قراءات ودراسات

قـــراءة في: رواية رنــزى يا ظل الإله لنجـــــلاء محـــــرم

عبد الهادي شلا

يوم استلمت بالبريد رواية (رنزى يا ظل الإله) الصادرة عن مركز نهر النيل للنشر المرسلة من الأخت الصديقة والكاتبة المرموقة السيدة نجلاء محرم، سعدت بها قبل أن أفتح المغلف لوفاء السيدة نجلاء في وعدها بأن ترسل لي نسخة من الرواية. وقد كانت موفقة في اختيار غلاف الرواية وهو لوحة “مقتل حتحور”  للفنان “باول فوندارليتش” ،والذي صممه الفنان”أحمد الجنايني”. ومن المناسب أن نسجل هنا أن الجهد الذي بُذل في هذا العمل الروائي لم يكن هينا مما استوجب منها البحث والقرأة عن الفترة التي تجلت فيها أحداثه ومعرفة الكثير والضروري الذي منح القارئ قناعة بما وصله من صور ومعارف. وكما جاء في الصفحة”303″ من الرواية ،فإن بدايتها كانت في الساعة الثانية عشر والثلث من صباح يوم الثلاثاء” الثاني من أكتوبر 2006 “. بينما الختام كان مساء يوم السبت “الثامن والعشرين من شهر يناير 2012 في تمام الساعة الواحدة والنصف مساء”.

وهذا يجعلنا نؤكد على جدية الكاتبة فيما تقدمه للقارئ العربي فهي تجتهد كي تمنحه المزيد من المعرفة وتضع التفاصيل الغائبة نصب عينيه وبين يديه بأسلوب مقنع وحرفية عالية في نحت الكلمات ودقتها. وفي الحوار بين أبطالها بحيث أبقت على شخصية البطل”رنزى” حاضرة في كل المشاهد حتى في غيابه عن المشاركة في المشهد نفسه فلا تطيل غيبته ولا تتركه بلا فعل. كانت قيمته في الرواية تفوق قيمة ” الفرعون” الذي هو الأعلى دائما، بل إن “الفرعون” قد بسط يديه للبطل وفتح قلبه لما حمله من جديد ورؤية عقلانية كان “الفرعون” يعلم سرها ويعلم دجل الكهنة من حوله ولكنه ورث الكتمان عن أجداده ” الفراعين الأوائل” لأنه من أسرار السيطرة والتحكم في الرعية التي غـُيـِّبَ وجدانها عن الواقع وانحسر بقدرة الكهنة والفرعون نفسه فيما لا طاقة للرعية به فاستنزفت بتقديم القرابين للخروج من مصائبها المتلاحقة فوقعت  تحت طائلة الجوع والفقر.

الفرعون هنا غير الفراعين الذين نعرفهم وسبقوه فالكاتبة ” نجلاء” وضعته في صف العامة فترة من الرواية حين ترجل عن عرشه ومشى على الأرض وتكلم للخدم والحاشية وللعامة من شعبه فسمعنا يدها تدق باب ” الديمقراطية” التي نريدها وقدمنا لها الأرواح في أيام حاضرنا. ولأن الرواية قد خطت حروفها الأولى منذ سنوات وقبل أن يلوح في الأفق بريق” الربيع العربي وثوراته” فهذا يشجعنا ومن كل ما تقدم أن نرى في الرواية استبصار واستقراء للمستقبل، وهذا قيمة عالية تضاف إلى الجهد الذي خلق الرواية. فالأعمال الأدبية والفنية التي تتنبأ بما هو قادم هي أعمال تستحق الوقوف عندها والتبصر فيما تلمح له وتجلعني أنحني تقديرا لمبدعها وخاصة إن كان هذا الإستشراف يحمل وعدا بالجديد الذي ينفع البشرية ويرتقي بالأمم. الطبعة أنيقة على ورق ناصح البياض يمنح القارئ فرصة السياحة بين الحروف بشكل مريح.

وفي الصفحات الأولى من النص تأخذنا الكاتبة في جولة تعارف على بعض الأسماء الفرعونية ومعناها وأصلها تمهيدا وتبسيطا لما سوف نمر به منها و سنعرف أنه سيربطنا بالزمن الذي جرت فيه فصول الرواية وهو عصر الفرعون، فكان”رنزى” الشاب الفرعوني الذي تفتح عقله على مُنكـَر يـُرتكـَب بحق الحياة ” الملك الفرعون في الأرض والألهة في عليائها” وهو العبد والحر في الوقت نفسه حين حدثته “بــا” وهي روحه النورانية أن يبقى بعيدا عن سر المعبد وما يجري فيه إلا أن السؤال كان يـَكــُبر في داخله ويجذبه نحو الخطر و البحث عن جواب .

كيف تـُذبح “حتحور” وهي التي تعبر عن روح الألهة؟ ( و “هي” واقفة بنفس وداعتها.. وكألا شيء من عصيهم يحطم عظامها.. وحتى حين خرّت على أرض فناء المعبد..حتى حين تصبب دمها يحفر نهيرات صغيرة..حتى حين ماتت..لم تمنحهم إلا وداعة لم تؤثر في غلظتهم أبدا..تشبثوا بقرنيها.. جروا جسدها المقدس وجاهدوا كي يدخلوها إلى مكان خفي ..) ص 7 .

وهو ككل أهل مملكة الفرعون موقن بأن الألهة هم الوحيدون الذين يملكون الجواب وما يميز”رنزى” عنهم هو أنه على قناعة بأن الألهة لا تحتاج إلى ” وسطاء ” و هو على يقين أنها تحمي الجسد في الحياة كما أنها تتلقى في القبر جسده الميت وروحه القرينة “كـــا” وهي تسكن معه في قبره لتمنحه حياة الخلود بما يـُقــَدَّم له من قرابين بواسطة الكهنة.

النص سلسل لا يجعل القارئ يهمله بسهولة ولو لفترة بل تجذبه الصور والحوارات المرتبطة الأجزاء والمفاصل كلها تتجمع في مركز النص وفكرته التي كنت أرى فيها (رنزى وأمه وجاره آسرى والفرعون وكبير الكهنة و..،و.. …) في صورة علقت في ذهني منذ أكثر من أربعين عاما حين زرت مدينة الأقصر ورأيت جمال معابدها وجبال البرالشرقي والغربي وهي تتلون بسحر الطبيعة مع غروب الشمس ومع شروقها فكان أبطال الرواية يشاغلون بصري  ومعايشتي في هذه الأماكن الجميلة وأحداث الرواية تنقلي إلى أماكن أعرف تضاريسها وروعة مبانيها وشغلتني لفترة طويلة معرفة أسرارها.

الكاتبة “نجلاء”… كانت تحاورنا بعين الحاضر وصور الماضي .فتجلى التاريخ العريق بمادته التي مازالت على جدران المعابد وفي تماثيله العظيمة وأثره على مر العصور في كل من مر من بابه أو قلب صفحاته فخرجت لنا بهذا النص ” المُرَمـَّـز” بكثير من المعاني النبيلة وهي تتنقل بين مواقع كثيرة في السرد وبصور نرى مثلها في حياتنا اليوم بل وأكثر منها فتكا إلا أن إيقاع النص في الرواية كان هادئا جعل القارئ يتعاطف مع كل أبطاله حتى الكهنة والخونة فقد منحهم الفرعون فرصة الدفاع عن أنفسهم وتبرير جرائمهم في عهده لما حمله النص من ضرورة منح الآخر حرية التعبيرعن مواقفه وذلك فيما تمثل في إصرار الفرعون على سماع وجهات نظر الجميع والسؤال عن أحوال الرعية والمشاركة في النماء على الضفة الأخرى وهذا مالم يكن في طبيعة الفرعون”الإله”  كما وصلنا في الكثير من كتب التاريخ.

نعلم أن الرواية فيها الكثير من المداخل تفتح الباب أمام قراءات متعددة ومتنوعة كحالها المتشابه مع الإبداعات المميزة كما يصعب الخروج من تفاصيلها تكون صعوبة استنباط مكنوناتها ومعرفة قيمة كنوزها كلها.

وفي الختام ..

فلعل الكاتبة “نجلاء” أرادت بعض الإسقاطات من الحاضر على روح الماضي واستخلصت منه صورا لم تكن مألوفة عند الكثيرين وبعثت فيها روح التجدد ليتلقي الحاضر والماضي على خير و وفاق أو كما أسلفنا هو استشراف موفق ،كما جاءت خاتمة الرواية بزواج “رنزى و نفرت” وكان ثمرته الصغيرة “هيثي” التي تمثل البقاء والإستمرار.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق