قراءات ودراسات

الشِّعرُ بالنِّيَـات!

أ.د/عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي

-1- هل يكفي أن يكون الإيقاع الشِّعري مجرَّد نبرةٍ لغويَّةٍ تفرِّق بين (لغة الإنسان الآليّ) و(لغة الإنسان الذي خلقه الله)؟

وما الإبداع البدائيّ إلَّا ذلك التلمُّس الطفوليّ!

ولماذا العودة إلى صِفر البدايات الإنسانيَّة في التشكيل الفنِّي للغة؟!

تُرى أ الفنون بناءٌ وتواصلٌ وإضافاتٌ، أم هي ارتدادات إلى البدايات السحيقة في لغة إنسان الغاب، ومحاولاته الأولى لمناغاة الحيوان ومحاكاة الطبيعة، والاكتفاء بذلك على أساس أن ذلك غاية الإيقاع (الحديث)؟!

إنْ هو إلَّا منطقٌ رجعيٌّ، يُسوَّق في سطحيَّةٍ، باسم: الحداثة، والتجاوز، وتقدُّميَّة النصّ الشِّعريّ.  وهو تجاوزٌ حقًّا، وتقدُّمٌ صدقًا، ولكن إلى الخَلْف الغابر!

بل قد يستدركون هنا: إن الإيقاع نفسه، حتى في مستواه النثريّ غير ضروريّ، لتوليد الشِّعريَّة.

وعليه، لم يَعُد عنصرٌ من عناصر الشِّعر ضروريًّا.  وهكذا، فحتى ما يدَّعونه لقصيدة النثر- كالإيقاعيَّة- لا يتلبثون قليلًا حتى يسحبوه، أو- بالأحرى- حتى يفرُّوا منه، لعدم وجوده، أو لعدم معرفتهم مَخْبَأَه من النصّ، أو لعدم قدرتهم على إثباته، أو تحقيق دعواهم فيه؛ لأنه محض سرابٍ كتابيٍّ، وأكذوبة نقديَّة!

وبذا يتحوَّل مفهوم الشِّعر إلى طلّسم غيبيّ، مجهول الهويَّة والماهيَّة، لا يخضع لتقييمات الذهن البشريّ، ولا تضبطه القواعد!  وإنما ينغمس فيه أهله تحت نزعةٍ من عبادة الشِّعر، ضمن سياق عالميٍّ حديث ممَّا يمكن أن يُعدَّ نوعًا من عبادة الفنَّ، تكثَّف لدى العرب على وجه الخصوص في (عبادة الشِّعر)؛ لأسباب نفسيَّة واجتماعيَّة وثقافيَّة مُعْرِقة، كما نعلم.  ولذلك لم يَعُد دفاع هؤلاء عن فنٍّ، أو عن جنسٍ أدبيٍّ، بحيث يقوم دفاعهم على مرتكزات معرفيَّة، أو ذهنيَّة، أو أدبيَّة يمكن أن تُحاور، وإنما يقوم دفاعهم على معتقدٍ خرافيٍّ، ينبثق عن هوسٍ بلافتة «شِعر» لذاتها، قد يصل، كأيِّ معتقد، إلى درجة من التعصّب الأعمى.  وأيّ استخفافٍ بالعقل الجمعيّ، وبمنطق الفنّ، ومعايير بنائه، بعد هذا؟!  لأجل ذلك يبدو الجدال في هذا المضمار غير مجدٍ في المستوى الإقناعي، لكنه ضروريٌّ في البُعد الأبستمولوجي والثقافي.

ولمَّا كان ذلك كذلك، بتنا إزاء ما يبدو (شِعر اللَّا شِعر)، و(لغة اللَّا لغة)، و(فنّ اللَّا فنّ)، وعودة الإنسان إلى طفولته البشريَّة!  وبذا، أصبح «الشِّعر سهلًا جدًّا، وقصيرًا سلَّمه!» لدى هؤلاء، بل لم يَعُد للشِّعر من سُلَّمٍ أصلًا؛ بل صار أرضًا دَمِثَة يمشي عليها كلُّ ناطق، أو حتى كلُّ لاثغ!  ولقد يُستغنَى غدًا عن النطق أيضًا، ويُكتفَى بالإشارات، أو الإيماءات، على طريقة الصمّ البُكم في تعبيراتهم اللغويَّة، ولسوف يُسمَّى ذلك كلّه يومئذٍ: شِعرًا حديثًا، ربما جاء من يسمِّيه لنا: (قصيدة الإيماء)، أو (قصيدة الإشارة)، أو حتى (قصيدة النيَّة)؛ فإنما الشِّعر بالنِّيَات!  وسيوصف ذلكم الشِّعر المستقبلي بأنه شهقةٌ جديدةٌ في مسيرة التطوُّر ومآلات الإيقاع!  كيف لا، ونحن في عصر الصورة والإيحاء والإيهام- كما قيل- ولم نَعُد في عصر اللغة والأدب!  وتلك هي النهايات الجماليَّة في تطوُّر اللغة والشِّعر والإنسان، كما يراها من آلَوا على أنفسهم رفض كلِّ ذَهَبٍ؛ لأنه عربيّ، واعتناق كلِّ صُفر، أو «تَـنَـك»؛ لا لشيء، إلَّا لأنه غربيّ!

تلكم إذن مغالطاتٌ نوعيَّة، ومخاتلاتٌ ثقافيَّة، وسفسطاتٌ نقديَّة، يستفزُّ كشفُها مَن يُصِرُّون على إلصاق قصيدة النثر بالشِّعر العربيّ، أكثر من استفزاز قصيدة النثر للشِّعر العربي؛ من حيث إن قضيَّتهم قد أقاموها على أن لا قيام لقصيدة النثر إلَّا أن تكون شِعرًا، ومَن لم يُسلِّم لهم بتلك الدعوَى، بات عدوًّا لدودًا، مهما جاء في ثياب صديق!  وهم أنفسم- أعني المُصِرِّين على أن قصيدة النثر شِعر- أعداءُ قصيدة النثر حقًّا، كما كان عبيد الشِّعر قديمًا أعداء الشِّعر، في تجلِّيه الأنقى!  لماذا؟  لأنهم أبناء الخطاب الوعظيّ التقليديّ عينه، خطاب الولاء والبراء، الذي يوجِّه، ويَفرض، ويُقاطع، فإمَّا أن تقتنع برأيه، وتدبّ على دربه، غصبًا عنك، وإلَّا فلتصمت على الأقلّ عن المجاهرة باختلاف رأيك!  وإنْ لم تسمع وتُطِع، فأنت، لا ريب، خصمٌ، وقد برئتْ منك الذِّمَّة!  وتلك عقليَّةٌ غير حضاريَّة، ولا حواريَّة، ولا تفاهميَّة، ولا يجتمع لديها سيفا رأيٍ في ذهنٍ واحد.  وهذا يكشف عن زيف الوعي الحضاريّ والحداثيّ وراء تلك الدعاوَى الكتابيَّة والنقديَّة العريضة، فتجد أربابها عصاباتٍ، أشدّ تعصُّبًا وتشنُّجًا وإقصاءً لمخالفيهم ممَّن يصنِّفُونهم على أنهم محافظون وتقليديُّون وأصوليُّون متعصِّبون.

-2-

لا قيام لقصيدة النثر، لدى عبيد الشِّعر الجُدد، إلَّا أن تكون شِعرًا، بل لا قيام لقصيدة النثر إلَّا بزحزحة الفهم العربيّ لماهيَّة الشِّعر، وبأيّ وسيلةٍ، وإحلال غيره محلَّه، كي يستوعب النثرَ الشاعري (أيضًا)!  لا بُدّ، إذن، من تحطيم تلك البنية الشِّعريَّة الخاصَّة للشِّعر العربيّ، كي يستقيم للنثر أن يسمَّى شِعرًا، كما استقام للنَّظْم العَروضيّ من قبل أن سُمِّى شِعرًا.  وتلك البنية الشِّعريَّة العربيَّة كانت لا تَرى أن خاصيَّتي التخييل والشاعريَّة كافيتان لجعل الشِّعر شِعرًا؛ لأنهما موجودتان في ضروب شتَّى من النصوص، كما لا ترى أن خواصّ النَّظْم العَروضيّ والمَوْسَقة والتسجيع كافية لجعل الشِّعر شِعرًا؛ لأنها موجودة في ضروب شتَّى من النصوص.  ولقد كانت تلك النظميَّة مضلَّتنا العتيقة، نُصِّب على أساسها نظَّامون كثر أمراءَ شِعرٍ، وما في رؤوسهم من شِعريَّة المعاني شَرْوَى نقير، وإنما هو رصف الكلمات وفق البحور والقوافي.  مصداق هذا التاريخ- على جبهة النَّظم المسمَّى شِعرًا زورًا- أن يرتضي (شوقي- أمير الشعراء) القولَ «شِعرًا»، ما لا يُرتضَى أن يقال ولو «نثرًا»، لخوائه من المعنى الأدبي.  كقوله مثلًا:

المُستَبِدُّ يُطاقُ في ناووسِهِ  **  لا تَحتَ تاجَــــيهِ وَفَـوقَ وِثابِــهِ

وَالفَردُ يُؤمـَنُ شَـرُّهُ في قَـبرِهِ  **  كَالسَيفِ نامَ الشَّرُّ خَلفَ قِرابِهِ!

أي: أن المستبدُّ يُطاق في قبره، ولا يُطاق وهو حيّ!  يا لفرحة المستبدِّين الخالدين جميعًا!  فلا حلّ للشعوب معهم إلَّا الانتظار حتى يَصِلوا إلى نواويسهم، أو يعجِّلوا بهم إليها!  وهذا ما أثبت صحَّته الربيعُ العربي!  ويُلحظ هنا أنه اختار للتعبير عن (قبر المستبد)- ذي التاجين- كلمةً شِعريَّةً موسيقيَّة نادرة، هي «ناووس»، كما يليق بجلال قدر المستبد!  فلله دَرّ شوقي، أيُّ عبقريَّةٍ ألهمته ذلك المعنى الدقيق، وأيّ خيالٍ غاص به على دُرِّه المكنون، في ناووسه؟!  ومع هذا فهو: أمير الشعراء العرب، وربما العجم أيضًا!  وهو، بلا شك، ناظمٌ كبير، ومثقَّف هائل في زمانه، وبارعٌ في تصريف اللغة، ومرهف الحِسِّ جدًّا لموسيقاها، أمَّا المعاني والأخيلة، فكما ترى، كانت تُسِفُّ به إلى درجةٍ عجيبة.  فليس النظم الموسيقيّ ما يكسب الشِّعر هويَّته.  وإنما الشِّعر- الذي يستأهل هذا الاسم لدى العرب- هو ماهيَّة مقصودة، تتكاثف فيها تلك الخصائص على نحوٍ خاصٍّ مائزٍ جدًّا، قد شكَّلت بناءً مستقلاًّ رفيعًا، لا شبيه له، وجنسًا متفرِّدًا، لا نظير له، ولا يلتبس بغيره بحالٍ من الأحوال، اللهم إلَّا لدى جاهلٍ جهلًا فاضحًا بالنصوص والأجناس، ذوقًا ونقدًا.  ولذلك سَمَّى العرب مفرد ذلك الجنس: قصيدة.  وكهذا الضلال الشِّعري القديم، طمّ خِضَمُّنا الفوضويُّ الحديث، في إلصاق النثر بالشِّعر.  يأتي ذلك في ميدانٍ مفتوحٍ من مفاخراتنا الحديثة بعبقريَّات الجهل.  ولا غضاضة من الاعتراف بأن الثقافة العربيَّة ظلَّت حديثًا تستورد أشكالًا فنيَّة جاهزة، جهلًا بمادَّة الفنّ، أو استسهالًا لمفهوم الحداثة والتحديث.  وذلك مثلما هو الحال في حياتنا العامَّة؛ حيث إن حداثتنا الحياتيَّة المدَّعاة هي محض استيراد للتقنية ووسائل الرفاه المعاصرة التي أنتجها غيرنا؛ فهي حداثة استيراد في الواقع، وحداثة اتِّباع في المعطى الأخير، لا حداثة ابتداع، ولا ابتكار، ولا حداثة توليد لما هو حديث من خلايا معطياتنا الذاتيَّة والحضاريَّة؛ ولذا فلا عجب أن ترى رصيدنا الإنسانيّ الخاصّ، ممَّا نباهي به في حياتنا اليوم: صِفرًا على الشِّمال في «بورصة» الحضارة.

تلك هي حقيقتنا، التي لن يمحو وجهها الكالح توزيعُ «مليشيات» الحداثة أهراماتها على أنصارها من الأوس والخزرج، أو تصنيم الأسماء الحركيَّة الجوفاء في الآفاق.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق