ثقافة المقال

الرومانتيكية في شعر عبدالله البردوني

الدكتور سالم بن رزيق بن عوض

يبقى أثر البيئة والتربية والجغرافيا المكانية في نفس المبدع والأديب شاعراً كان أم ناثرا عميقا وحاضرا في تحاربه الإبداعية فالطبيعة الساحرة من أنهار جارية سلسالة وحدائق وبساتين غناء وأشجار باسقة وطلال وارفة وثمار متدلية يانعة ومياه جارية وطيور منشدة وهواء عليل وجواري غاديات ورائحات
هذه الصور السريالية الخيالية هي في الحقيقة الوقود التي تشعل شاعرية الشاعر وهتاف الأديب للأدب.
وشاعر كبير كالشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني رحمه الله تعالى رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته له تجارب شعرية وقصائد عطرية عطرها وطرزها بأثواب وأعباق الطبيعة بل كانت تلك القصائد الشعرية ربما تأثرا بالطبيعة الساحرة التي تشربها الشاعر في طفولته الغضة وبقية حاضرة حية جميلة تقود إبداعه الشعري.
ففي قصيدة ( سحر الربيع) يقول شاعرنا الجميل :
رصّع الدنيا أغاريد و شعرا
و تفجر يا ربيع الحبّ سكرا
وافرش الأرض شعاع و ندى
و ترقرق في الفضا سحرا و إغرا
يا ربيع الحبّ لاقتك
المنى تحتسي من جوّك سحرا
يا عروس الشعر صفّق
للغنا ترقص في ضفاف الشعر كبرا
وهو يرحل بنا في عوالم جمال الطبيعة الخلاب ويرسم صورا بديعة وكأنه يشاهدها رأي العين فيقول :
فهنا الطير تغنّي و هنا جدول
يذري الغنا ريذا و طهرا
و صبايا الفجر في حضن
السنا تنثر الأفراح و الإلهام نثرا
و السهول الخضر تشدو و الربّا
جوقة تجلو صبايا اللّحن خضرا
فكأنّ الجو عزف مسكر
و الحياة الغضّة الممراح سكرى
و الرياحين شذيّات الغنا
تبعث اللّحن مع الأنسام عطرا
و كأنّ الرّوض في بهجته
شاعر يبتكر الأنغام زهرا
و كأنّ الورد في أشواكه
مهج أذكى عليها الحبّ جمرا
و كأنّ الفجر في زهر الربا
قبلة عطريّة الأنفاس حرّا!!
نعم إنها ريشة فنان كبير يصور لنا الطبيعة وما فيها من جمال ويتمثل الشاعر طائر الربيع بعد ما سحره الربيع نفسه فيتقمص دور الطيور في شهر جمال العام و وجوهىة الفصول فيبدأ بحاور عجيب وتساؤلات بردونية في صور درامية نفيسة وحبكة قصصية بديعة قائلا للطائر :

يا شاعر الأزهار و الأغصان
هل أنت ملتهب الحشا أو هاني؟
ماذا تغنّي ، من تناجي في
الغنا و لمن تبوح بكامن الوجدان ؟
هذا نشيدك يستفيض صبابة
حرّى كأشواق المحبّ العاني
في صوتك الرقراق فنّ
مترف لكن وراء الصوت فنّ ثاني
كم ترسل الألحان بيضا
إنّما خلف اللّحون البيض دمع قاني
هل أنت تبكي أم تغرّد
في الربا أم في بكاك معازف و أغاني؟
إن البردوني يؤسس لمدرسة قصصية بديعة ويشعرن الدراما ويمسرح الشعر في حوار جميل بديع وتساؤلات هو في الشعر الحديث أستاذها الأوحد وعرابها الكبير.
ويقف في إلتفاته شاعرية بديعة قائلا لطائر الربيع ومادحا لشجاعته الفريدة وقهره لعوالم الخوف :
يا طائر الإلهام ما أسماك عن
لهو الورى و عن الحطام الفاني
تحيا كما تهوى الحياة مغرّدا
مترفّعا عن شهوة الأبدان
لم تستكن للصمت ؛ لم تذغن
له بل أنت فوق الصمت و الإذغان
هذي الطبيعة أنت شاعر
حسنها تروي معانيها بسحر بيان
ترجمت أسرار الطبيعة
نغمة أبديّة في صوتك الرنّان
و عزفت فلسفة الربيع
قصيدة خضرا من الأزهار و الريحان!!
إن هذا اللون من شعر البردوني ظهر ملازما له في بداياته فأسلم الشاعر للبيان الشعري قيادته يتجول في الطبيعة الجميلة المغروسة فيه والتي تشبع بها شاعرنا فأخرجت عددا من القصائد الشعرية الجياد والجميلة في عوالم الطبيعة.
الشاعر السعودي الدكتور سالم بن رزيق بن عوض

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق