ثقافة المقال

التعصّب ليس له خيال

بقلم الكاتب طه بونيني

علّمتني أسفاري بأنّ النّاس في كلّ مكان متساوون. عبرتُ المدن والقرى في ربوع الوطن، ولم أر إلا الإنسان نفسه. لا فرق ولا أفضلية.
ومهما اختلفت ألسنتنا ومدننا وأصولنا، فنحن جميعا ذلك الإنسان. ومهما بدا هذا متمدّنا، أو ذاك قَرَويا، فهُما سواءٌ أمام إرادة الحياة.
قد تسمع إشاعة عن مدينة أو منطقة، وقد تردُ مسامعك بعض الأقاويل عن سكان مدينة أو شعب منطقة، وقد تكون من الذين يصدّقون الإشاعات، أو ممّن لا يصدّقونها، لكن الأمر الذي لا يحتمل الشكّ، هو أنّ تلك الإشاعات ستزول مع زيارة هذه المنطقة أو هذا الشعب.
أخطاء التعصّب كثيرة ومنها التعميم، كأن يقول أحدهم عن شعب منطقة ما، بأنّه جلف أو خشن أو غبي أو جبان … وشعب منطقتنا وعرقنا أفضل… ومشكل التعصّب كذلك أنّه بلا خيال، فقد يصدقُ ذلك الوصف على شخص واحد أو اثنين، لكنّه لن يصدق على الجميع.
جميعنا نحلُم. يخرج هذا من بيته، في أمل الحصول على عمل، ويخرج ذاك لينجح في عملِه الذي يشغلُه. وتوقظ تلك الأم أبناءها على أمل أن تراهم يكبرون وينجحون. ويتوجّه أولئك الطلبة نحو المدارس والجامعات يحدوهم حلم التخرج والنجاح. وكذلك التاجر والحرفي وغيرهم. حتّى أولئك البسطاء الذين تعوزهم الأحلام، يأملون لو يحلمون! ​
إنّها إرادة الحياة ببساطة.
وإذا كان بين الناس شيء مشترك لكان الحلم. فالنّاس جميعا أبناء الأحلام. ولهذا فهم متشابهون. البشر ليسوا كائنات أبدية، تولد لتجدَ كلَّ ما تريده متوفّرا أمامها. بل نحن كائنات تعيش لأعوام معدودات، تولد فارغة العقل والوجدان، وبين الحياة والممات، تتعلم شيئا فشيئا، وما يجعلها تمضي قدما نحو الأمام، هو الحلم والأمل، الذي يُغذيها يوما بعد يوم.
آمالنا وأحلامنا كثيرة. وغاية البشر الكبرى معرفة الحقيقة، ومعنى الخلق وماهية الحياة والممات وما وراءهما. وحُلمنا وأملنا الأكبر هو الجنّة.
جميعنا سِيان، تفرِّقنا المظاهر والقشور، والألوان والعقليات والطبائع لا غير، لكنّنا في الجوهر، متماثلون، نتقلب فوق هذه البسيطة، نرقى ونسقط، نسعد ونشقى، وقد تجرُّنا الظروف للنجاح أوالفشل، لكن في أقسى الظروف، وفي أحلك لحظات اليأس نحلم، حتّى لو كان هذا الحلم هو الموتُ، فهو لا يزيد عن كونه أملٌ بالراحة وحلمٌ لِما وراء حياة اليائس التعيسة.
والناظر في حياة البشر، يجدها حركةً بلا توقف، حركة جوارح وخيال وأفكار، فهو لا يركُدُ أبداً، وكل هذا تحركه إرادة الحياة، بالأمل والحلم. حتّى ذلك الركود الذي يُصيب شخصا ما، إنّما هو ترجمة لحالة ضعفٍ تأمل فيها النفس العودةَ إلى الحياة.
هكذا هم البشر في كل مكان. لكن التعصُّب بلا خيال. فإذا قيل لك يوما، بأن أهل قرية في سفح جبل، هم بلا حياة، فلتذهب وتتقصى، ستجد الحياة تنبض هناك، وسترى الناس يأملون ويحلمون ويؤمنون بما تؤمن، ويعلمون ما تعلم وما لا تعلم، وقد تجد من الجواهر ما لم تجده من قبل!
يظنّ المرء أحيانا بأنّه مركز الكون، وبأنّ عشيرته وقبيلته ومدينته مركز العالم، عندما يعزل نفسه داخل صندوق التعصّب، أمّا عندما يسير في الأرض، وينظر في آلاء الله وخلقه بنفس متفتحة، يُفنّدُ شعوره ذاك، ويتيقّن من سعة الحياة التي كان يُضيّقها بفكره، ويرى بشرا غيره، بل آلاف البشر عداه، يَحيَون ويتنفسون من هواء الأرض مثله، ويتخبطون في سطح هذه البسيطة ويسعون في كل حدب وصوب. فيرى الأطفال لاعبين، تتفتّح أعمارهم كزهرة، والشباب راغبين، وهُم في خضمّ الحياة يعاركونها، والكهول دائبين وقد انصرفوا من حياتهم إلى حياة أبنائهم يعيشونها معهم وكأنّها حياة ثانية، والشيوخ في حصائد أعمالهم التي زرعوها طوال الحياة، ناعمين أو شاقين، فمنهم من يحصد الحكمة ومنهم من يجني الخيبة.
فلنذهب ولنخرج من قوقعاتنا، ونمشي في أزقة القرى الصغيرة، أو شوارع المدن الكبرى، ونجلس أمام راعٍ يتعهّد ماشيته، ستجد كل معالم الحياة، البسمة والضحكة والدمعة والألم والذكريات والرغبة والندم والحيرة والإيمان وكلّ ما يختلج في صدرك من مشاعر ويعتمل في رأسك من أفكار. إنّهم يختلفون عنا في المظهر، يُماثلوننا في المخبر.
إنّنا نجد كل هذا، أينما وُجدت النفس البشرية، والتجمعات، صغيرة أو كبيرة، حتّى البدو الرحّل أو القبائل النائية في أصقاع الأرض. عيب المدنية المغرورة، أنّها تحتقر، وتعتقد بأنّها لمّا تغزو بالحرب أو الفكر، أرضا مسالمة تراها متخلفة بعينها، إنّما هي تنقل إليها من المدنية، وهي لا تدري بأنّها تنقل إليها فيروسا كانت سليمة منه. فالسلام والحكمة والفطرة والمعرفة التجريبية النقية التي توارثتها تلك المجتمعات التقليدية الريفية على بساطتها أعظم وأجمل من أمراض المدني والتحضّر الشائب. لكنّ أشباه المتحضّرين لا يعلمون! ولأنّ التعصب ليس له خيال!

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “التعصّب ليس له خيال”

  1. بارك الله فيك على هذا المقال ال رائع الذي اصبت فيه بيت القصيد ، فالتعصب في مجتمعنا أصبح عادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق