قراءات ودراسات

خسوف بدر الدين

حسن عبادي

حلّق الأسير باسم محمد صالح أديب خندقجي (شاعر وروائي فلسطيني يقضي حكمًا مدّته ثلاثة مؤبّدات داخل سجون الاحتلال الاسرائيلي وله العديد من الاصدارات الشعريّة والروائيّة ومنها ديوان “طقوس المرّة الأولى”، ديوان “أنفاس قصيدة ليليّة”، رواية “مسك الكفاية ، سيرة سيّدة الظلال الحُرّة”، “نرجس العزلة” و”خسوف بدر الدين”)، حلّق فوق القضبان ليزور حيفا مساء الأربعاء 27 تشرين ثاني للمشاركة بأمسية مناقشة روايته ” خسوف بدر الدين” في منتدى الكتاب الحيفاويّ في مبنى جمعيّة الثقافة العربيّة(تأسّس المنتدى في بداية كانون الثاني عام 2009، وكان اللقاء الأوّل مساء الأربعاء 28 يناير، من خلاله؛ نناقش كتابًا في يوم الأربعاء الأخير من كلّ شهر، يركّزه الطبيب الحيفاويّ أمل جبارين) ليحقّق حلمه ويفي بوعده لنلتقي في حيفانا الباقية حديقة الرب السريّة المُعدّة مسبقًا للعشق، امرأة الهويّة والدهشة التي يشتهيها، المدينة الصامدة الحزينة التي تنتظر عشّاقها المشرّدين في الأرض رغم الذلّ والعنصريّة والاحتلال وهي التي تسكنه، امرأة من وطن ووطن بلا امرأة.

بدايةً كانت كلمة خالد خندقجي(أبو يسار، عمّ الكاتب الأسير)عبر الهاتف فرحبّ بالمشاركين، وأثنى على المبادرة ووقعِها على أبن أخيه، بعث تحيّات باسم والأهل للمشاركين، أشار إلى الرواية وصيرورة كتابتها ونشرها في دار الآداب اللبنانيّة ومرحلة “العذاب” الذي عبرتها لتصل القارئ، وتحدّث عن أدب السجون وأهميّة نشره.

الشاعر أنور سابا: من داخل زنزانته يخرج باسم رغم أنف السجّان إلى عالم افتراضي وسيع لا حدود له، إلى تبريز، سمرقند، تقشند، شيراز، بلخ، نيسابور، أصفهان، بخارى والقاهرة ليبحث عن عدل وقيم اجتماعيّة تتنافى وتتعارض مع عصبيّة الدولة ويبث مثَل ساميّة لشاعر يدعو للعدل والمساواة وانصاف المهمّشين المظلومين وقبول الآخر أيّ كان دينه. كيف لهذا الرجل الذي اعتمد على مصدرين قصيرين لا يتجاوز الواحد صفحتان أوّلهم “تاريخ العرب من بداية الحروب الصليبيّة” والثاني “تاريخ الدولة العثمانيّة”، أن يجمع بخياله ليأتي برواية محبوكة أحداثها وأشخاصها ويقنع القارئ بأنّ ما كتبه ما هو إلّا سرد واقعي لأحداث تلك الحقبة بلغة جميلة غير معقّدة. أبارك لباسم لعمله، لخياله، لفكره، وأنتظر منه الكثير.

جوزيف خوري: من أرقى الكتب التي قرأتها. تعابير حلوة، أوصاف رائعة وعمق تفكير. رواية تاريخيّة بامتياز، قدرة في التعبير وعمق في النص، لا يكرّر نفسه أبدًا. يشعر القارئ بالأحداث كأنّها حقيقيّة. نجح بإبراز التاريخ الصوفي وكان له أثر كبير بترسيخ العلاقة بين الأدب والفكر. جعل من شخصيّة بدر الدين شخصيّة مركّبة.

المهندسة نهى مطر: أهنأ باسم على لغته الجميلة جدًا والأوصاف الرائعة. هناك تناقضات بشخصيّة بدر الدين. القارئ ينسجم مع الشخصيّة حتى الجزء الأخير حين يتحوّل إلى الحرب. في نهاية الرواية هبوط من نور بدر الدين إلى خسوفه.

الدكتور أمل جبارين: الرواية تُجسّد فكر وتوجّهات باسم نفسه. حين بدأت بقراءة الرواية وجدتها سهلة وسلسة. بدأت بالتواصل معها من مقطع تواجد بدر الدين في تبريز. عشق بدر الدين الصوفيّ برأيي كان فاشلًا، مسيرته من البداية كانت نحو الفشل. خلال قراءتي للرواية تابعت الأحداث بالخريطة ولم أجد حقائق جغرافيّة تلائم أحداث الرواية. انبسطت وتمتّعت جدًا بالرواية.

المربيّة مهى خوري: أعجبت بالرواية وعنوانها مأخوذ من دورة القمر، من كونه بدر وحتى الخسوف.

المحاميّة ألحان نحّاس داهود: طرح الصوفيّة كان سطحي بعض الشيء وهناك سطحيّة بوصف الأماكن الجغرافيّة. كان في الكتاب الكثير من الحوار مع الذات، وفي النهاية كان هناك حوار أكبر وأعمق بصورة مشوّقة ولم يشعرنا بالملل. هناك سلاسة وقوّة لغة ومعبّرة جدًا. هناك تناغم بالجمل وأدب جميل جدًا.

المهندسة محاسن خمايسي: السجن جعله يكتب عن الحريّة، الظُلمة جعلته يكتب عن النور، القسوة جعلته يكتب عن الإنسانيّة. كما قال توفيق زياد: “وكأنّنا عشرون مستحيل”، أقول لباسم: “مثلما كتبت عن النور في الظلمات ندعوا الله أن تكتب عن الظلمات في النور. دراسة تاريخيّة موسّعة عن فترة زمنيّة وجيزة، أعطتنا رؤية من زوايا مختلفة. تعلّمنا في الابتدائية عن قصّة تيمورلنك والنملة، حيث بدى لنا تيمور كمحارب حكيم ولكن في الرواية ظهر بزيّ آخر. تعلّمت عن مفاهيم وطقوس عديدة للصوفيّة، وعن الدوران كشيء أساسي في هذا العالم. حتّى أنّ الرواية تمرّ بحالة دوران، حيث بدأ بدر من سيماونة وطاف برحلة دائريّة انتهت به بنقطة البداية، والعنوان يدلّ على ذلك، الخسوف هو جزء من الحركة الدائريّة للقمر. تردّد كلمة قطب ومريد، وكأنّ الشخصيات تتأرجح بين أقطاب بإرادتها. بدر – محارب/متحرّر(ماسونيّ؟)/ متصوّف. مكنونة – عفّة الروح والنقاء/عالم شهواني. أم الولد سلطانة، عبدة لشهواتها. تدور الرواية حول مقاومة ورضوخ، حرب واستسلام!!! أعجبتني.

المحامي فكتور مطر: نقدّر كتابته ولغته الجميلة وسعة اطّلاعه. نشدّ على أياديه وننتظر المزيد.
…لكن، حيث أنّ الرواية تدور حول شخصية اعتبرت نفسها صوفيةً (أو هكذا بدا لنا من خلال النصوص المقتبسة) حبّذا لو أطلعنا الكاتب عن سبب إغفاله ذكر أعلام الصوفية الكبار؛ مثل (الشيخ الأكبر) محيي الدين ابن عربي، أو (“مولانا”) جلال الدين الرومي، او الحلاج (سوى في اقتباس واحد يخص الحلاج)، وهو صاحب القول: “ما في الجبّة غير الله”، وصاحب الصيحة: “أنا الحق”، التي أدّت إلى جلده وصلبه واستشهاده بعد أن قُطّعت أطرافه حيّاً ثم قطع رأسه. وهو شهيد الصوفية صاحب الروح المترفعة عن الأمور الدنيوية والمتعالي عن الخلافات لا بل الأختلافات العرقية! خاصة وأنه كان من منتقدي الأوضاع السياسية التي سادت في عصره (عصر الخليفة العباسي المقتدر بالله). أتساءل، هل كان السبب لشحّ في المصادر؟!
الفرق الشاسع، إذا صحّ التعبير، بين بدر الدين والصوفية بشكل عام، أنّ الأخيرة أبت السلطة ولم تكن مهتمة بها، بينما سعى إليها بدر الدين بأكثر من شكل وفي أكثر من مرحلة في حياته (أقلّه بحسب الرواية).
ذكّرتني الرواية بكتاب “الثابت والمتحوّل” لأدونيس، الذي اعتبر أنّ الصوفية في الإسلام (ومن عنديّاتي أضيف أيضاًّ السرّانية – (mysticizym) أي التصوّف في المسيحيّة) كانت على مرّ التاريخ حركات ثورية تعبّر عن “المتحوّل” والمتجدّد في المجتمعات، وهي بعكس “الثابت” الذي يتمثّل في السلطة، مع أبواقها من علماء ومثقّفين وشعراء الخ… والتاريخ الحقيقي للشعوب هو تاريخ التحوّل وليس تاريخ الثبات. لكن هذا التاريخ هُمّش (فأين تاريخ الحياة اليومية عند العرب؟) فالذي كان يكتب التاريخ دائماً كانت السلطة (دينيّة كانت أم أيديولوجيّة) وكانت تعتبر أنها الجواب النهائي للمعرفة، في حين أنّ الفكر يبحث دائماً عن الجواب وهو دائماً مطروح على شكل سؤال! مع شكرنا وتمنياتنا بالتوفيق وإلى المزيد من العطاء الفكري.
الممرّضة رائفة جبارين: لغة الكتاب سلسة وغنيّة جدًا. ظاهر أنّ الكاتب متمكّن من اللغة العربيّة. هناك تعابير جميلة جدًا وأحيانًا لغة عربيّة “قديمة” أعترف أنّني أقرأها للمرّة الأولى “تطلّ على الغيب الذي يتجلّى أسفلك”، “حدّق يا بدر في الدم وأعمدة الدخان وذكاوة النيران”. السرد الأدبي الرائع لأحداث تاريخيّة (ذكّرني بيوسف زيدان). أبدع باسم ومزج الأحداث التاريخيّة وعجنها بحبكة روائيّة رائعة لدرجة أنّني لم أستطع التمييز ما بين الحقيقة والخيال، فأين الحقائق التاريخيّة وأين إضافات الكاتب ونسيج خياله؟ (استعنت بالإنترنت لأكتشف أنّ الشخصيات الرئيسيّة: بدر الدين، مصطفى والمعلم بمصر كلّها حقيقيّة والأحداث التاريخيّة فعلًا حدثت) وجاء الكاتب وبحكمة أدبيّة وبلغة عربيّة متقنة ليحييها من جديد بهذه الرواية الرائعة. لفت انتباهي التضادّ في الرواية: الدنيوية/الروحانيّة، مكنونة/بدر، “ستقضي عليك شهواتك/وأنت سيقضي عليك نورك”، فترة النور/فترة الظلام، بدر الدين ما بين الأنارخيزم(الفوضويّة)/استعطاف الحكّام، شيخ اليمين(المعلم وصاحب القلم)/شيخ اليسار (المحارب وصاحب السيف) وتتجلّى ذروتها في صراع بدر الدين مع ذاته في نهاية الرواية. بهرني الوصف الرائع والدقيق لحلقة الذكر التي أقامها بدر على شرف تيمورلنك. نجح الكاتب بإيصال الصورة بتفاصيلها وببراعة أدبيّة وصفيّة حتى جعلتك تحيى المشهد كأنّه أمامك. رغم أنّ الرواية بعيدة كلّ البعد بمضمونها عن الأسر والسجون لكنّني لم أستطع للحظة نسيان كاتبها خلف القضبان ممّا أعطاها زخمًا إضافيًّا، مجسّدًا القدرة على الانطلاق لعوالم بعيدة رغم القيود والعزل عن العالم الخارجي الذي لم يمنعه من التحليق أدبيًا والغوص في الأحداث التاريخيّة حتّى أدقّ التفاصيل وتعمّقه بعالم الصوفيّة وفلسفتها. شكرًا باسم على هذا العمل الرائع ومن خسوف بدر الدين إلى انجلاء القمر بإذن الله. وأخيرًا، الكتاب هو ليس رواية عن شخص بدر الدين بل هو رواية باسم خندقجي، فكره، شخصه وفلسفته!

سعاد ذياب: هذه القصة هي من وحي خيال باسم التي بناها على أحداث من تاريخ بعض الشخصيات التاريخيّة وهي تعكس تأمّلاته، أفكاره ولغته الأدبيّة الجميلة. قراءة في هذا الكتاب الشيّق توفّر إطلاله عل عالم ومعالم الصوفيّة وتوفّر إطلالة وتمعّن في علاقات القوة بين أصحاب السلطة والمستضعفين. كيف استعمال القوة والسلطة يؤثّر علي النفوس ويخضعها، ما جسّد فكر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بموضوع علاقات القوة من خلال وصفه للصراعات الدمويّة الموجودة في عالم السلاطين.
من خلال سرد القصة انكشفنا لنظرة دينيّة غنية وغير متعصّبة، توجّه ديني منفتح لا يعكس الحوار الديني السائد اليوم، آراء حضارية ونورانية في تعامله مع الديانات السماويّة. لو انتشر هذا الفكر الديني في عالمنا العربي كان لا شك أنّ وضعنا الاجتماعي والاخلاقي أفضل.
توجّه باسم النسوي المنفتح والحضاري حاضر من خلال استيعابه لمآسي الشخصيات النسائية في القصة بتحليله وكتابته الغير الاستعلائية. مواقفه تجاه النساء تعكس فكر فلسفي وديني متنور. نتحدث عن قصة مكتوبة بلغة أدبية جميلة وسلسة. تنقصها تفاصيل أعمق عن الممارسات الصوفية وليس فقط بممارساتها الخارجية، هذا البعد مهم لكي لا يبق انطباع عام عند القارئ بأنّ الصوفية هي طقوس خارجيّة ولكن ذلك لم ينتقص من جمال الرواية، أدبها وحبكتها.

المحامي علي رافع: ثلاثة مؤبدات لم تمنع باسم من التحليق في سماء الحريّة والإبداع، خسوف بدر الدين لم يخسف عزيمة باسم. أدب السجون الفلسطيني يثبت أنّه بإمكان الاحتلال أن يعتقل الأجساد ويمنع تحرّكها بحريّة إلّا أنّه يبقى عاجزًا عن أسر واعتقال روح وفكر المقاومين الذين يتحفونا بين فترة وأخرى بإبداعاتهم شعرًا ونثرًا، قصّة ورواية ودراسة. رواية الأسير النابلسي “خسوف بدر الدين” تأخذ القارئ بعيدًا إلى عوالم ومناطق تثبت قدرة شعب الجبّارين على كسر القيود مهما ثقُل حديدها واشتدّ ألم زرده. إطّلاع الكاتب على التاريخ وعلم الاجتماع والصوفيّة وطرقها وشيوخها ظهر واضحًا في روايته موضوع هذا التعقيب. “لا تحجب عنك حُسن بصيرتك بأحكام عمياء يا صديقي”. أثبت بدر الدين من خلال تعامله مع أبطال وبطلات الرواية أنّه يؤمن بالإنسان وبوحدة الأديان، فالخالق الواحد يمكن الوصول إليه بطرق متعدّدة بعيدًا عن العصبيّة والتعصّب لمذهب واحد وتفضيله على غيره، ليس هناك شعب مختار ولا دين مختار، هناك إنسان يمكن أن يصل إلى أسمى الغايات إذا سلك طريق الهدى والاستقامة والتقوى. لغة سلسة جميلة وكلمات معبّرة واضحة فيها الإبداع والمعنى الأصيل المبتكر والطباق والبلاغة الجليّة الواضحة. لم يترك لنا باسم إلّا أن نشدّ أزره ونحيّيه ونتمنى له الحريّة والفرج القريب ليتابع إبداعه خارج القضبان بأفضل ممّا أبدع داخلها.

الفنّان ظافر شوربجي: أتفق مع مجمل ما قيل، لن أكرّر ما ذكره الأخوة. الرواية تحكي عن باسم نفسه. هناك تناقضات في الرواية والكثير من التخيّلات(الفانتازيا). ظروف كتابة الرواية هو الانجاز الكبير للرواية. برأيي كتابة رواية قيّمة في هذه الظروف، ظروف الأسر، هو براعة أدبيّة وفكريّة. لغة جميلة وفيها انسيابية.
نهايةً كانت الكلمة للمحامي حسن عبادي الذي تحدّث عن تجربته التواصليّة مع أسرى يكتبون وقرأ مقتطفات من انطباعاته حول لقاءاته بباسم خندقجي (سينشُر قراءته حول الرواية لاحقًا، أشار أنّه وجد باسم حداثيًا قد خرج عن المألوف في رواية أدب السجون، ورغم سوداويّة الحياة نحن محكومون بالأمل، والأمل مزروع في كلّ طيّات الرواية رغم نهايتها المأساويّة، فقد مات بدر الدّين، دفاعًا عن مفاهيم تبعث الأمل في النّفوس، ودفاعًا عن العدل، دفاعًا عن المساواة، دفاعًا عن الإنسانيّة بكلّ معانيها) جاء فيها:

كاسك يا “ميلاد” (انطباعاته حول زيارته لباسم يوم 12 يونيو 2019)

تعرّفتُ إلى باسم عبر رواياته التي تناولتُ بعضها، التقيته صباح اليوم في سجن “هداريم” وقابلني بابتسامة طفوليّة بريئة (ابتسامة لم تفارقه لساعتين ونصف) وقبلات عبر “الحاجز الزجاجيّ” البغيض فسألته، بغرض كسر ذلك الحاجز، عن سرّ الابتسامة السرمديّة، فأجابني بعفويّة: “أشعر أنّ اليوم عيد ميلادي لأنني سجين منذ خمسة عشر عامًا وللمرّة الأولى يزورني “غريب” بسبب كتاباتي، أشعر حقًا أنني اليوم أصبحت كاتبًا!!!”.
تحدّثنا كثيرًا عن كتاباته ومشروعه الأدبيّ، الاغتراب الثقافي، التطبيع، متابعته لما أكتب وأسلوبي في الكتابة، الرواية المحليّة وأدب السجون على تعريفاته: التقليديّة النمطيّة والحديثة، عن دور نادي حيفا الثقافي في تنشيط الحركة الثقافيّة في البلاد، إشهار روايته الأخيرة في بيروت وافتقاده لصورة والده، رحمه الله، في حفل الإشهار، حيث فارق الحياة وباسم يقبع خلف القضبان، الحياة داخل السجن وتعرّفه عن كثب على الجناح الآخر للوطن: كريم يونس، وليد دقّة وباسل غطاس وغيرهم، والابتسامة تلازمه كلّ الوقت، ووجهه الذي يشعّ حياةً وأمل، وعن نسيان وضياع قضيّة الأسرى. عذرًا ايها الباسم، لقد خذلناك.

في طريقي خارجًا من غرفة المحامين لمحت الأسير كريم يونس يتحدّث مع محاميه، الذي كان متدرّبًا في مكتبي، استوقفني وتبادلنا أطراف الحديث وتطرّقنا لمقالة كتبتها عن الأسر ولوحة د. يوسف عراقي التي رافقتها، وكانت مفاجأة سارّة.

وعدت باسم أن نرفع نخب “ميلاد” الموعود قبالة بحر حيفا، وميلاده حتمًا سيكون فأل خير على الحركة الأسيرة، وها أنا أفي بوعدي.
​​​​​​​
يافاوي يا برتقال (انطباعاته حول زيارته لباسم يوم 31 يوليو 2019)

التقيته صباح اليوم في سجن “هداريم” وقابلني بتلك الابتسامة البريئة وكأنّي بالزمن قد توقّف منذ لقائنا السابق يوم 12 يونيو؛ عانقتُ باسم عبر ذلك “الحاجز الزجاجيّ” المقيت، أمسك كلٌّ منا سمّاعته وأكملنا ذاك الحديث وكأنّه كان بالأمس.

تحدّثنا عن طقوس كتابته والعلاقة بين الكاتب والمتلقّي، عن رسالته يوم 23 يونيو إلى قُرّاءه وتعميمها من قِبل أخيه أديب عبر 31 صفحة فيسبوكيّة، من ضِمنها صفحتي، تفاعُل جمهوره معها، فكانت بُعَيد لقائي به، والمرّة الأولى التي يتوجّه بدون نص أو قصيدة، وها هو يشعر لأوّل مرة منذ دخوله في درب الكلمات أنّ ثمة من يكترث لكتاباته، فمتابعيه هم متنفّس كلماته.

تحدّثنا كثيرًا عن مشروعه الأدبيّ المستقبليّ، عن ترشيح دار الآداب روايته الأخيرة “خسوف بدر الدين” لإحدى الجوائز، عن لقاء تلفزيوني في قناة مساواة حول أدبه كنت قد شاركت وصديقي د. صالح عبود تلك الحلقة والقصيدة التي نظمها له.

تناولنا يافا، رام الله وباريس وما بينهم، الرواية التاريخيّة الحديثة، عبق برتقال يافا يحلّق بالأفق، الابتسامة لا تفارقه، ومرّت الساعات بلمح البرق.

حدّثته عن فكرة مشروعي “لكلّ أسير كتاب”، وعن منتدى الكتاب الحيفاوي ففاجأني سائلًا: “ما هو كتاب لقاء اليوم”؟ فأجبته: جحيم دانتي والكوميديا الإلهيّة. هزّ رأسه وعبّر عن خيبته من عدم تمكّنه مشاركتنا اللقاء، فهو يقرأه كلّ كانون أوّل من كلّ عام منذ أسره… كلٌّ وجحيمُه.

على أمل أن نلتقي قريبًا في منتدى الكتاب الحيفاوي، وأعدك أن يكون اللقاء حول أحد أجزاء الكوميديا الدانتيّة؛ فحيفانا ستبقى حديقة الرب السريّة المُعدّة مسبقًا للعشق، امرأة الهويّة والدهشة التي تشتهيها، فهي التي تسكنك، امرأة من وطن ووطن بلا امرأة.
ابتسامة عالقة (انطباعاته حول زيارته لباسم يوم 15 أيلول 2019)

التقيته صباح اليوم في سجن “هداريم”، قابلني بابتسامته الطفوليّة الملائكيّة التي ما زالت عالقة في ذهني وترافقني منذ لقاءاتنا السابقة، عانقتُه عبر الحاجز الزجاجيّ اللئيم، أمسك كلٌّ منا سمّاعته وأكملنا حديثنا.

تحدّثنا عن قراءاته وكتاباته الأخيرة و”المُصادرة” الكتابيّة التي تبنّاها من إدوارد سعيد، حدّثته بدوري عن رواية “عليّ، قصّة رجل مستقيم” لصديقي حسين ياسين ووعدته بنسخة منها لقرب أسلوبها من مشروعه الكتابيّ المستقبليّ، وبشّرته أنّ أيمن صار أبًا!

تحدّثنا حول لقائي بعائلته في نابلس، تفاعل قُرّائه مع كتاباته، الأمسيّة العمانيّة آخر الشهر حول روايته الأخيرة “خسوف بدر الدين”؛

خبّرني عن تشجيعه لزملائه الأسرى على الكتابة وضرورة النشر كمُتَنفّس لهم؛

أكملنا نقاشنا حول يافا، رام الله وباريس وما بينها، والرواية التاريخيّة الحديثة التي يوظّفها لنقل رسالته.

لك عزيزي الباسم أحلى التحيّات، على أمل أن نلتقي قريبًا في حيفا ونابلس وكلّ أرجاء الوطن ونكمل حديثنا، بدون زجاج وسمّاعات وحواجز.
الحريّة للأسرى، المجد والخلود للشهداء.

​​​​​​​​منتدى الكتاب الحيفاوي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق