ثقافة السرد

سفر لرحيل لم يكتمل

ليلى قمر – ديرك

كان لذلك الصباح أنين عاق ولكنه يضج بالصراخ .
صباح أشبه بمولود قدم من رحم أصم عاجز رغم كل ما تعانيه من آلام المخاض وبدت كأنها ولادة عقيمة ليست إلا .. كل الوجود هادئة ، والأماكن تستعد في أغلبها للرحيل ، وهي ! .. بالفعل لا تدري ! .. توقفت للحظات قليلة عساها تستعيد رغم كل مافيها من عجز وألم بصيصا لأمل ! … الوقفة طالت وتمادت لساعات وأيام لا لا بل سنين تتالت لسنين من الذكريات، و .. أغمضت عينيها الناعستين وأنزوت بجسدها المعتق جدلا واقتعدت شرفتها الهادئة ، والصمت قد طوق كل كيانها تعفها عن النطق آهات ، وهي هذه الآهات المتعثرة في ولادتها على شفاه غابت عنها وميض انتعاشها يوم حكم البشر عليها بألف سيف وحد بحكم شريعة قالوا فيها : أنها سنة الحياة … القلق يدفعها بلا أدرية فتتصرف وكأنها تهم بالرحيل .. جالست شرفتها تتفقدها ، وكمن تريدها صورا لتترسخ في ذاكرتها ، و .. تنهدت عميقا لتتسلل الى عميق كيانها فتلامس فؤادها ، هي التنهيدة دفعتها لتتساءل : أي نوع من البشر سيحتل بقاعنا هذا فيمسخ جمالك ! ويجتذ منك ذكرياتنا ؟! من سيكون ياترى ؟ والأهم : هل سيرأفون بك أيها العصفور ؟ هل سيعتنون بوريقاتك يا زهوري ؟ وانا أدرك أنكن لا تقبلن السقيا سوى من يدي ؟ .. و .. انقباض نفسي شديد .. وجوم تخللها عنف مشاهد لرحيل جمعي متراكم من عميق آلام شعبها ، جاهدت بقوة تضغط على تلك الصور عساها ترحل من مخيلتها فتدفعها بعيدا حتى تهدأ روحها ، وتركن بعواصفها الهوجاء ، فكانت أول ما نطقت بها ذاكرتها المتجمدة : هو الحي القديم ، فأصرت لتنطلق الى حيث تخالها نقطة البدء من سفر الرحيل و .. وصلت إليه ! .. وآخيرا : وكمن يزيح من قمقم الذكريات غطاءه ، هاهو الباب الأخضر بلونه الحبقي المنقوش وقد زاده العتق رونقا وبهاءا ، وأصبح بحد ذاته لوحة فسيفساء راق .. فتحت الباب بكل هدوء وحذر وقدماها ترتجفان وكادت لمرات أن تتعثر .. هي ذاتها الخطوات المرتبكة خوفا من أمرين : إيقاظ النائمين لا وعيا ، أو الخوف منها عينها الرحيل فتطير من فضاء هذا البيت العتيق بضجيج الذكريات .. و .. شدت من عزائمها وتخطت بسرعة أكثر ، وأخيرا دخلت .. يا إلهي ! ..هذه هي شتلات الحبق لازالت تبتسم وتعبس .. وتلك هي شجرة الليمون وقد تفرعت تعانق شجرة البرتقال ، والتين قد التف بدائرية لتحتال و .. تطوق شجرة التوت .. وهاهو جدول الماء مازال يتوسط الزرع بكل أنفة ، رباه ! أجل ؟ ..هاهي بقعتك .. مجلسك جدتي و (الجهوني ) يبدو كمخزن لإرث متراكم من أحاديت وقصص بعد أن كانت حبات القمح تئن فيه تحت وطأة مهدات – ميهكوت – وقوة أيديهن ، كن جميعهن صبايا البيت وهن إمي خالاتي كن .. أجل ! وهاهي جرة الماء .. يا الله ؟ كم عطشة أنا ! .. أقتربت بكل هدوء عساها تروي عطش سنينها الغارقة في عمق الذاكرة ، وصلت الجرة وأزاحت غطائها وتناولت ذلك ال – غاريف – وشربت .. شربت حتى ارتوت ولسان حالها يردد : الآن ارتويت .. نعم هو ذات الماء سلسبيل زلال ، لكن ؟! .. إلهي ؟ ماهذا الفوح العطر الذي أخذ ينثر وتتلقطه أحاسيسي فتنتشر في كامل جسدي البائس ؟! .. تراجعت بعدة خطوات الى الوراء .. فاح في المكان رائحة قهوة ألفتها ! ياه ! .. هي ذاتها دلة أمها النحاسية وقهوة أمها الفائرة أبدا برائحتها العبقة كانت دائما كساعة زمنية عليها وبها كنا نستعد للنهوض والذهاب إلى مدارسنا ، وهي جدتي الحنونة كانت ، وفي أيامات عديدة عندما كان المطر ينهمر بغزارة ، او الثلج يفترش ببياصه فتناديها أن : اتركيهم لنومهم وتعالي لنجهز قهوة الصباح فقد أشعلت الموقد … وهي أنت ياجدتي ! ومجرد حضور طيفك ، يستعيد الزمن حضورك بكيانك وصوتك .. ركزت لثواني خلتها ساعات طالت وغمغمت : كم هي روحي تواقة لإحتضانك فتعانقيني ، ومعها تجترح مني آلام السقم الذي يحوطني ، عساها تهدئ بعضا من وجعي ، وتهدئ من ثورة براكين جراحي المتراكمة .. أجل جدتي ! كنت يومها غافلة عني ، وكنا أطفال البيت الكبير نشارككم جولة في كرم جدي وبين اللعب واللهو وساعات النهار كانت قد مضت و .. عدتم الى البيت ! .. دقائق ربما مضت على أمي كأنها دهر و .. فجأة صرخت : أين هي طفلتي ؟ .. لقد إختفت الطفلة ؟ هي انت التي كنت تحبينها و .. صرخت جدتي منادية إمي :
أين هي ابنتك ؟ ..
– لا آعلم أنهم جميعهم بالداخل ؟ .. وكان ماكان وساد الحزن والبكاء تعالى ! .. أجل ! أيتها الشقية .. طفلتي لم ترجع معهم ، ولو انها عادت لكانت تسابقت مع أطفال الدار ، وفور وصولنا ، كعادتها ستهرع إلي فتخبرني بما شاهدته ولسان حالها يعبر عن جوعها ايضا . انطلق جميع من في الدار يبحث ، والغيم لم يبخل بمزناته الربيعية المعتادة ووميض الرعد يتماوج مع صوته فيمتزج الغضب ببعضه البعض ، وأنين لا يقل شحوبا مصحوبا بقلق مدمر ! يا إلهي ولقلب أم تاهت عنها ابنتها وسط هيجان السماء وفيض الجم – الساقية – ! أيعقل ان يكون النهر قد فعلها وجرفتها ؟ .. هي جدتي كانت ! وبقلبها المركب عطفا وأمومة وكأنها نبضات قلبها تصرخ فيها ثقة وصرخت : كفوا عن النحيب ؟ واثقة أنا إنها بخير ، إرأفوا بها ؟ .. أعرفها صغيرتي ؟ ألم أقل لكم قبلا مدى عشقها – للجم – الساقية ، وشغفها بالجلوس على مقربة منها ؟! . وكأية أم كانت الجدة ذاتها في قرارة نفسها تداري رعبا حقيقيا ان يكون الفيض غدارا للطفلة المسكينة .. هي تلك اللمعة القوية كانت وجلجلة صوت الرعد الذي امتزج مع صوت الجدة وهي تصرخ : هيا تعالوا .. الحقوني ! أعرف أين هي ؟ .. وبين انفعال الطبيعة وضجيج أزيز الريح واصطكاك فروع الأشجار ببعضها ، وتداخلات بقع الوحل والحفر المخفية ، وسط كل هذا الضجيج كانت جدتي أول من وصلت البستان ، واتجهت مباشرة صوب تلك الصخرة التي كان جدي يقتعدها للراحة او الصلاة ! و .. إذ بها الطفلة وبعفوية تجلس في الجانب المحمي لها من قطرات المطر بعد ان استفاقت من نومها والظلام قد حوطها مع عنفوان هذا المطر .. هرعت جدتي وطوقتني بعنف حنينها وشدة دفئها وهي تعانقني وشدة زفيرها تعيد لي بالهوينى بعض مما افتقدته من دفئي .. كنت ادرك بأننا ذاهبون الى البيت ، ومع ذلك كان هو الرعب الذي أخذت أتحسسه للحظته ؟ و .. ها نحن في البيت وكل الأطفال نائمون ، والموقد مشتعل وأنا هائمة .. نعم هائمة أنا والوهن يزحف الى اوصالي تدفعني الى ما لا أعرفه ؟! .. لملمت ذاتي قدر استطاعتي ودفعت ببقايا الذاكرة الى اعماقها وعدت بأدراجي متيقنة بأنني لن أستطع تحمل استحضار المزيد .. لقد تعبت ! أجل ؟ تعبت وأصبحت أتحسس بقواي الواهنة تشي بقرب انهيارها ، لا سيما أن الصور أخذت تزحف لتشتد قساوة ، والأحداث تسير فينا صوب انهاك فظيع .. الله جدتي ! يا الصدر المتدفق حنانا وقوة بعنفوان امل كنت ، كم نحتاجك الآن جدتي … وكمن استفاقت من حلم عميق ، حاولت رغم كل وهنها أن تفتح باب الدار من جديد ! بئسا لك ياالوهن ؟ أجل ! لقد خارت منها قواها ورائحة الدم المسفوك في البقاع طمست نسمات الحبق ، وساد الصمت بسباته
الأزقة والشوارع ، والدور هجرها ساكنوها الى أصقاع جديدة ، والقلق اطاح بظلال الشجر وطمست نمو الأزهار ، ومع كل هذه العواصف ، وزخم هيجان المطر ! والجم تعددت فيه جفافه ، وماتت منه حيواته التي كانت تولد منه وفيه و عليه :
استندت تحاول التمسك بوميض أمل صغير
رغم قلة فرصه فتسعى لتصنع من الموت حياة تؤسس لميلاد حلم تتنفس من خلالها الصعداء .
و كمن استفاقت من ضجيج ذكرياتها صرخت في اعماقها ورددت :
ويل لي .. ويل لأيامي وروحي الهائمة إن مات العصفور الدوري .
ويل لي إن جفت السماء وتيبست الأشجار ! .
هل سأرحل من هنا وأترك كل الذكريات بأحلامها ؟ .
أم هي الحياة ستستمر بكل طغيانها والجراح ستتعفن وستنفذ حدها لتقضي على الأحلام ؟
كانت لفتة منها لأباصيص وردها و .. قليل من الماء أيتها الشتلات توحي ببعض من الأمل ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق