ثقافة السرد

في الحديث عن الأشياء التي ندوسها و لا تردّ

راضية تومي

أمشي و لا أشعر إلا بثقل الأشياء التي أحملها. حقيبة اليد الصغيرة، محفظة الحاسوب و ما تحتويه من أوراق و كتب، و جسدي.
في لحظات المشي تستغرقنا لحظات أخرى تبتلع أثقالنا فننساها. ندخل عن طواعية في عالم الذهن. نفكر. نحسب. و في عالم المشاعر، فنشعر: غضب، أسف، فرح، ألم، ملل…
أمشي على الأرض… في الواقع، باطنا القدمين الملامسان للحذاء من الداخل يمشيان على الأرض. و أسفل الحذاء يدوس في كل خطوة مساحة من الأرض. أرض ترابية، أرض مزفّتة، بلاط…
هناك دوس دائم لملايير الأشخاص على مساحات كبيرة متكررة من الأرض، مساحات لا تردّ علينا حينما ندوسها. تلك المساحات الخالية من الحصى المزعج لأقدامنا أو الحجارة الناتئة التي بإمكانها أن تُشوِّه وطأتنا و تشعرنا بالألم.
كم من المساحات الملساء والمسطحة أو الطرية التي ندوسها كل يوم و لا تنبس ببنت شفة؟
تعوّدنا أن ندوس الأرض، هذا الكائن أو الشيء الصامت الذي يستقبل دَوْسنا و كأنّه قدَر من الأقدار. تستقبلنا الأرض كما تستقبل الأرحام الحيوانات المنوية مُحِبة عاشقة أو راضخة مستكينة أو مستباحة مغتصَبة…
هذه المساحات التي ندوسها كل يوم و نحن نذهب مشيا إلى أعمالنا أو خلال نزهاتنا أو جريا خلال رياضتنا أو إلى وجهات ضرورية مستعجَلة، لا تتأوّه…لا تقول توقف يا هذا أنت تدوسني! إنها تَقبلُنا بكل بساطة…
كم من المساحات التي نجلس عليها و لا ترفض جلوسنا عليها؟ كم من الكراسي؟ و المقاعد؟ و الأرائك؟ و الأسوار و الحجارة المرصوفة على جانبي الطريق…ندوسها، نجلس عليها…تستقبلنا بصمت و ترحاب لا يكلّ…إلا حينما تهترئ، تشيخ، تفقد أجزاء من كيانها و تصبح غير قادرة على حملنا…حينها نرممها أو نرميها و نأتي بغيرها ببساطة…
من الناس من يُداس عليهم مثلما يداس على الأرض أو يُجلس عليهم كما يُجلس على أريكة…لا تسمع لهم تأوها أو صوتا…ربما هم أقرب الناس إلى من يدوسونهم. يصمتون حبا فيهم أو خوفا من غضبهم. يحجمون عن التعبير عن الآهة الصغيرة و الكبيرة كي لا يزعجوا أحدا أو لأنهم يعتقدون أنه من حق الدائس أن يدوسهم…
في الكثير من العلاقات نجد دائسا و مَدُوسا. دائس متعمِّد أو غير متعمِّد و مَدُوس صامت، يكبت الوطأة بدوافع مختلفة: حبّ، تعلّق، خوف، خجل…
أما أسوأ الدّوس فهو دوس متعمَّد، ذلك أنه صورة لنفس مريضة لا تشعر و لا تحس. أماّ الإنسان الذي يحجِم حبا أو خوفا عن ردة الفعل حينما يداس فهو إنسان لا يعرف حقوقه. أو هو إنسان لا يُميز بين الحب الصحي و الحب المرَضي. و ليس لأنه كذلك، يستمر الدائس في دوسه.
الدّوس المُتعمَّد دليل نفس مريضة لا ترى البشر الآخرين مساوين لها في الحقوق. تعتقد أنهم و الأرض التي تمشي فوقها سواء.
لكن ليس كل صمت دائم و ليس كلّ دوس دائم. فحينما يعرف كل إنسان حقوقه كإنسان، سيرفض الدّوس و لن تبقى إلا الأرض المسطحة قابلة لأن يدوس عليها بني البشر.

 09/12/2019

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق