قراءات ودراسات

اضواء كاشفة نظرات في مسيرة ناجي ظاهر الادبية

بقلم: فهيم ابو ركن

مسيرة أدبية غنية تمتد عشرات السنين وتبلغ ذروتها بمرور خمسين عاما على بداية هذه المسيرة لكاتب هام في أدبنا المحلي وحتى العربي عامة، الكاتب الأديب، ناجي ظاهر..
كاتب صديق مبدع أريب
يستحق الثناء
في نثره أريج الشعراء وفي نقده الصفاء والنقاء
يحمل بين سطوره عبق قرية آبائه سيرين
أدبه معطر بنكهة الناصرة، مدينة الثقافة العامرة
يضيء مشاعل ومن خلال أدبه يوثق تراثا وتاريخا.

لا بد في هذا الحدث الهام من إلقاء بعض الأضواء على مسيرة ناجي ظاهر المفعم بالحنين لقرية آبائه، المتيم بعشق مدينته الناصرة، المخلص لأدبه، المهتم بقضيته، المتواضع، غير المتلهف على الشهرة، الكاتب الذي شق طريقه بعصامية، لم يساعده أحد، ولذلك فهو مشجع للأدباء الشباب، ليعطيهم ما حرم منه، يقدمه بمهنية كبيرة بحب كبير ونخوة أصيلة.
ليس من السهل مواصلة العطاء الإبداعي الأدبي مدة خمسين عاما، خاصة في ظروف واقعنا المحلي، لذلك يأتي هذا الاحتفاء عن جدارة واستحقاق.
لماذا نحترم ونقدر الكاتب ناجي ظاهر؟ لأنه يعتبر الأدب حالة تمرد والمبدع إنسان متمرد لا يرضى بأنصاف الحلول، لا يهادن، يحمل روحه على كفه.
لا يمكن أن نتعرف على المبدع ناجي ظاهر من خلال أمسية واحدة أو مداخلة واحدة أو دراسة واحدة، فهو الكاتب، القاص، الشاعر، الأديب والروائي، وكل فرع من هذه الفروع يحتاج إلى أكثر من دراسة، حيث يستحق كل كتاب من كتبه الكثيرة بحثا خاصا، وربما أكثر من بحث لإلقاء الضوء عليه من عدة زوايا.
فعناوين كتبه تستحق دراسة، أسلوبه يستحق دراسة، قصصه تستحق، مضامينه، شعره مقالاته ونثره الخ…
لقد بدأ الكاتب ناجي ظاهر بالنشر في سنوات الستين، من القرن الماضي، وأنا بدأت في بدايات السبعين من القرن الماضي، وفي تلك السنوات كنا ندمن القراءة، نلتهم الكتب قراءة وتحليلا، ومن حسن حظنا تعرفنا على ناجي أولا من خلال كتاباته، ومن ثم التقينا في الندوات الأدبية، فوجدنا فيه الإنسان دمث الخلق المتواضع جدا، الكاتب الجاد الذي لا يتساهل مع نفسه ومع أدبه، مخلص لقضيته ولغته وقوميته، ومنذ ذلك الحين تشرفنا بصداقته وما زلنا نكن له كل التقدير والاحترام.
وما دمنا تحدثنا عن العناوين اسمحوا لي أن أستشهد ببعض فقرات من دراسة أعددتها عن روايته “نزف الفراشة”، ونبدأ حديثنا عن الرواية من بابها الأول، ألا وهو عنوان الرواية، لأن العنوان هو البوابة التي تستقبلنا أو العتبة النصية التي تثير انطباعنا الأولي، وتؤثر في تقبلنا لهذا العمل أو ذاك. العنوان هو البوابة التي يمكن الإشراف منها على حدود النص وأعماقه، ومنها يمكن اكتشاف مفاتيح أغوار النص، وفهم مغاليقه.

فهيم ابو ركن

ونحن نرى أن العنوان الذي اختاره المؤلف “نزف فراشة” عنوان موح، لما يحمله من دلالات الحزن والفرح، الأمل واليأس، التفاؤل والتشاؤم.
فالفراشة عادة ترمز إلى الفرح والمرح، إلى الطفولة وبراءتها، إلى الربيع وجماله بألوانه الزاهية، لكن النزف يرمز إلى الألم والجراح، ويتبع النزف الإرهاق والضعف حتى الموت! فإضافة النزف إلى الفراشة أعطى العنوان عمقا كبيرا، أبعادا عميقة ودلالات متقابلة ليكون مفتاحا جذابا للرواية.
من جهة أخرى نلاحظ موتيفا هاما في أدب ناجي ظاهر فهو يعتمد جوهر الإنسانية في كتاباته أولا وأخيرا، فالإنسان لديه فوق كل شيء، ووراء كل شيء، فهو يصرح في إحدى المقابلات التلفزيونية قائلا: “أنا أعرف الألم الإنساني ولا أميز بين ألم وألم، هناك أُناسٌ يتألمون على هذه الأرض، سواء كانوا معي أو ضدي! أنا أتفهمهم ولكن أطلب منهم أن يتفهموني أيضا، وهنا المشكلة، أنا أتفهم ألم الآخر ولكنه لا يتفهم ألمي، هذه المشكلة أثرتها في محفل أدبي بين العرب واليهود، قلت لهم إنكم تريدون السلام بلغة واحدة تتحدث بالعبرية، أن أريد السلام بلغتين.. واللغة لا تعني الكلام فقط، تعني العقلية تعني الإنسان الذي يتحدثها، تعني الألم والفرح، الذي يعيشه الإنسان، هي هوية الانسان، وهي تعني الوجود، والانتماء إلى الأرض والقومية وهي تعبير عن إنسانيتي قبل كل شيء”.
وكما كتبت الدكتورة كلارا سروجي في دراسة لها عن الكاتب ناجي، حيث كتبت تقول: “تعتمد قصص ناجي ظاهر على تصوير الانسان في حالاته العادية اليومية وفي همومه المعيشية، كما يظهر فيها الهم الفلسطيني لكن بوقع إنساني شمولي. مجموعته القصصية “جبل سيخ” على سبيل المثال، تقدم عالما متشابكا، لكنه واضح المعالم، من العلاقات والتطلعات والأماني التي تضرب عميقا في نفسية الإنسان الفلسطيني الذي بقي في وطنه ولم يغادره عام 1948″.
ناجي ظاهر مارس الابداع في معظم الفروع الأدبية، كتب المقالة، مرورا بالقصص القصيرة ثم الروايات، وأيضا الشعر، وهو مبدع في كل ذلك ولا مجال هنا للاسهاب لأنني سأتطرق إلى بعض النقاط الهامة في أدبه كروائي وسارد، قفي بعض رواياته يعتمد أسلوب السرد والحوار، ويوظف الوصف بطريقة بارعة، حيث يصف الطبيعة بما يحاكي ويتلاءم مع طبيعة الحدث، مثلا في روايته “نزف فراشة” صفحة 22 يقول: “وتمنت لو أن عاصفة حملته إليها”، تعبيرا عن غضب البطلة حين أرادت أن تطرح على حبيبها الخائن أسئلة صعبة. أو صفحة 84 حين أراد وصف حالتها النفسية الكئيبة، فرأت أن الأنوار كئيبة، وها هو يصف حالتها النفسية بهذه الكلمات: “أرسلت نظرة آسية إلى الأنوار الكابية المنبعثة من نوافذ البيوت النائمة في الظلام”. وأنا على ثقة لو كانت حالتها النفسية سعيدة لوصفها وكأنها رأت الأنوار زاهية تنبعث من نوافذ البيوت الساهرة بسعادة وفرح، هنا تكمن قدرة الأديب.
ناجي أيضا يتميز بسلاسة الحوار بين الشخصيات في رواياته فتشعر وكأنك تعيش معها وتسمع كلماتها التي تتلاءم مع واقع الشخصية، بخلفيتها الثقافية والاجتماعية، فلم يحمل الشخصية البسيطة غير المثقفة مثلا كلاما أعلى منها مستوى، ولم يلبسها عباءة لغوية فضفاضة تضيع فيها.
مضامين نتاجه القصصي والروائي اجتماعي إنساني في الدرجة الأولى، يعالج مختلف القضايا الاجتماعية، منها الرجعية والتخلف الفكري، قضايا العمال، والخلافات العائلية، قضايا معاناة المرأة والإجحاف الذي يلحق بها في هذا المجتمع، حتى أنه تطرق إلى قضايا خاصة بالمرأة المطلقة، وقضية استغلال المرأة في العمل والتحكم بها كعضو ضعيف بحاجة لرعاية وحماية.
في هذه القصص تشعر بمدى تقمص الكاتب لشخصيات قصصه وكأنها قصص حدثت له أو معه، أو كان شاهدا مباشرا عليها ناقلا أمينا لها.
في قصصه يسبر أعماق الشخصية ويدخل في صراعها النفسي الذاتي، يشعر بأحاسيسها، يسأل أسئلتها، ويصور لك لوحة من صراع داخلي.
فلنسمعه مثلا في قصة “جسم الخوف” يصف حالة البطل بعد أن تركته زوجته غاضبة آخذة ابنهما معها إلى بيت أبيها، حيث يكتب متسائلا على لسان البطل: ” ترى ماذا تفعل أم قاسم الآن، في بيت والديها في الجبل المقابل؟ ولماذا هي استسلمت للحظة غضب فأخذت ابنهما وغادرت، تاركة إياه وحيدا يقاسي الليل وأشواق البعد؟ لماذا هو لم يمنعها؟ لماذا لم يواجهها؟ ولماذا لم يواجه خوفه؟ أولم يكن الأجدر به أن يقتحم دائرة خوفه، أن يقنعها أو تقنعه، وأن يضع حدا لعذاب طال مداه، وضاقت به النفس؟”. إنه يصف ببراعة ما يعتمل في نفسية هذا الرجل.
ومثال آخر لذلك نأخذه من قصة “حلم ليلة عباسية” حيث يدمج بين الواقع والتاريخ، وذلك واضح من العنوان. في هذه القصة وفي فقرة قصيرة يذكر قرية آبائه المهجرة ويذكر مسقط رأسه وموطنه الحالي مدينة الناصرة، وكأنه الوحيد فيها الذي يحمل اسم ضرار. هو يكتب: “أرسل ضرار نظره باتجاه الصوت، إنه لا يكاد يتبين صاحبته، لعن الله خفة النظر، لو كان يرى كما ينبغي، لعرف على الأقل من هي صاحبة الصوت الناعم الأثيل، لكن لماذا عليه أن يعرف، وهل يوجد في الناصرة أكثر من مبدع اسمه ضرار، إنه ضرار واحد جاء أهله من قرية مهجرة، قبل ولادته بسنوات”.
ومن العبارات التي وظفها الكاتب لنقتنع بواقعية الشخصيات وصدقها، عبارات شعبية أحيانا تكون تهكمية. مثلا: “إنه لا يكاد يتبين صاحبته، لعن الله خفة النظر”، أو مثلا عندما أراد البطل أن يقطع الشارع ليصل إلى حبيبته الوهمية التي تنادي على ضرار، ولكن سيل السيارات أعاقه فقال: ” يلعن دين السيارات، السيارات تفصل بينه وبينها، أهل الناصرة يحبون السيارات، كل واحد عنده سيارة أو يريد أن يكون عنده. لو كان حاكما لأمر أهل مدينته لأن يعودوا إلى الخيول العربية وأيامها الرائعة، ربما لهذا هو لن يكون حاكما، ربما!”. مثل هذه العبارات تشعرنا بصدق الشخصية وحقيقيتها.
وكيف يدخل التراث والتاريخ العربي إلى قصصه، دعونا نستمع إليه في نفس القصة يقول: ” ضرار يغمض عينيه ويصم أذنيه، يتلهى، حتى تحين اللحظة وينقطع سيل السيارات، فينطلق إليها، انطلاقة سهم عربي شق العصور. يغيب في عوالم قرأ عنها في الكتاب الأثير على نفسه ألف ليلة وليلة، يتصور نفسه هارون الرشيد، ويتصور صاحبة الصوت زوجة الرشيد زبيدة، من المؤكد انه حين سيقطع الشارع، سينعم بليلة عباسية.
ومن هنا جاء أيضا عنوان القصة كإشارة دلالية عما يرمز إليه.
كذلك يدمج ناجي في كتبه بين الحالة النفسية للبطل والمظاهر الطبيعية للبيئة التي يراها البطل أو البطلة بما يلائم نفسيته. فمثلا
في حالة القلق والترقب يتغير وقع الزمن لدى البطل فنقرأ صفحة 104 على لسان البطل المنتظر بتوتر، مثلا: “ما هي إلا دقائق بطيئة ثقيلة تمر عليه حتى يعود ذلك التلفون اللعين للرنين”. وفي حالة اليأس البطلة ترى الطريق طويلا طويلا: “الطريق إلى مركز البلدة بدا لها ممتدا طويلا، زاد في امتداده إحساسها بأن كل شيء انتهى وأنها رجعت مهزومة وحيدة…” صفحة 84.
وأخيرا، يقول الناقد إبراهيم طه في مقال له نشرته مجلة الكرمل في عدديها (18+19- 8/1997)، صفحة 303: “لعل الأدب الفلسطيني – في إسرائيل بصفة خاصة وعلى امتداد كل مراحله، من أكثر الآداب العربية التصاقا بالواقع والتحاما به”.
وهذا ينطبق على أدب الكاتب ناجي ظاهر فهو يطرح في رواياته قضايا مجتمعه بكثافة، مركزا على بعض القضايا أكثر من الأخرى حسب أهميتها، ولكن مجمل هذه القضايا يتعلق بسلوك وحياة وتصرفات المجتمع العربي هنا في الداخل.
وفي النهاية نحن نحتفي بأديب يستحق عن جدارة هذا الاحتفاء، على أمل أن تكون هذه اللفتة الكريمة إشارة للنقاد والباحثين كي يعطوه حقه من البحث والدراسة والنقد والتمحيص، وكما قال ناجي ظاهر في مقابلة تلفزيونية عن النقد: “إن هناك فرقا كبيرا بين الشهرة وبين الأهمية، هناك كتاب هامون جدا لم يعرفهم أحد، وهناك كتاب سطحيون لم يكونوا شيئا ورفعتهم أحزاب وجهات معينة، أنا أضع علامة سؤال على الفترة السابقة ودعوت أكثر من مرة لإعادة تقييم تاريخنا الأدبي لأن هناك أخطاء كبيرة ارتكبت بحق أناس مبدعين رفعت من لا يستحق وخفضت من يستحق مع الاحترام للجميع”.. “هناك كتاب هامون وهناك كتاب سطحيون، وناجي من الكتاب الهامين الذين يستحقون..

*فهيم ابو ركن. كاتب صحفي من بلدة عسفيا. صدرت له سبعة كتب كان اولها “بحر النور” مجموعة قصصية، صدرت عام 1974 واخرها “شلال شوق” مجموعة شعرية صدرت عام 2007. له العديد من المؤلفات بينها كتاب في النقد والابداع الادبي ورواية وهو صاحب صحيفة “الحديث” الكرملية ومحررها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق