قراءات ودراسات

في ديوانه النثري الجديد بعنوان “لن تراني”

الشاعر الأردني الشاب فادي أيوب يمارس لعبة التحدي بقوة

القصائد النثرية غنية المحتوى وترقى إلى مرتبة الحكم والوعظ

يخترق الشاعر الشاب واقع شبابنا بقوة بدور الناصح الأمين

كتب :أسعد العزوني

صنوف الإبداع تتعدد وتتخذ صورا كثيرة ،منها إتقان الكاتب لتطويع الفكرة ونسج أحرفه وتطريز كلماته ،ليظهر أمام القاريء بأنه بطل صنديد أو كاتب همام ،على رأي صاحبنا المتنبي الذي قتله شعره في نهاية المطاف،وهو أعظم شعراء العرب في عصره وفي العصور اللاحقة، بعد أن طلع على بني الصحراء بقصيدة مطلعها:الخيل والليل والبيداء تعرفنيxوالسيف والرمح والقرطاس والقلم”.

أتحدث عن شاعر شاب مبدع هو فادي أيوب الذي صدر له حديثا كتابا جديدا بعنوان “لن تراني”،وهو مجموعة من القصائد النثرية غنية المحتوى وترقى إلى مرتبة الحكم والوعظ،ويخترق فيها واقع شبابنا الطري الغض عاطيا وأسير وسائل التواصل الإجتماعي وسمومها ،بدور الناصح الأمين.

يمارس شاعرنا الشاب في إصداره الجديد ،بعد إصدار يحمل عنوان “أوراق صفراء”،لعبة التحدي بقوة ويستهله بعيارة “إن كنت من ذوي القلوب الضعيفة،فإقفل كتابي هذا ودع كلماتي هذه وإرحل”،وهذا بشير قدرة هذا الشاب على الإبداع بعيدا عن الإسفاف والخيال غير النافع،وإلا لما تجرأ على مخاطبة قارئه بهذه اللغة المستفزة،والتي تحمل من التحدي ما تستطيع حمله جبال الشره جنوب الأردن ،حيث حكم الملك العروبي الحر ملك مملكة مؤاب “ميشع “الذي لقن العبرانيين درسا ما يزال أحفادهم الصهاينة يتألمون منه ،وأورثنا أكلة “المنسف اللذيذة والشهية .

بعد هذه العبارة يمطرنا الشاعر الشاب بإهداءات حكم وتشكل في مجملها رسائل إنسانية عميقة وشفافة ،يحتاجها شبابنا الصاعد التائه في درب الأحلام الوهمية،فيقول:إلى القلوب الوفية…والأوراح النقية…إلى كل من لام طيبته على ما فعلت به..ولم يتخلى عنها،إلى من لم ينم بسبب كلمة أو موقف..ومع ذلك لم يحقد،إلى الذين أوذوا وصبروا ثم لم يفكروا في الإنتقام،إلى كل أولئك الذين لا يتغيرون مهما إكتسبوا ومهما فقدوا ،إلى كل من قاتل بإبتسامة شقاء الدنيا حتى أصبحت البسمة من معالم وجهه….والقائمة تطول.

أما في مقدمته فيدخلنا الشاب فادي أيوب في سيمفونية تصلح ان تكون مغناة لرقيها وعذوبتها وبعيد مغزاها إذ يسطر:الرحلة طويلة ..والمهمة تبدو مستحيلة .. أرواحنا في العشق ما زالت ترتقي..وأجسادنا بينها برزخ لا تلتقي… وما لنا في اليد حيلة.

وفي المتن يستهل شاعرنا الشاب ديونه النثري بقطعة عنوانها “عيون مجهولة”ويسأل حبيبته المجهولة عن ذكريات اللقاء الأول حيث كانت ترقب زخات المطر المنهمرة ،التي رافقها هدير الرعد الذي كان يشبه صوت إنفجار هائل،وكانت رسالته وفكرته وافية،وإتسمت لغة التخاطب عنده بالشفافية والوضوح.

وفي العنوان الثاني “العشق الأخطر”فيطرق الشاعر الشاب فادي أيوب،باب العشق المجهول المدمر وهو ان حبا ينتظرك خلف تلك البحار التي تسكن تلك العيون ،وهذه عبارة تحتوي الكثير من من المواصفات الأدبية الممتازة،كالإيجاز والإنجاز وتوصيف المعاناة وخاصة عندما تكون من المجهول أو إزاء المجهول،وإظهار المعاناة التي جبلت عليها النفس البشرية،وخاصة في ما يتعلق بالعشق والحب الذي يعد الطينة التي جبلت منها النفس البشرية المعذبة بسبب عدم القناعة والرضا بالمقسوم.

بعد ذلك يدخلنا الشاب فادي أيوب في مضمار الحزن والتشاؤم في حكمة تقول “من أصعب الخيارات في الحياة أن تحتار بين طريقتين لقتل قلبك”،ويسوقنا في عالم الإحساس ويتحدث عن ربط الحبية بذكريات الحب الأول ويصفه بأنه إحساسنا الأول عندما يدمج ذكرى المكان بذكرى الزمان مع ذكرى الشعور الأول الذي قد لا يتكرر مهما أعيدت المحاولات.

وفي عنوان آخر “إخضع لماضيك وتماشى مع حاضرك”ينقلنا شاعرنا الشاب إلى منصة الحكيم الواعظ الصادق في شعوره تجاهنا والذي يرتقي إلى مرتبة المخلص من الأوهام والآلام،ويردفها بعنوان آخر “قصر الوهام”،ويتحدث فيها عن ولادة الحب السفاح الذي يحمل الخطيئة دون ذنب،ويقصد بذلك الحب الوهمي وتتضمن القصيدة حكما متعددة…وهكذا دواليك فإن هذا الديون النثري يستحق ان يطلق عليه وصايا السعادة الكاملة.

بإختصار وبعد إستعراض معمق للعناوين ونصوصها المبهرة في المعنىة والمغزىـ ،نخرج بنتيجة مفادها أن شاعرنا الشاب فادي أيوب،إختط لنفسه طريقا إبداعيا إنسانيا جديدا،وحجز له مكانا مميزا في مجالس الحكماء،ولم يتبع الآية القرآنية التي تتعلق بالشعراء وتقول”الشعراء يتبعهم الغاوون ..ألم تر إنهم في كل وادي يهيمون”صدق الله العظيم،وطهر نفسه من إبراز بطولات عاطفية مزوره كما يفعل الشعراء خاصة وانه في ريعان شبابه.

أراد الشاب فادي عندما قرر السير في درب الحكمة والموعظة أن يوجه رسائل غير مشفرة لشباب هذا الجيل المتهتك عاطفيا بسبب وسائل التواصل الإجتماعي ،والمطلوب منا جميعا كأصحاب خبرات حياتية طويلة ،وأمام مثل ظاهرة هذا الشاب النبيل،أن نحتضنه بالدعم المعنوي على الأقل ،حتى يشعر أن رسالته قد وصلت وتم إستيعابها،فالغث يخترق السمين هذه الأيام ويطغى عليه ويقتله،ويكاد السمين يختفي مهزوما أمام الغث ،لإنعدام روح التشجيع للشباب الصاعد المبدع لخوف الكبار من ظهور نجوم جدد تسحب من تحت أقدامهم البساط،وعندها نخلق عندهم ردة فعل عكسية وينحرفون بإبداعهم بإتجاه “الهشّك بشّك” من القول.

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق