قراءات ودراسات

قراءة نفسية في ” بكاء القرنفل”

المجموعة القصصية للشاعرة أسماء رمرام.

بقلم: إلهام بورابة

كيف أقرأ القصة لشاعرة؟ كيف أنمذج ملاحظاتي لمن تملك في اللغة مفهومها وفنها وسحرها؟

لا فائدة ،

سأعرضها من رؤية نفسية تعكس فكرتي الخاصة وليس بالضرورة ماهو عليه النص الأدبي.

في المنهج النفسي غالبا ما نحيل المتن الإبداعي إلى خبرات الطفولة مع الاستعانة بدلالات وقرائن ترتبط بمرحلة ما من مراحل النمو النفسوجسدي الطفولي للمبدع. لكن ولأن القصة تلتزم بالأفراد فإنّ إسقاط مراحل الطفولة هنا ستكون على الشخوص المنتقاة لتكون ضمن المجموعة القصصية ” بكاء القرنفل” للكاتبة الشاعرة أسماء رمرام.

إذا أخذنا بالرأي النفسي القائل بأن كل عضو في الجسم نتحدث عنه بشبيهه في الطبيعة ، فإنّ القرنفل هو شبيه العضو الجنسي الأنثوي / البظر.

فإذا كانت الأنسجة الناعمة في البظر تختص بالعملية الجنسية فإنّها أيضا مبعث الطاقة الحيوية والسرور وتسكين الآلام العصبية والنفسية.وهذه الفوائد تخص القرنفل أيضا فهو ينبه القلب ويسكن الآلام ويحسّن المزاج ومطهّر للفم ومفيد للأسنان .

يجمع علماء النفس بأن مرحلة تأثير البظر على نفسية الأنثى يبدأ في المرحلة القضيبية من النمو النفسي وهي المرحلة التي إذا لم يتعدّها الفرد بسلامة فسيحدث في مرحلة قادمة ما يعيدها اضطرابا نفسيا يتفاوت خطره حسب حجم الأذى الذي تعلّق به ( اغتصاب ، اعتداء جنسي، ملامسات عدائية جنسية، تهديد ، خصي….). سنسمي هنا هذه المرحلة بالمرحلة القرنفلية لأنها تختص بالأنثى.

ولأن الإبداع يفضح عديد المشكلات الطفولية اللاشعورية فإن بكاء القرنفل يشيرإلى أذى كبير قد لحق شخوص القصص خلال الطفولة الأولى قبل سن ثلاث سنوات والتي اتفق على تسميتها المرحلة القضيبية. وفيها تتشكّل عقدة أوديب للذكر وعقدة إلكترا للأنثى. وهي مرحلة المخاوف خاصة الخوف من بتر العضو الجنسي. لكنها أيضا في حالة معايشتها بأمان وحنان وحب فتكون المرحلة التي يفهم فيها الطفل أنّ كل فقدان بإمكان إعادته أو إنشائه من جديد.

حصر علماء النفس مجموعة من أنواع الأذى التي تشكل خوف هذه المرحلة ومنها، خوف الفقد ، فقد العضو الجنسي خاصة ، فقدان الحب والاهتمام، خوف الانفصال خوف التشويه، الرفض، رغبات غير ملبّاة أو مرفوضة. ويكفينا هنا في العنوان ” بكاء القرنفل” لنستدل على الأذى الذي لحق المرحلة القضيبية لشخوص القصص.

في الحقيقة ، نحن لا نستطيع التحكم في اللغة مهما حاولنا ، لذلك فإنها تنعرج بنا حين الكلام أو الكتابة نحو الخداع. فيمكن عندئذ إخضاعها لسرير النفساني.

البكاء من وظيفة العين. ويقول عالم النفس ” أورتيغا” أن العين لا تقدّم لنا أي مفهوم بمفردها ، فلابد لها من جملة ويقصد الوجه. ومن هنا كانت شبه الجملة هنا بكاء القرنفل ناقصة لنستدل تماما على المعنى / الأذى. خاصة وأن البكاء يمكن أن يكون من الفرح أيضا. لهذا سنلتزم بالمعنى القائل أنّ البكاء مسكّن للألم.

فماهي إذاً، في مجموعة بكاء القرنفل القصصية، مسكّنات الألم النفسي الناشئ عن تأذّي الفرد في المرحلة القرنفلية ؟

ظهرت في المجموعة نصوص عديدة تشير إلى أنواع الأذى التي تلحق بالمرحلة القرنفلية . كما أن لفظ القرنفل ظهر في ثلاث مواضع : العتبة ، نص الباب ونص فرنسا.

بملاحظة بسيطة ، نكشف الاغتصاب في العتبة حتى وإن كان اغتصاب أرض. وهي أرض فلسطين بدلالة حضور محمود درويش.

في نص الباب تقول الكاتبة: مقبض يتحرّق شوقا لملاقاة محبوب. هذا من نوع الخوف من رغبات غير ملبّاة.

في نص فرنسا تكتب : وطني بأريج القرنفل ، يا عذاب اللغة. هنا ألم الإنفصال.

نعود للنص الافتتاحي ” شقاء”. نجد استلهام العنوان من ديوان الشقاء في خطر لمالك حداد. يبدو أن الكاتبة أقحمت الكاتب بدون فهم خلفية النص الشعري الطويل الشقاء في خطر. فهل باستعارة مفردة شقاء منه دليل لوجود حالة أذى؟ بالتأكيد ، فقد استدعت الاختطاف وألم الفقد. لكن حضور اللون الأزرق الذي قال عنه مالك حداد: لا تكون السماء زرقاء إلا في قسنطينة. فهنا بحث عن السلام لدلالة اللون الأزرق وقسنطينة مدينة الكاتبة ومدينة بطلة القصة . فهذه إشارة لتكيّف البطلة مع المرحلة القرنفلية ممّا جعلها في محاولة لإعادة النشوء / أمل إعادة ابنها المخطوف. مع وجود قرينة لفظية / مالك بشحمه ولحمه.

وهكذا على مدى المجموعة القصصية نحدد أنواع من الألم . أغلبها الفقدان. مثل ماريا ، الحفيد ، رحمة .

الاغتصاب الذي هو أشد أذى يلحق بالمرحلة القضيبية، يحضر نصا واضحا .

ليريكا ، مسكّن الألم النفسي حتى لو كان مخدّرا ممنوعا

التشوّه ، في قصة الملعونة

في نص لهاث، خلع الضرس ، إشارة لفقد ولبتر حدث في المرحلة القرنفلية ، والضرس قرينة أخرى لارتباط القرنفل بتسكين آلام الأسنان.

وهكذا حتى القصة الرئيسية ” بكاء القرنفل” عن التنظيم الارهابي داعش الذي فيه كتنظيم إشارة كبيرة لتخضيع المرأة لمجتمع ذكوري. ولماهذه الرؤية من إحالة إلى المرحلة القضيبية التي يستعرض فيه الذكر بعضوه على الأنثى التي في تصوّره لأمر ما قد عوقبت ببتر قضيبها.

ثمّ ،،،

بماذا يفيد البكاء؟ تقول الشاعرة في نصها بين مدينتين. /بين جنسين ، بين أنثى وذكر؟ لتسكين الألم حتما.

أجل ، الكتابة لحلّ مأزم نفسي . فهل نجت شخوص الكاتبة من آلامها في تلك المرحلة القضيبية؟ بل الكاتبة ذاتها؟ التي ظهرت في نصوصها تبكي الآخر للاهتمام أكثر بذاتها؟

قلت أن المرحلة القضيبية هي الاهتمام بإعادة أجزاء الجسد المبتورة ، أو تصليح عطب أو بإعادة إنشاء . هي مرحلة الاهتمام الجيد والمبالغ فيه بالجسد ، ترى ، هل هذه التجربة الإبداعية قد أصلحت عطبا ما ؟ هل حققت طموحات المرحلة النفسية تلك؟ فأين حالة الرضا إذاً؟

هناك إعادة نشوء في القصص مجاهد، العصفورة ، أيّوب، علمنة، وهي كلها متعلقة بالأنثى مما يدل على كون النزعة إلى إعادة إنشاء المفقود ترتبط بالمرحلة القرنفلية للأنثى لما تتوّهمه الأنثى في تلك المرحلة الطفولية بأنّها مبتورة القضيب وأن الذكر أفضل منها ولما يحدث في المجتمع من تفضيل للذكر على الأنثى ” وليس الذكر كالأنثى” من سورة آل عمران الآية 36. لهذا في المراحل العمرية المتقدمة تلجأ الأنثى للخلق النفسي لهذا العضو في مظاهر أخرى .

نرجع للإهداء،

تقول فيه أسماء رمرام : إلى فلذة كبدي أيوب.

فهي المسرّة إذن ، والنشوء الجديد والذكر الذي تكتمل به الأنثى ،

الذكر المولود هو إعادة نفسية للعضو المبتور في لاشعور كلّ أنثى عانت في المرحلة القرنفلية من التمييز بين ذكر وأنثى.

وهذه المزية النفسية تجعل الأنثى كاملة في الذهن الجمعي وفي ذهنها الخاص وتحسّن إحساسها بذاتها مما يدفعها إلى الحياة برغبة شديدة ويمكنها بهذا الوصول اللّــذي ( من اللذة) تحقيق عديد الطموحات.

هذا هو بكاء القرنفل. بكاء الفرح لتسكين آلام اللاشعور . إن الهروب من التعبير بالجسد في الإبداع إنّما هو دليل على محاولة إعطاء صورة على أنه ثمة دائما الأفضل لنقترب من الناس. مثل شغلهم بالأزهار لضمان النقد السليم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق