قراءات ودراسات

إضاءة حول كتاب: الفنونُ الشعبيّة الغنائية في البحرين

رسالة من تراث البحرين إلى العالم للكاتب البحريني "خالد عبد الله خليفة"

عبد الستار الجامعي*

صدر، حديثا، عن دار النشر لارمتان بباريس كتابٌ جديدٌ للكاتب البحريني “خالد عبد الله خليفة”، بعنوان “الفنون الشعبية الغنائية في البحرين؛ رسالة من تراث البحرين إلى العالم “. وهو كتاب طريف وجدّ مهمّ، ومن الحجم الكبير، نسبيّا، إذ نيّفت صفحاته على 217 صفحة. ولعلّ هاته الطرافة وتلك الأهميّة تكمنان، بالأساس، في أنّ صاحبه قد سلّط الضوء على جملة من الفنون الشعبيّة التي تنماز بها دولة البحرين، والأمر نفسه ينطبق على بلدان الخليج العربي، عن غيرها من الدُول العربية وغير العربية. ومن أجل ذلك، فإنّنا رأينا أنّه قد يبدو حيويّا أن نقدّم إضاءةً حول فحوى هذا الكتاب، وهي إضاءةٌ مُختصرة، دون شكّ، وربّما قد لا تُمثّل شيئا إذا ما قُورنت بكمّ المعلومات التي يُقدّمها الباحثُ لمُتلقّي كتابه.
في هذا الكتاب سعى الباحثُ إلى السّيْر في الذي سلكه من قبل، يذرعُ في هذه الأفانين الشعبية المتنوّعة جيئةً وذهابا، يتدبّر كلّ ما يمُيزّها ويميزها من غيرها، ويقوم بتبويبها وتصنيفها ثم إبداء موقفها منه. فهذا العمل هو، إذن، محاولة أخرى طموح لهذا الباحث الذي تفرّد بالتنقيب، عبر منشوراته العلميّة المبذورة في غير منبرٍ ثقافيٍّ، في جملة هذه الأفانين الشعبيّة التي تُشكّل، في الأحوال كلّها، لائحةً غير ثابتةٍ لا، ولا حتى نهائية من الأفانين الشعبية.
لقد وزّع الباحثُ مادّة كتابه على فصولٍ خمسةٍ متفاوتة الطول، تسبقها مقدّمة عامّة مطوّلة، وتقفوها خاتمة عامّة مُختزلة ولكن مُكتنزة من حيث الدلالات والمضامين.
فأمّا المقدّمة العامّة، فقد احتوت، في اعتقادنا، على كميّة هامّة من المعلومات والاعترافات الضروريةّ التي كان لابدّ من الإدلاء بها، لأنّها ستُساهم، لاحقا، في إزالة الكثير من الغموض، وتوضيح العديد من المسائل المُتعلّقة بإشكاليّات نشأة هذه الفنون الشعبية والصعوبات التي واجهتها، ولا تزال، والتي سيأتي عليها الكلامُ لاحقا في الكتاب. ولعلّ من بين أهمّ تلك الاعترافات: الحاجّة الماسة التي دفعت الباحث إلى تسجيل وأرشفة العديد من هذه الأفانين التي كادت تُمحى من ذاكرة المتلقّين. ومن ذلك أيضا، تلك الأدوار الخطيرة التي لعبتها الأجهزةُ الحديثة، كالراديو والتلفاز، في تغيير الذوق العامّ، وفي انتشار بعض الأغاني الأخرى الحديثة، لاسيما الغربية القادمة، على مهلٍ ولكن بخطى ثابتة، من الغرب، التي أدّت إلى تفسيخ الأغاني الشعبية واحتلال مكانها في نفوس الجمهور وفي أفئدتهم. ولقد اعترف الكاتب نفسه بأنّ هذه الفنون الشعبية قد أدركت، بنفسها، أنّ مكانتها قد بدأت في التلاشي والذوبان عند المستمعين. وإلى ذلك، فالفنّانون الشعبيّون مسؤولون، بدورهم، عن هذا التدهور الذي شهدته جملة تلك الفنون. فهم ما عادوا ينتجون إلاّ القليل من هذه الأغاني الشعبية، وذلك في بعض الاحتفالات العامّة أو الخاصّة. وبلدان الخليج العربي تتحمّل، بدورها، المسؤولية في ذلك، دون شكّ. فهي لا تقوم، في اعتقاد الكاتب، بأدنى مجهود من شأنه أن يحفظ وجود هذه الأغاني ويضمن استمراريّتها ضمن بُنى ثقافية متعدّدة. ولكنّ الكاتب يستثني، في الوقت نفسه، بلداناً أخرى كالكويت وعمان، التي أدركت، لحسن الحظّ، قيمة هذه الأفانين. فهي قد سعت، وحسنا فعلت، إلى تسجيل تلك الأفانين وأرشفتها. عدا ذلك، فإنّ أيّ محاولة في الاحتفاظ بهذه الأفانين لا تعدو أن تكون مجرّد نزوات فرديّة لباحثين مغرمين بالنبش في هذا الأغاني التي تشكّل جزءا لا يتجزّأ من التراث البحريني خاصّة، والتراث العربي على وجه العموم.

واضحٌ، إذن، أنّ محاولة الكاتب في التعريف بهذه الأفانين التي بلغت أكثر من غيرها شهرةً في البحرين، البلد الذي وُلد فيه الكاتب ولا يزال يعيش فيه، تندرج في صلب هذا المسلك الجادّ الذي سلكته تلك البلدان السابقة الذكر، والذي يهدف إلى حماية هذه الأفانين من الأخطار المحيطة بها والتي تُهدّد، يوما بع يوم، وجودها وكيانها، من نحو: التبديل والتلف والضياع والنسيان…سلاحه، في ذلك كلّه، الكتابة بالأساس، أيّ إنّ آلية الكتابة كانت، في تصوّر الكاتب، من أهمّ الأسلحة التي من شأنها الدفاع عن هذه الممارسات وتسهيل تلقيّها وتداولها، وتأويلها أيضا.
وأمّا الفصل الأوّل، فقد خصّصه الباحث للحديث عن فنون الغناء الشعبية التي تُعتبر من أكثر الممارسة شيوعا في البحرين، فبدأ بالتطرّق إلى أنواع الفنون الموسيقيّة في البحرين وفي بلدان الخليج العربي التي تتجلّى عبر طقوس شعبيّة عدّة من نحو: فنّ “الزار”، وفنّ “الدزّة” وفنّ “الخمّاري” وفنّ “القادري”، وطائفة أخرى من الفنون المتداولة في البيئة العربيّة البحرينية كفنّ: “الفجيري” و”الصوت البحريني” وفنّ “العرضة”، وأثر ذلك كلّه في المجال الإبداعي. كما تحدّث، في هذا الفصل أيضا، عن مُستقبل التراث الموسيقي في البحرين.
وأمّا في الفصل الثاني من هذا الكتاب، فقد تحدّث عن أدوار النساء وتأثيرهنّ الواضح في هذه الفنون الشعبيّة، وأشار بالبنان إلى دور القبائل العربية المُهاجرة في تثبيت هذه الفنون، ثمّ تحوّل للحديث عن مكوّنات المجتمع البحريني، وعن أنواع الفنون الشعبيّة القبلية في البحرين، التي قسّمها إلى: فنّ “العرضة” وفنّ “المرادة”، ثم عرج لتقديم لمحةٍ عن “تقاليد الزواج وطقوسه في المجتمع البحريني”، وعن بعض الفنون الشعبية النسائية من نحو: فنّ “الدزّة” وفنّ “العاشوري” وفنيّْ “الترشيدة والحفّال”، وأيضا فنّ “الخماري” و”النجدي” وفنّ اللعبوني”، نسبة إلى الشاعر والمُلحّن “محمّد بن لعبون مؤسّس المدرسة اللعبونيّة، الذي انتشر في البحرين والكويت خاصّة، والفنّ “العربي” وفنّ “الجلوة”، هذا إضافةً إلى حديثه عن طائفة أخرى من الفنون التي تُقدّم في حفلات الزواج خاصّة من نحو: فنّ “البسطة” وفنّ “الردهة”.
ولم يكتف الكاتب بإيراد هذه الأنواع من الفنون عاريةً من الأمثلة، بل إنّه كان، في كلّ مرّة يتحدّث فيها عن فنّ، يدعّم كلامة بجملةٍ من الأمثلة المُستمدّة من الوسط الثقافي البحريني، ممّا يُضفي على معلوماته ضرباً من الصحّة والمقبوليّة.
خصّص الكاتبُ، بعد ذلك، الفصلَ الثالثَ للحديث عن فنّ “الصوت” في بلدان الخليج العربي، وضرب لذلك مثلاً برائد الطرب الشعبي في البحرين، الفنّان “محمد بن فارس”. وقد افتتح صاحبُ الكتاب هذا الفصل بالإشارة إلى المكانة التي يحتلّها “الصوت” ضمن الفنون الغنائية في بلدان الخليج العربي، ثمّ قدّم لائحةً بالشعراء الروّاد الأكثر شهرةً في منطقة الخليج، على غرار: محمد بن لعبون، وعبد الله الفرج، وذلك قبل أن يعود للحديث عن ظهور “فنّ الصوت” مع “محمد بن فارس” وعن صفات هذا الفنّ وخصائصه، وكذا عن الأدوار التي لعبها هذا المُطرب الشعبي في بلورة فنّ الصوت وتطويره.
الفصلُ الرابعُ خصّصه الباحثُ للحديث عن أعمال “محمد بن فارس” الإبداعيّة. وفي هذا المستوى من البحث، قدّم صاحبُ الكتاب مختاراتٍ شعريّةً تُعزّز القيمة المركزيّة التي يحتلّها “محمد بن فارس” في هذا المجال المخصوص.
وأمّا الفصل الخامس والأخير من هذا الكتاب، فقد استغلّه الباحثُ لتقريب مختارات من بعض الفنون الشعبية، التي تحتلّ مكانة مرموقة في بلاد البحرين، للقرّاء. ومن هذه الفنون التي ذكرها الباحث نجد: “فنّ الجربة” وفنّ “اللوا” وفنّ “الطنبورة”؛ كما تحدّث عن أصل نشأة هذه الفنون، وعن مظاهر تطوّرها، وكذا عن الوسائل التي استندت إليها وعن مكوّناتها.
وإجمالا، فالباحثُ سعى، ضمن مداخل خمسةٍ متفاوتة الكمّ، إلى تسليط الضوءَ على جملةٍ من الفنون الشعبية المتنوّعة والمهمّة التي كانت، ولازالت، منتشرةً في البحرين وفي بلدان الخليج العربي عامّة. ولعلّ المُطلّع على هذا الكتاب يُدرك، بيُسرٍ، أهميّة المجهود الذي بذله صاحبُ البحث في هذا العمل، على الرغم من اعتراف هذا الأخير، في خاتمة كتابه، بأنّ عمله هذا لا يُشكّل، في واقع الأمر، إلاّ محاولةً أولى بسيطةً للتعريف بهذه الفنون. فالنظرةُ السابرةُ في الخاتمة التي توّج بها الكاتب عمله تُمكّننا من تفهّم الهاجس المعرفيّ الذي كان مُسيطراً على الباحث من بداية عمله إلى نهايته. فهو، بالرغم من وعيه بقيمة بحثه، مدركٌ لبعض النقائص التي ربّما قد شابت عمله، وهذه من الأمور المهمّة التي يتطلّبها البحثُ، لا بل هي من الاعترافات الحميدة التي يُشكر عليها الباحثُ الموضوعيُّ. ومن الواضح أنّ الكاتب كان يدعو، بصمتٍ، الدارسينَ إلى مزيد التحبير في بنية هذه الأفانين الشعبيّة وأخرى غيرها ربّما يكون هو قد أسقطها وتغافل عنها لأسباب عدّة، والسعي المستمرّ إلى التنقير وراء جماليّاتها، وذلك حتى يتمكّنوا، معاً، من التأسيس لحركة بحثيّة منظّمة وواعية ومستمرّة في حقل ما يُسمّى بالفنون الشعبية الغنائيّة.

 
*باحث تونسي ، جامعة السوربون، باريس 4

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “إضاءة حول كتاب: الفنونُ الشعبيّة الغنائية في البحرين”

  1. شكرا للباحث عبد الستار الجامعي على هذه الإضاءة القيمة وعلى هذه الإفادة حول كتاب مهم وصادر حديث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق