا ما عداه فهو
الغريب . فالآخر هو الغريب ، الذي ننظر إليه بحذر وريبة وخوف وكثيرا ما ننزع عنه الصفة الإنسانية ، فنحسبه شيطانا ، كما يقول
مثل شعبي آخر متداول أيضا:
” ما من غريب غير الشيطان ” .

***
لا أدعو الى التنكّر لهذا الموروث الأدبي الثقافي ، أو إحداث قطيعة معه ، بل إلى عرضه لِمِجهر النقد الإنساني الحقيقي ، فما أتوخاه هو
غربلة هذا الموروث وأنْسَنَة النقد والتركيز على النص ، لا الشخص ، تناوله بجرأة أدبيّة والكشف ، بلا هوادة ، عمّا هو جميل فيه وما
هو ليس بالجميل حقًا ،أي إحداث قطيعة فعلية ، ثقافية وتربوية ، مع “عقليّة ” تسكن هذا النص وبالتالي تسكن أكثرنا وتنعكس في سلوكياتنا.

*ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق