قراءات ودراسات

موسم الهجرة إلى الشمال: المفهوم عن الشرق القسم الثالث

د. أفنان القاسم

في البنية الفنية لمصطفى سعيد صورتان زائفتان للعقل والقلب حسبما يراهما الكاتب، صورة العقل الممثلة لمفهومنا (التعميم للطيب صالح) الزائف عن الغرب، وصورة القلب الممثلة لمفهومنا (التعميم للطيب صالح) الزائف عن الذات أو لمفهوم الغرب الزائف عنا (التعميم للطيب صالح) من خلال شخصية مصطفى سعيد. إذن التعميم كمنطق هو ما يحدد هذه البنية بكل ما تحتوي عليه من صور وإشارات وعلامات ومعلومات. لكن التعميم المفهومي لا يلغي التحديد الكلامي تحت تعددية حدثية تظل في خدمة التعميم المفهومي، وبالتالي تعددية خطابية ترافق التعددية الحدثية من الكلمة فالجملة فالفقرة فالصفحة فالفصل فكل الرواية، الرواية كبنية شمولية بكل ما فيها من مفاصل ودعامات يكون الفعل، كمكان الفعل، كزمان الفعل، من وراء ملئها، وعن طريق عملية تفريغ للبنية الشمولية نقف على التفاصيل والتوصيفات.

المفهوم “الزائف” للغرب عن الشرق

يتطلب الوقوف على تفاصيل هذا المفهوم وتوصيفاته المضي بعملية تفريغ للبنية الشمولية كما سبق لنا القول، وهذه العملية تمضي بدورها بتفريغ للبنية الخاصة بمصطفى سعيد، ولا بد للتفريغ هذا من أن يلجأ إلى التعددية الخطابية للأحداث المتعلقة بهذه الشخصية، كحدث التعلم. المثل الأول: يقول لمصطفى سعيد من أخذه إلى المدرسة: “حين تكبر، وتتخرج من المدرسة، وتعين موظفًا في الحكومة، تلبس قبعة كهذه” (ص 24-25). لنفهم من تفاصيل المفهوم “الزائف” للغرب عن الشرق ما يلي: ليست المدرسة، كمرادف للعقل الغربي، فقط هي التي ستؤدي إلى السلطة في عهد الانتداب، بل وسيأخذ المتخرج منها شكل أصحابها الإنجليز بارتدائه قبعة على شاكلتهم. المثل الثاني: يقول لمصطفى سعيد ناظر المدرسة الإنجليزي: “هذه البلد لا تتسع لذهنك، فسافر” (ص 26). الانجليز دومًا هم الذين يقيّمون قوة عقله حسب معاييرهم لا معايير البلد التي تتدانى إلى مستوى أقل بكثير من المستوى الذهني لمصطفى سعيد. نسوق مثلاً ثالثًا يتعلق بحدث القطار عندما كان مصطفى سعيد في القطار إلى القاهرة، وقال له أحد الرهبان كممثل للمسيحية، وبالتالي للغرب: “إنك تتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة مذهلة” (ص 28). وهذا مديح يحوي الدهشة والإعجاب لا يمكن التعبير عنه مجانًا. إنها الصورة التي يراها الإنجليز، وهي في نفس الوقت معلومة تعبر عن حالة خاصة، عن حالة شاذة، حالة مصطفى سعيد الذي لا تتسع البلد لذهنه وإعجازه، لهذا كانت صورة زائفة في رأس الغرب عن الفرد، وذلك على المستوى الشخصي لمصطفى سعيد.

أما عندما يصبح مصطفى سعيد صورة عامة للشرق، وهي دومًا من دافع مفهوم الغرب “عنا”، فهي أيضًا زائفة، ولكن ما يجدر ملاحظته أن الغرب، في المستويين الخاص والعام، يبقى “مسحورًا” بالشرق، وما تريد أن تخلص الرواية إليه أن سحره هذا هو غير حقيقي، وبالتالي، أن مفهومه عن الشرق هو غير حقيقي. ولنعط مثلاً على ذلك عن طريق حدث الحب في علاقة مصطفى سعيد بآن همند: “كانت صيدًا سهلاً لقيتها وهي دون العشرين، تدرس اللغات الشرقية في أكسفورد، كانت حيية، وجهها ذكي مرح وعيناها تبرقان بحب الاستطلاع، رأتني فرأت شفقًا داكنًا كفجر كاذب. كانت عكسي تحن إلى مناخات آسيوية، وشموس قاسية، وآفاق أرجوانية، كنت في عينيها رمزًا لكل هذا الحنين” (ص 34).

الشرق أو مصطفى سعيد هنا صورة “لفجر كاذب”، معلومة أخرى لتأكيد الزائف في مفهوم الغرب عن الشرق، ولكن على الرغم من ذلك –وربما بسبب ذلك- آن همند تسعى من وراء الصورة الكاذبة إلى الانتحار، وهذه إشارة هامة لزيف العلاقة هذا صحيح إلا أنها أحد تفاصيل البنية الخاصة بالشخصية الرئيسية.

لنعط مثلاً ثانيًا على ذلك من حدث الحب عبر علاقة مصطفى سعيد بشيلا غرينود: “خادمة في مطعم في سوهو بسيطة حلوة المبسم، حلوة الحديث. أهلها قرويون من ضواحي هل. أغريتها بالهدايا والكلام المعسول، والنظرة التي ترى الشيء، فلا تخطئه. جذبها عالمي الجديد عليها. دوختها رائحة الصندل المحروقة والند، ووقفت وقتًا تضحك لخيالها في المرآة، وتعبث بعقد العاج الذي وضعته كأنشوطة حول جيدها الجميل” (ص 38).

لنلاحظ أن مصطفى سعيد في حالة آن همند قد استعمل الصورة المشدود الغرب فيها إلى الشرق لغاية في صدره، ألا وهي اصطياد فتاة دون أن يهتم بالنتائج، الانتحار هنا. كما أنه، في حالة شيلا غرينود، قد لجأ إلى نفس الطريقة، وتحت نفس الصورة لعالمه “الجديد عليها”، دون أن يبالي بالنتائج عندما يقول: “دخلت غرفة نومي بتولاً بكرًا، وخرجت منها تحمل جرثوم المرض في دمها. ماتت دون أن تنبس ببنت شفة” (ص 38).

ولنلاحظ أيضًا “نقاوة” الفتاتين الغربيتين أمام “زير النساء الشرقي” الذي هو “جنوب يحن إلى الشمال والصقيع” (ص 34)، ولكن في حنينه جنون الشرق ربما، جنون الشخص، وجنون الفكر، إنه يقدم على علاقاته دون وازع من ضمير، وهذا امتداد لصورة القلب “الباردة”.

نعطي مثلاً ثالثًا على ذلك من حدث الحب عبر علاقة مصطفى سعيد بإيزابيلا سيمور، علاقة قامت، كالعادة، حسبما “يصور مصطفى سعيد الأشياء بشكل غريب” (ص 42): “أجل، بيتنا على ضفة النيل تمامًا بحيث أنني كنت إذا استيقظت على فراشي ليلاً، أخرج يدي من النافذة، وأداعب ماء النيل حتى يغلبني النوم” (ص 43)، وستصل العلاقة بإيزابيلا سيمور “النقية” إلى الانتحار مثل سابقتيها.

إذن، في التركيب التعبيري للبنية الخاصة بالشخصية الرئيسية غرابة الصورة التي تشد الغرب، عبر الحالات الثلاث الأولى، إلى الشرق، وهي صورة مرافَقَة “بعطف مسيحي” (ص 41)، تجاه “مخلوق بدائي عادي” (ص 42). أما في الحالة الرابعة، حالة جين مورس، فهي صورة مضادة لما سبق رؤيته في حدث الحب، ليس هناك عطف مسيحي بل صلف وحقد وبرود، بعد أن تنقلب “النقاوة” إلى “دنس” و “عهر”. ومن ناحية مصطفى سعيد، عجز وتعب واستسلام. جين مورس تنظر إليه مثل “ثور همجي لا يكل من الطراد” (ص 37)، “آلة صماء” (ص 32). وهو ينظر إليها مثل “سراب لمع في صحراء” (ص 33)، أي في حالة ما أن يبلغ عقل الغرب ويتحضر سيغدو آلة صماء، وستظل البدائية في حالته باقية سواء أكان الحب هو المكرس نحوه أو الكره، وهو سيرتبط بامرأة على أساس أنه “الحقيقة” وهي “السراب” (تنقلب الأدوار) ولكن، في هذه المرة، من موقع العاجز والمقهور. تنقلب الأدوار بشيء من البلبلة في العالم السردي بين الدوال والمدلولات وفي العالم الواقعي بين الأسباب والمُسَبَّبات، لهذا تموت جين مورس قتلاً بخنجر مصطفى سعيد دون أن تنتحر كالأخريات. في هذا الفصل، هو لا يسعى وراء وضع حد للعلاقة الزائفة القائمة، وإنما ليثبت “رجولته”، وهذه سمة للشرقي مستهلكة، وليحاول أن يرد عليه، بالتالي، دون أن ينجح، الشعور بالكرامة. هو يقتلها “اعتذارًا” لأكذوبة حياته (ص 33)، كما يقول، لكنه لا يحدد معنى حياته، حتى بعد عودته إلى القرية. وكل ما سبق يجري بنيويًا عن طريق إفراغ البنية، ولولا هذا الإفراغ لما كان الفهم، فهم المفهوم “الزائف” للغرب عن الشرق، فالإشارات والعلامات والمعلومات والصور هي في الواقع أدوات وظيفية للقراءة، للفهم، لا يتم الكشف عنها إلا بطرق وظيفية في النقد، في التحليل.

المفهوم “الحقيقي” للغرب عن الشرق

تبعًا لما سبق، تحاول الرواية أن تطرح بدائل ما هو وهمي من إشارات وعلامات ومعلومات وصور في العلاقة الشمولية بين الشرق والغرب، وعلى مستوى مفهوم الغرب عن الشرق، وذلك من خلال العلاقة الخصوصية القائمة بين مصطفى سعيد من جهة ومسز ومستر روبنسن من جهة ثانية، الإنجليزيين اللذين استقبلاه في القاهرة، وعنيا بأمره في المدرسة وفي الشارع وفي البيت إلى أن غادر القاهرة إلى لندن.

على المستوى الخاص للحدث القاهري، هناك شعور صادق من طرف الإنجليزيين (أو الغرب) تجاه مصطفى سعيد، حتى أن مصطفى سعيد يقول عن مسز روبنسن إنها: “تضحك بمرح، وتحنو عليّ كما تحنو أم على ابنها” (ص 30). إن سمة “المرح” واحدة عند مسز روبنسن وآن همند، وكذلك “الحنان”، ورد فعل مصطفى سعيد تجاه الاثنتين هو أيضًا واحد، إذ كانت “الشهوة” ما يشعر به تجاه آن همند أو تجاه “أمه” مسز روبنسن. في حالة مسز روبنسن العاطفة فطرية وعفوية وأكثر صدقًا وأخلاقية، على الأقل لم تتحول مسز روبنسن إلى عاهرة في فراش مصطفى سعيد كآن همند، وعندما حكموا على مصطفى سعيد في الأولد بيلي بالسجن سبع سنوات “لم يجد صدرًا غير صدرها يسند رأسه عليه” (ص 29).

إنها صورة ذات تفاصيل هامة عن امرأة ذات قلب كبير، ولكنها في دلالاتها الشمولية صورة نجعية لقلب الغرب تجاه الشرق ستتحول، على المستوى العام للحدث القاهري، إلى وصال والتحام بين القلبين عندما تصبح مسز روبنسن القاهرة أو القاهرة هي: “… وأحسست أن القاهرة، ذلك الجبل الكبير الذي حملني إليه بعيري، امرأة أوروبية، مثل مسز روبنسن تمامًا، تطوقني ذراعاها، يملأ عطرها ورائحة جسدها أنفي، كان لون عينيها كلون القاهرة في ذهني، رماديًا، أخضر، يتحول بالليل إلى وميض كوميض اليراعة” (ص 29).

يقول “كوميض اليراعة”، كمرادف للعلم، وبالتالي للعقل، بينما كل الوقت، تحاول مسز روبنسن إبعاده عما هو “جاد”، إبعاده عن عقله: “أنت يا مستر سعيد إنسان خال تمامًا من المرح” (ص 29). وتقول أيضًأ: “ألا تستطيع أن تنسى عقلك أبدًأ؟” (ص 29).

وكأن ذلك شرط لحقيقة الشرق، “للانسجام” (ص 30): مسز روبنسن والقاهرة، ولكي “يحسن مستر روبنسن اللغة العربية ويعنى بالفكر الإسلامي والعمارة الإسلامية” (ص 29)، كل هذه اهتمامات لها طابع الشعر والزهد والتصوف، أي طابع “القلب”، حسب المعنى المستعمل في الرواية، ولكنها علاقة أحادية، إذ مقابل التآلف والالتفاف الغربي –ما ترمز إليه شخصيتا مستر ومسز روبنسن- مع و حول الشرق، إلا أن هذا الشرق، في شخصية مصطفى سعيد، “لم يحفل بالحب الذي أسبغاه عليه” (ص 39)، فلا بد، بالتالي، من انكسار للعلاقة، ولو ظاهريًا، إذ لا يلبث مصطفى سعيد أن يغادر القاهرة دون أن يحزن أو يلوي على شيء: “كان كل همه أن يصل إلى لندن، جبلاً آخر أكبر من القاهرة، لا يدري كم ليلة يمكث عنده” (ص 30). كل طموحه أن يصعد جبلاً أكبر من الآخر مطاردًا دومًا بعدم الشعور بالمعروف، والطواف في الوهم، وعدم الاستقرار، حتى في عالم الشعر والموسيقى الغربي (ص 39)، المقدم هنا كصورة إيجابية للغرب، نجده لا يشعر بشيء: “ثلاثون عامًا وأنا جزء من كل هذا، أعيش فيه، ولا أحس بجماله الحقيقي…” (ص 40). يقول لا أحس ولا يقول لا أريد، لأن لا إرادة له في الحقيقة، إنه من صنع غيره كما سنرى لاحقًا.

أنا لست عطيلاً أنا أكذوبة

الحدث اللندني حدث مهول فيه الحب والكره والعلم والمعرفة والانتحار والقتل، تفاصيله كثيرة، وهو في حد ذاته بنية داخل البنية داخل البنية، ونقصد بالبنية الثانية بنية مصطفى سعيد وبالبنية الثالثة بنية الرواية. لا يوجد تبادل بينها وإنما التنافر هو الذي يوحدها، وأكثر ما يدلل على ذلك حدث المحاكمة. خلال محاكمة مصطفى سعيد يتطور مفهوم الغرب عن الشرق في تنافر موحد للبنى الثلاث، لأن لدينا هنا المفهوم الرسمي، متمثلاً برأيين، الرأي الأول للمدعي العمومي السير آرثر هغنز، والذي هو “عقل مريع” (ص 35)، وهو من تعلم مصطفى سعيد القانون على يديه في جامعة أكسفورد، والرأي الثاني للبروفسور ماكسويل فستركين، هو أيضًا أستاذ لمصطفى سعيد، الأول كان ضده، والثاني كان معه. الأول أعطاه صورة “مريعة لرجل ذئب” (ص 36)، والثاني جعل منه “عقلاً عبقريًا دفعته الظروف إلى القتل” (ص 36). إنهما رأيان رسميان مختلفان متنافران ومعبران في آن واحد عن صورتين للشرق كلتيهما أكذوبة.

“هذا المصطفى سعيد لا وجود له، إنه وهم، أكذوبة. وأنا أطلب منكم أن تحكموا بقتل الأكذوبة” (ص 36). هذا ما كان مصطفى سعيد يريد أن يصرخ به عاليًا في قاعة المحكمة دون أن يفعل. ولهذا دلالات عدة منها: تواصل الأكذوبة يتوقف على صانعها الذي هو العقل الغربي (أساتذة مصطفى سعيد في أكسفورد). لهذا، لم يقتل الأكذوبة فيه، عندما قتل جين مورس، بل جاء فعله “اعتذارًا”. الأكذوبة ستتواصل طالما هي من صنع العقل الغربي الذي جعلها على صورته “عبقرية”، وإذا ما اختلفت الآراء في أمرها، فلأنها خرجت عن اللاعادي الرسمي إلى القتل كفعل لاعادي غير رسمي وبربري بعيد عما هو “حضاري”. وللخروج من المأزق، “حوّل بروفسور فستركين المحاكمة إلى صراع بين عالمين كان (مصطفى سعيد) إحدى ضحاياه” (ص 37). إنهما عالم العقل وعالم القلب، وليسا عالم التحضر وعالم التخلف، كما يوحي النص إليه للوهلة الأولى، أي نقل المحاكمة إلى مستوى غير حقيقي، مستوى كاذب لإنقاذ الكذبة. وكذلك في أن يصبح مصطفى سعيد الضحية تعميق أكثر للأكذوبة، لهذا، يصرخ مصطفى سعيد دومًا في سره: “أنا لست عطيلاً أنا أكذوبة لماذا لا تحكمون بشنقي فتقتلون الأكذوبة؟” (ص 37). وهو يصرخ في سره لأنه يعرف أن لا فائدة من الصراخ جهرًا وعلانية إذ سيجد له العقل الغربي مخرجًا، وهو يصرخ في سره أيضًا لأنه لا يريد أن يكون عطيلاً، فلا يستطيع. حقًا هو قاتل ديدمونة (جين مورس) لكنه ليس قاتل نفسه، ولا يمكنه أن يكون قاتل نفسه، إنه وهم نفسه المتواصل بإرادة أخرى، بإرادة تصبح قدرية بالنسبة له، فيوقع (هو أو الطيب صالح) المأساة في نمطها الكلاسيكي الميلودرامي، ولا نقول في نمطها الكلاسيكي الشكسبيري، التي هي نقض لواقع وتعميق لعلاقة هي في أساسها معقدة، حتى أن “العقل”، في حالة مصطفى سعيد، يأخذ منحى “القلب”، أي أن هناك انقلابًا للأدوار كسيمنتيم (دلالة اللفظ) لا غير.

وهناك انقلاب للتراجيديا كسيمنتيم (دلالة اللفظ): “غرفة نومي صارت ساحة حرب، فراشي كان قطعة من الجحيم، أمسكها، فكأنني أمسك سحابًا، كأنني أضاجع شهابًا، كأنني أمتطي نشيدَ عسكريّ بروسيّ. وتفتأ تلك الابتسامة المريرة على فمها، أقضي الليل ساهرًا، أخوض المعركة بالقوس والسيف والرمح والنشاب، وفي الصباح أرى الابتسامة ما فتئت على حالها، فأعلم أنني خسرت الحرب مرة أخرى” (ص 37).

وانقلاب للأسطورة كسيمنتيم (دلالة اللفظ): “كأنني شهريار رقيق، تشتريه في السوق بدينار صادف شهرزاد متسولة في أنقاض مدينة قتلها الطاعون” (ص 37).

وانقلاب للواقع كسيمنتيم (دلالة اللفظ): “كنت أعيش مع نظريات كينز وتوني بالنهار، وبالليل أواصل الحرب بالقوس والسيف والرمح والنشاب” (ص 37).

لنلاحظ أننا نقول انقلابًا للتراجيديا وانقلابًا للأسطورة وانقلابًا للواقع لأن الحدث الجاري يجري على الهامش، وعلى مستوى التشبيه، أي في حقل اللغة التي لا تعكس الواقع لتبنيه بقدر ما “تفتته” (4). ولا تلبث شخصية مصطفى سعيد أن تصبح واحدة من شخصيات “الساينس فيكشن”: “رأينا الجنود يعودون، يملؤهم الذعر، من حرب الخنادق والقمل والوباء. رأيتهم يزرعون بذور الحرب القادمة في معاهدة فرساي، ورأيت لويد جورج يضع أسس دولة الرفاهية العامة. وانقلبت المدينة إلى امرأة عجيبة، لا رموز ونداءات غامضة، ضربت إليها أكباد الإبل، وكاد يقتلني في طلابها الشوق، غرفة نومي ينبوع حزن، جرثوم مرض فتاك العدوى أصابتها منذ ألف عام، لكنني هيجت كوامن الداء حتى استفحل وقتل” (ص 38).

هذه شخصية فوقانية حقًا تحت ثوب قشيب من الكلمات بارع “التركيب”، شخصية مريضة ومُمرضة في آن واحد، عاجزة ومُعجزة في آن واحد، غريبة ومُغربة في آن واحد، شخصية هي حقًا غير حقيقية (5)، من وهم، فليكن، ولكن، هل تصل بنا إلى الحقيقة، إلى حقيقة العلاقات في المدينة حسب المصطلح الفلسفي القديم؟ إلى حقيقة العلاقات بين المدنية والهمجية: “مدينة ضربت إليها أكباد الإبل”؟ نحن لا نقف على شيء من هذا، وإنما على أن “الحكمة القريبة المنال التي تخرج من أفواه البسطاء هي كل أملنا في الخلاص. الشجرة تنمو ببساطة، وجدك عاش وسيموت ببساطة، ذلك هو السر” (ص 45). أين هو ذلك السر في حقيقة الصراع، والذي يُلقى في طيات مصطلح أخلاقي فضفاض وعام كمصطلح “البساطة”؟ ونحن بإمكاننا أن ندحض “بساطة الجد” هذه عندما نعلم أنه سافر في شبابه إلى مصر، وجمع المال، وعاد ليشتري أرضًا، ويبني بيتًا، ويزرع شجرًا بكده وتعبه، لا ب “البساطة”، بل بكد وكدح الجد سر “البساطة” (6). ولا يكتفي الراوي بنقل “البساطة” إلى قيم منتزعة من جذرها الصراعي بل ويجعل المستقبل متوقفًا على عالم طوباوي في زمن لن يأتي: “ولكن إلى أن يرث المستضعفون الأرض، وتسرح الجيوش، ويرعى الحمل آمنًا بجوار الذئب، ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح عند النهر، إلى أن يأتي زمان السعادة والحب هذا، سأظل أعبّر عن نفسي بهذه الطريقة الملتوية” (ص 45).

حقًا إن مصطفى سعيد عبارة عن “طريقة ملتوية” لعلاقة لا يوجد فيها ما يربطه بعطيل، إنه أكذوبة ليست صحيحة، أكذوبة لملء البنية.


* يتبع الراوي كيف يرى العالم؟

* من كتاب موسم الهجرة إلى الشمال أو وهم العلاقة “شرق-غرب” الدار البيضاء 1984

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق