ثقافة السرد

رصيف رقم 11

بقلم / علي حزين
 
وقفنا أمام عنبر المستجدين .. في صفوف ثلاث .. ننتفض كالعصافير المبلولة من شدة البرد .. والأسنان تصطك .. يُسمع لها صريراً.. والشويش ” فراج”يلقى علينا التعليمات , في حزم , وقوة.. بصوت أجش
– كل واحد منكم يتأكد من تمام مهماته.. ويضعها في “مخلته ” حقيبته .. واتبعوني في صف واحد .. معكم خمس دقائق , من الآن فقط , لتفعلوا ذلك , هيا بسرعة .!…
أذكر يوم ما أقلتنا عربة المشروع .. ودلفت بنا في قلب الصحراء .. حينها انتابني شعور غريب وغامض .. فأنا لأول مرة في حياتي أشعر بالغربة.. وأبعد عن بلدي , وأهلي وناسي , ومسقط رأسي .. وكانت تلك هي المرة الأولي التي أري فيها الكثبان الرملية منثورة وموزعة علي مرمى البصر بطريقة هندسية الشكل , لترسم لوحة فنية رائعة , لا تضاهيها يد فنان .. وكان الجو شتاءً .. وكنا في أول يناير .. و في عز طوبى .. وكنت أتصفح الوجوه الشابة .. التي ركبت معي , وقد رسمت عليها أشياء غامضة .. وغريبة , تشبه غموض الصحراء .. وكنت أنظر من النافذة العربة لأتابع قرص الشمس البرتقالي وهو يسير بمحاذاة العربة .. لتستتر خلف السحب حيناً , وحيناً أخري تطل علينا في هدوء .. وتغيب في بطء .. والكثبان الرملية منتشرة هنا وهناك بطريقة رائعة ومدهشة ومبدعة .. وكأن يدي القدر بعثرتها في المكان لتشكل لوحة فنية رائعة وممتعة …. لتكون منظر جميل ومدهش . ومبهج للعيون.. قليل من السير بالعربة.. والمدافن مشطورة على جانبي الطريق .. يطل منها وجه الفناء .. ورائحة الموت .. وعالم الغيب البعيد , لتطفي علي المكان جواً ملئ بالهيبة والرهبة , وربما الخوف أيضاً ..
وما إن وصلت عربات الأتوبيسات مركز التدريب .. حتى وقفت قليلا .. أمام البوابة الحديدية العتيقة , للتفتيش ..
صعد نفر كثير يرتدون الزى المموه , والـ كاب الزيتي , وشارة أمن حمراء معلقة على أكتافهم ..أوقفونا صفين , صفين , وبدئوا في التفتيش وأنا وأقف مستسلم لهم تماماً , وقد تركت بصري يسبق قدماي للدخول إلي المعسكر الذي سأقضي فيه فترة التدريبات العسكرية .. ورحت أتجول أستكشف المكان .. شاهدت على البوابة ثلاثة نفر.. واقفون بالشَّدة والخوذة , والسلاح متقاطع على صدورهم .. وعلى اليمين قليلاً , سجن صغير, عبارة عن غرفة واحدة ,عرفت ذلك فيما بعد , بجواره “الجنينة ” لاستقبال الزيارات .. ومباني موزعة بطريقة عشوائية , ومنشات مجهولة الهوية بالنسبة لي .. والأشجار قد ملأت المكان , أغصانها تلهوا مع الريح .. وكأنها ترفض الانحناء إلا لخالقها سبحانه وتعالى .. والهواء يعبث بالأوراق.. وكان الجو شتاءً , وكان النهار يوشك أن يسلّم الليل أخر موقع ضوء له .. ليحل المساء بعباءته الرمادية , وبرد الشتاء يصفع وجوهنا بلا رحمة.. ويكاد يجمد أطرافنا .. ويتسرب بداخلنا , ليسكن تحت مسام الجلد .. ونحن نسارع الخطى إلى مكتب الأفراد.. فالليلة قارصة البرد.. بعدها صفونا في طابورين متوازيين , مررنا بمكتب العميد .. ثم أرض الطابور .. ثم قاعدة المحاضرات .. ثم الميز .. ثم عنبر المستجدين يقدمنا الشويش” فراج ” وخلفنا عساكر ألأمن .. يثرثروا مع ذويهم من بلدهم .. وأخيراً وقفنا إمام مكتب الإفراد .. ساعتان أو يزيد , لا اذكر بالضبط كم مضي من الوقت , ونحن واقفون , لكن كل الذي أذكره , أننا بالتأكيد وقفنا وقتا طويلا .. حينها تزمجر بعضنا , وعلت أصواتنا .. واحتج بعضنا , واعترضنا على وقوفنا في الطل والهواء البارد , والصقيع .. دون شفقة تأخذهم بنا , أو رحمة … (( ربما كانوا يعلمونا القدرة علي الصمود والتحمل , فالحياة المدنية بالقطع تختلف عن الحياة العسكرية )) .. ثم خرج أحدهم أمرنا بالجلوس في أماكننا في وضع التقرفص على الأرض , في صمت , وانتظام , وانضباط عسكري .. حتى نتمكن من سماع اسمينا من الداخل.. وظللنا هكذا حتى منتصف الليل .. ثم انتقلنا إلى مخزن المهمات .. جلسنا شبه دائرة ليوزع علينا مهماتنا الميري .. في صمت , ونظام ” …..
يوم ضاع من الأجازة , لا يهم , المهم أني في أجازة.. فما زال أمامي سبعة أيام كاملة , سبعة بلياليهم .. سبعة أيام بالتمام والكمال.. سبعة أيام سأفعل فيهم الأفاعيل .. وأسوى فيهم الهوا يل .. سبعة أيام ملكي أنا وحدي فقط .. أنام براحتي , واصحي على كيفي .. أقرأ فيهم , أكتب .. أتنزه .. أزور الأهل والأقرباء , والأصدقاء .. أذهب إلى النادي .. المقهى والى أي مكان أريده.. فأنا من ألآن ملك نفسي .. وإلى أن تنتهي الأجازة , حر طليق كطير في السماء أحلق في أي مكان .. ومعي تصريح بهذا .. شعرت برغبة ملحة في لكلام .. والتحدث مع احد , أي أحد .. حتى اخرج من هذا الصمت .. ووحش التفكير الذي ينهش في عقلي .. تذكرت صديقي الذي جاء معي .. بحثت عنه ألتفت نحوه.. كان لم يزل يغط غطيطاً .. وهو نائما .. هززت كتفه بعنف .. لأتحدث معه , فتح عينيه الغائرة , مذعوراً, فزعاً .. هدئت من روعه .. أخبرته برغبتي في الحديث معه .. حدق فيّ بصره , برهة وكأنه يراني لأول مرة .. ثم نفخ في وجهي بضجر , وقرف وهو يمسح وجهه بيده , متبرم .. عدل من وضعه .. سألني عن الساعة في يدي ..؟. وعن القطار ..؟ .. وهو يفرك عينيه , ويتثاءب .. قال لي : .
ــ هل قام القطار من المخزن أم لا ..؟..
فأخبرته بأنه باقي عليه القليل .. رمى عينيه في الفضاء البعيد .. وكأنه يفكر في شيء ما نسيه , أو عنى له .. ثم هز كتفيه.. ومط شفتيه وأغمض عينيه , وعاد إلي ما كان عليه مرة أخري .. بعدما عدل من جلسته .. وراح يستدعى النوم من جديد .. وهو يقول لي في خمول وكسل وتراخي مع تثاؤب ….
– طاب سيبنى أنام حبة … وبعد ين نبقى نـ ـنـات..كـلم ….!! ..
– ……….. !!!
ضحكت في نفسي , وأنا أضرب كف بكف , وأنا في حالت تعجب منه , استرخيت علي الكرسي .. وقبل أن أغمض عينيَّ في محاولة يائسة .. لاستدعاء النوم , حتى أكون مثله .. تسلل إلى إذني .. صوت ناعم كالحرير هفهاف , ورقيق كنسيم البحر.. تنبهت.. بحثت عن صاحبة الصوت , كان الصوت لفتاة جميلة , ينبعث من المقعد الخلفي .. لتسألني بنبرة مطربة بعض الشيء , وكأنها خائفة من شيء ما … قالت لي وهي مرتبكة ….
– لو سمحت القطار سيقوم أمتي …؟
التفت إليها بسرعة البرق والضوء معاً .. لأتعرف على صاحبة الصوت الحريري الملائكي .. رأيتها حورية فرت من الجنة.. لتجلس خلفي .. غادة حسناء تبدو في مقتبل العمر .. متوردة الخدين .. كستنائية الشعر .. عيناها عسلية .. وجهها بدر مدور ليس دونه سحاب .. الرقبة كُوْز من الإبريز الخالص .. أنفها منتصبة .. فمها ياقوت مكسر .. فتاة يعجز القلم عن وصفها , فجمالها يفوق الوصف , شكرت ربي أن أرسلها إليّ في هذا الوقت المناسب .. حتى أتحدث معها .. فهو أعلم بحالي , وما في داخلي ..
– لو سمحت متى سيقوم القطار ….؟
بحركة سريعة , وعفوية , سريعاً أغلقت الراديو الصغير , وضعته في جيب ” الزنط ” الزيتي الكوري .. وأجبتها , وأنا لم أزل معلق عينيَّ في وجهها الذي يشبه الحديقة الغناء .. ودون أن أنظر إلي ساعة يدي .. وبسرعة .. وقلبي لا أتحكم في ضرباته …
– الساعة السادسة ونصف تقريبا .. …
شكرتني بابتسامة رقيقة أخرجتها من شفتيها الصغيرة الحمراء .. ابتسامة أضاءت وجهها كالمصباح المنير , ورمتني بنظرة فاترة ساحرة.. اخترقت سويداء قلبي كالسهم .. وأدارت عقلي كالخمر.. وهي تسكن بعض خصلات شعرها الثائر خلف إذنيها.. ثم عادت لترتب شؤونها .. وأنا أنظر إليها في انبهار , وأنا غير مصدق ما أرى .. سألت نفسي في نفسي
ــ “ما هذا الجمال المبهر, الذي يأخذ القلوب , ويخطف الأبصار.. ويذهب بالألباب..؟ “.. وبصعوبة بالغة استطعت تحويل عينيا عنها , أدرت وجهي للإمام .. وأنا أتمنى أن تسألني مرة أخرى , وأخرى ورآها .. حتى أتمتع بالنظر إلى وجهها الجميل , الضاحك , المضيء كالبلورة …..
” فلتسألني مثلا عن القطار..؟ والوقت الذي سيقطعه القطار ليصل..؟ والمسافة التي سيستغرقها القطار .؟ .. أو حتى تسألني عن صديقي هذا النائم بجواري ؟..عن أي شيء.. أي شيء .. ؟… المهم تسألني والسلام , وأنا أجيب .. المهم تسألني .. لأسمع صوتها العذب الذي يشبه قطعةٍ من الموسيقي , من موسيقي بتهوفن ” ألأسطوانته الخامسة “.. أو مقطع من موسيقي ” مونامور .. “…
كل هذه الأشياء وغيرها دارت في خلدي للحظة .. وانأ أستدير بوجهي , في محاولة يائسة لخلع عيناي من على وجهها الأبيض كالبن الرائق .. ورحت أسبح في بحور من الخيال , وأحلام اليقظة , أما هي فكانت من حين لأخر .. ألحظها تنظر إليّ باستغراب .. وعلى وجهها ابتسامة فاترة تعلوها حمرة الخجل , والحياة.. مرسومة في عيناها علامة تعجب عريضة وشيء من الاندهاش والإعجاب في ذات الوقت .. لمّا رأته من تأثير جمالها عليَّ ….. قطعة من الحلوى ,
” وكأن بعينيها قوة مغناطيسية هائلة .. تشدّني من أخمص قدمي إلي مفرق رأسي , وتجذب كل ذرّاتي إليها .. فلا أستطيع انفكاكا من سطوة جمالها الفتان.. أو مقاومة سحر عينيها ..” …
أرقبها وهى تهرب بعينيها خارج النافذة .. لتحط كحمامتين جميلتين فوق الوجوه الناظرة إليها , والمقبلة صوب القطار, وكأنها تنتظر شخصاً ما .. وكان الوقت يمر ببطء.. وهي تنظر إليَّ من حين لأخر.. ثم تنظر خارج القطار مرة أخرى.. وبداخلي شعور أكيد.. بأنها سوف تسألني مرة ثانية , لكنى تعهدت بيني وبين نفسي .. عندما تسألني مرة أخرى لم , ولن أدع الفرصة تفلت من يدي .. وتمر مرور الكرام , لن ادعها دون أن أغتنمها , وانتهزها .. سأجعل من السؤال حواراً .. ومن والحوار موضوع .. ومن الموضوع قصة .. وحكاية تطول , بطول ساعات السفر , والليل الطويل , وتمتد حتى نصل .. لكنها الآن شاردة الذهن , صامته , مطرقة , وهي تهز رجليها هزات متتالية في توتر , وقلق , وتفرك يديها من حين لأخر في حيرة , وانتظار, وقلق , وكأنها تترقب شيءً ما , أو تنتظر أحداً , وهي تقرض أظافرها من حين لأخر, في شرود ذهني, وكأنها تفكر في شيء ما ولما طال انتظاري , تململتُ .. افتعلتُ صوت سعال .. لعلي وعسى أخرجها من شرودها …. ودار في نفسي حوار عنيف .. ؟ .
” عقلي المريض خيل لي , بأنها تفكر فيِّ , وافترضت أيضاً بأنها تفكر قي طريقة ما , لتبدأ الحوار معي , أو في سؤال أخر, تريد أن تسأله ليّ “
ــ ” هل أبدأ أنا معها الكلام ..؟.. أم انتظر..؟.. وأن بدأت أنا , ترى عن أي شيءٍ سأتكلم ..؟.. وعن أي شيء سأتحدث معها ..؟ .. أأسألها عن سر صمتها الرهيب ..؟.. وتوترها الشديد , واضطرابها المتزايد .. أم عن سر أسألها جمالها الخطير الذي دوخني, وأدهشني , ويكاد أن يذهب بعقلي .؟. أم عن ماذا يا تري ..؟!.. وما عسيَ أن اسألها ..؟!.. أأسألها عن سر الحزن الساكن في عينيها ..؟ والذي يملأ وجهها الملائكي الجميل , الهادئ وعيناها ذات البريق الأخاذ .. والسحر الأسطوري ..؟.. أم تري أأسألها عن سر عدم اهتمامها بي ..؟!!..وعدم مواصلة الحديث معي ..؟. أم عن وجهتها أسألها ..؟.. وإلى أي البلاد تنتمي .. ؟؟.. ” …
وعدت اسأل نفسي .. ” ترى ما سر اهتمامي بها إلي هذا الحد ..؟!!..
هل لأني أريد أن أتحد مع أحد ..؟!!.. أم لأني منذ فترة لم أري حبيبتي .؟! هل لأنها جميلة ..؟!.. وما الشيء المختلف الذي فيها , حتى جعلتني أهتم بها ..؟!!.. والى هذا الحد الذي جعلني أفكر فيها هكذا.؟!!.. والى هذه الدرجة التي جعلتني مشدود نحوها بخيوط غير مرئية , ومنجذب , ومنسحب إليها كقطعة من الحديد الصغير نحو مغناطيس كبير ..؟؟..”
وعدت إلى نفسي ألومها .. وأوبخها تارة , وأعنفها أخري , على كل هذا الخبل , والجنون الذي يدار برأسي ..!!…
ــ ” هل جننت ..؟!! .. كيف سمحت لنفسي بأن أفكر فيها بهذه الطريقة البلهاء , السخيفة ..؟!!.. أمن اجل سؤال عادي جداً , وعابر.. كان من الممكن أن تسأله لزيد من الناس أو عمر , أو لأي أحد غيري .. أهتم بها كل هذا الاهتمام الغير مبرر, والغير منطقي أيضاً .. يبدو أنى أعطيت الموضوع .. اكبر من حجمه الطبيعي .. ” ….
نبهني صوت “الكمسرى”.. الواقف فوق رأسي .. وهو يهز كتف شاب .. مكوم فوق احد الرفوف من شدة الزحام .. مددت له التذكرة الخضراء .. التقطها بحنكة ودربة متناهية النظير.. قربها من نظارته المقعرة .. وضع البطارية الصغيرة المعلقة في عنقه عليها ونظر فيها , فتح دفتر صغير , نقل منها شيئا ما , كتب شيئاً خلف التذكرة الخضراء .. ربما يكون رقم التذكرة.. أو ربما يكون التاريخ .. أو رقم الاستمارة , أو شيئا أخر لا أدري ثم دفعها بها إليّ بتأفف .. يعبث بياقته جاكته الأزرق , وهو ينتظر ريثما يخرج الشاب , القابع فوق الرف , نقوده من جيبه , يدفعه بيده , يحثه على الإسراع , وعدم التلكع .. يدس يده في جيبه .. يعبث بالعملات المعدنية .. ليضبط المنديل الذي وضعه خلف عنقه.. حتي يمتص عرقه المتساقط .. يهزه مرة تلو الأخرى .. وهو يقول له :
ــ ” خلصني “
يقولها وهو يهزه من ساقه .. يمر أحد الباعة من إمامه.. يبتسم له ابتسامة عريضة , بلهاء .. لا يأبه به , ولا يكترث له .. وهو يمرق من وسط الزحام .. قائلاً له :
ــ أهلاً حضرة الريس
يمر بائع أخر , يحمل سبت العيش على عاتقه وهو ينادي :
ـ يا لله سندوتشات للـهــ يأكل ..؟.. بيض .. وعيش .. وجبنا ..
يبتسم له الشاب , يمد له الشاب ورقة بمائة جنيه .. وهو يغالب النوم .. يأخذها الكمساري بسرعة البرق , يفردها .. ينظر فيها , يفركها حتى يتأكد بأنها غير مزورة .. يدعها في قلب الدفتر الصغير .. يرتب الأوراق المالية بطريقة عجيبة.. يفر بعض الأوراق الصغيرة الصفراء , والحمراء التي في الدفتر .. يقلبها.. يكتب خلفها شيئا ما .. وهو يبتسم .. يضع القلم فوق أرنبة إذنه .. يغيب يده في جيبه الأزرق .. يخرج قبضة من العملات , المعدنية يعد له ما تبقى من نقود .. وهو يسأله ..
– رايح فين ..؟
– ……………..
يصفر القطار وهو يتسحب في بطء .. فيتجاوزنا الكمساري بسرعة .. بعدما يكون قد أعطي التذكرة للشاب .. يشق الصفوف بدربة فائقة .. وبطريقة غريبة .. حتى يصل إلى الركاب الواقفين خلف الباب ركبوا تواً.. يقطع لهم التذاكر.. وأنا أتابعه باهتمام .. وألاحظ ما يحدث مع ومعه .. يأتيني صوت الفتاة .. يسألني من جديد …؟
– لو سمحت القطار سيقف على أي رصيف ؟؟
– …. رصيف رقم ” 11 “……..
هزت رأسها لتشكرني من جديد .. وعلى وجهها نفس الابتسامة الساحرة وفى عينيها نفس النظرة , وكلام كثير غامض , لم افهمه .. عدت للوراء ألصقت .. ظهري بالكرسي .. أقنعت نفسي بعدم الاهتمام بها .. أو التفكير فيها مرة أخري .. لكن وعلي حين غفلة مني .. وعلى حين غفلة .. جاءت عيناها الواسعة في عيناي .. أفرغت كل ما بداخلها من غموض , وحزن , وقلق , وتوتر , بداخلي .. التفت إلى صديقي , النائم بجواري , وقد استيقظ من نومه .. فجأة كالمذعور.. وقد انتشرت على صفحات وجهه ابتسامة خبيثة , أعرفها جيدا.. وكأنه يلومني , لما لا أيقظه .. عدل من جلسته , غمز لي بعينه , تثاءب .. فرك عينيه بيديه.. ثم مدهما في الهواء لتمطي .. وانأ أخرج علبة السجاير .. أشعلت سيجارة ماركة محلى الصنع ” كيلوباترا ” سحبت نفسا , حبسته في صدري برهة .. ثم أطلقته في الهواء ..
وعدت في استرخاء .. أنظر للفضاء البعيد , وعواميد النور , واللافتات , والمباني , والعربات , والناس وهي تغدو وتروح .. أدس يدي في جيبي .. أتحسس تسكره السفر , القابعة في جيبي , خلفها التصريح .. لأتأكد أنها لم تزل في جيبي .. أُخرجها مرة أخري .. اقرأها للمرة الــ ……
” يصرح للمذكور …… بالغياب من الوحدة العسكرية ….. بتاريخ ….. إلي تاريخ ……. “
لا أدري لماذا حضرت في رأسي الآن , صورة أمي الحبية الطيبة ….
” وهي علي سطح بيتنا .. وهي تطعم طيورها الصغيرة .. وقد جلست في مكان ما .. وقد مدت رجليها تلتمس الدفء من شمس الشتاء .. وقد نشرت شعرها الأسود الجميل .. لتمشطه علي بشكيرها الأبيض الذي كانت تلف به رأسها .. وهي تغني للطير المسافر .. والحبايب الذين رحلوا عنها وأنا أتطلع في وجهها الذي لم يستطع الزمن ..أن ينال من جماله إلا القليل وكنت أحب أن اجلس لجوارها .. استمع لحكاويها الجميلة .. فهي دائماً تحب أن تحكي ليّ قصتها مع أبي .. وتذكر كيف تزوجها .. أذكر مرة سألتها .. وأنا طفل صغير .. سؤال برئ .؟
ــ ليه يا أمي تزوجتي بأبي …؟!!
نظرت إليَّ , وأشرق وجهها بابتسامة خفيفة .. وتنهدت تنهيدة عميقة .. ثم اتكأت بظهرها على حائط الفرن الطيني البلدي .. وصمتت هنيهة .. ثم راحت تسبح في عالمها الذي لم أره .. حتى ظننت بأنها لن تجيبني عن سؤالي الفضولي .. إلا أنها فاجأتني بالإجابة .. بعدما عدلت من جلستها ..
وراحت تقص حكايتها الجميلة مع أبي ..
صوت القطار مزعج جداً .. والزحام يكاد يسحب الهواء .. والباعة الجائلون يندون على ما يبيعونه .. وصديقي جالس بجواري .. ونظراته زائغة هنا وهناك , ومازالت بسمته البلهاء تملأ وجهه .. والفتاة ما زالت شاردة الذهن , صامته , مطرقة , وهي تهز رجليها هزات متتالية في توتر , وقلق , وتفرك يديها من حين لأخر في حيرة , وانتظار, وقلق , وكأنها تترقب شيءً ما , أو تنتظر أحداً , وهي تقرض أظافرها من حين لأخر .. وأنا أنظر من نافذة القطار المكسورة …. و…..
**************
على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق