قراءات ودراسات

“روح أبويّ”.. كيف تكتب رواية سياسية بمعايير جمالية

أحمد عبد اللطيف

إذا كان سؤال السلطة هو السؤال المركزي في رواية أميركا اللاتينية في النصف الثاني من القرن الماضي، وذلك لأن أبرز كُتّابها، المؤسسون لتيار الواقعية السحرية، عايشوا الديكتاتورية العسكرية في أوجها، خاصة منذ الخمسينيات وحتى أوائل الثمانينيات، فإن السؤال نفسه لا يزال مركزياً في الرواية نفسها مع جيل وُلِد في السبعينيات، وظهرت رواياته في الألفية الجديدة. لكن طرح السؤال نفسه لا يعني استخدام الباراديغم الجمالي نفسه، ولا اللجوء إلى إعادة إنتاج الرواية نفسها، أو الوقوع في أسر التيار السردي نفسه. أبناء السبعينيات الذين يكتبون عن ديكتاتورية تلك الحقبة في الألفية الجديدة يقفون زمنياً على مسافة كبيرة من الحدث، الديكتاتورية العسكرية وتوابعها هي ذكريات طفولتهم، هذا هو الاختلاف الأول الذي سيخلق رواية مختلفة إلى حد بعيد، ذكريات الطفولة من ناحية، واستعارة ذاكرة الأب من ناحية أخرى، خاصةً لو كان من بين الآباء من تورط في الحياة السياسية، كطرف معارض. تغير الموقع سيؤدي بالضرورة إلى تغير المنظور، الزمن الذي انقضى من ديكتاتورية لانتقال ديمقراطي لديمقراطية، وما بينها من انتكاسات، وما بعدها من متاهات، سيقدم للجيل الجديد درساً في فهم عميق للأحداث. ذكريات الطفولة لن تكون عابرة، ليست حياة طبيعية عاشها طفل بين أسرة مستقرة وتعليم سهل، إنما فقدان حقيقي لمعنى “العائلة”، وحياة تدور بين الخوف والتهديد. وإذا كانت رواية الجيل القديم تستعرض “اللحظة”، فرواية الجيل الجديد تسترجع “اللحظة السابقة” وأثرها على “اللحظة الآنية”، وفي هذا الاسترجاع، يكمن اختلاف”الرواية”. لكنْ ثمة اختلاف آخر لا يمكن إنكاره في الرواية اللاتينية الحالية عند تناولها لفترة الديكتاتورية، أو تمركزها حول السلطة كسؤال كبير، أن الكُتّاب أنفسهم أكثر وعياً بالكتابة، وأكثر هضماً للكتابات السابقة، وأكثر تمرداً عليها في الوقت نفسه. و”أكثر” هنا لا تعنى الأفضلية الفنية، إنما تشير إلى المبدأ في رحابة إدراك الأصغر سناً واتساع أفقه (ماركيز مواليد العشرينيات، والجيل الجديد مواليد السبعينيات، وهناك خمسون عاماً بين الجيل القديم والجديد، ما يسمح برؤية العالم بشكل مختلف).

حكاية تاريخية عبر التقصي
في رواية “روح أبويّ، لا تزال تصعد في المطر” للكاتب الأرجنتيني باتريثيو برون (1975) ثمة ذاكرة مفقودة، وحدث بوليسي، وربط الحدث البوليسي بحدث آخر سياسي يسبقه بثلاثين عاماً، وثمة استعادة للذاكرة. ثمة ابن هاجر من بلد غير البلد الذي ناضل أبواه لتكون لهم، وثمة عودة اضطرارية واكتشاف للتغيرات. ثمة ابن يتقصى تاريخ الأب، وأب يتقصى يوميات حادثة قتل مواطن عادي لا يلفت الانتباه، وفي تقصي هذا المواطن يتقصى الأب والابن كذلك تاريخ الأرجنتين في السبعينيات، تاريخ فتاة اختفت قسرياً، وبعد سنوات طويلة، أكدت الشهادات أنها قُتِلت في مبنى مديرية الأمن. ثمة عودة لرسم أرجنتين عميقة كان فيها الاختفاء القسري والاعتقال والقتل هو رد النظام على المعارضة. عبر هذه الخطوط المتصلة المنفصلة يشيد باتريثيو برون رواية على غير نموذج، يسلّم فيها كل “مخبر سري” حكاية إلى “مخبر سري” آخر، ليكون التقصي كفكرة بطلاً رئيسياً في العمل، سواء كان تقصي الابن الذي يفضي لاكتمال الحكاية، أو تقصي السلطة بالمعنى الرقابي الذي يؤدي لخلق الحكاية نفسها. ومثل معظم حكايات التقصي، فالبطل الحقيقي عادةً ما يتم اكتشافه مؤخراً، إنه الكنز المختبئ الذي يظهر في النهاية ليكشف كل شيء.
ينطلق برون من أبعاد ذاتية: بطل كاتب، أب صحافي، هجرة للدراسة والعمل بألمانيا، ثم حادثة قتل في مدينته الأم يطلع عليها (عقب عودته لمرض الأب)، من خلال أوراق أبيه. تشغل حادثة قتل ألبرتو بورديسو (وهي حادثة حقيقية) ما يقرب من نصف الرواية، والأوراق التي جمعها الأب عنها (وكتب بعضها ونشره كصحافي) نشرت بالفعل في جريدة “التريبول”، و”لا كابيتال”. نحن أمام تجريب جريء، اعتمد في نصف العمل على مادة صحافية، رواية سعت بكل الطرق لتكون رواية “حقيقية” بمعناها الواقعي والسيري، رواية ملتزمة عمادها السؤال السياسي. مع ذلك، لم تقع الرواية في فخ “الرواية السياسية الملتزمة”. انشغلت الرواية في مجملها بسؤال الفرد، وربطه بالسؤال الجمعي. توقفت عن سرديات القهر والغوص في أحداث شهيرة عن الاغتيالات والاختفاءات القسرية وإرهاب الدولة، لتنتصر لسردية طفل لكون أبيه صحافياً معارضاً لم يعرف معنى الأمن ولا الطمأنينة، الأب والأم المهددان بالقتل لكونهما أعضاء في منظمة بيرونية مسالمة تم حلها بالفعل نقلا هذا الرعب للأبناء. ولأن البطل هو الابن الأكبر، فهو الأدرى بهذا التاريخ. أليثيا بورديسو، أخت القتيل، هي البطل المختبئ وراء الأحداث، الفتاة التي اختفت حين كان عمر البطل عاماً واحداً، وكانت عضوة في منظمة الأب. الانطلاق من المحور الذاتي هو ما أنقذ الرواية من وقوعها في شرك الرواية التقليدية عن الديكتاتورية. وهذا اختلاف آخر عن روايات جيل الواقعية السحرية.

زمن الرواية
تمتد الفترة الزمنية للرواية من السبعينيات، وحتى 2010، لكنها تركز بؤرتها على عامي 76 و77، بداية الديكتاتورية العسكرية الأخيرة، وحادثة اختفاء أليثيا بورديسو، ثم عام 2008، حيث وقوع حادثة قتل ألبرتو بورديسو، والتغطية الصحافية المحلية لها. وهي فترة كافية لمراجعة فترة حكم قاسية اختفى خلالها ما يزيد على 40 ألف مواطن لم يظهروا مرة أخرى. ثمة فترة أخرى، بينها، لم تذكر بالتاريخ، لكنها مفهومة من السياق، وهي سنوات الثمانينيات الأولى (سقط النظام عام 83)، سنوات بداية المدرسة، والخروج من البيت مع الاستمرار في البراءة. هنا يسرد البطل مشهداً يمكن أن يلخص سنوات الرعب: الأب يخرج من البيت أولاً، ليكشف على السيارة، ثم ينادي أبناءه ليوصلهم إلى المدرسة. الأبناء، رغم صغر سنهم، يعرفون لماذا يكشف الأب على السيارة: يتأكد أنها لا تحمل قنبلة ستنفجر بمجرد تشغيلها. هذه التفاصيل المتناثرة، المتعلقة بالفرد والجماعة في آن، كانت أحد الباراديغمات الجمالية التي اختارها برون. السردية الكبرى تأتي هنا متشظية ومفتتة، الحدث الكبير غائم في مقابل الأحداث الصغيرة، والبنية المتماسكة ليست إلا خطاً يسير من تحت بحر بنيات أخرى مفككة، واللغة، لبراعتها، تخلق إيقاعاً كأنها معزوفة موسيقية كلاسيكية، تعتمد الكرشندو كوسيلة، فترتفع الأحداث بالتدريج حتى تصل إلى الذروة، والذروة المبتغاة هنا هي دخول الأب والابن في غابةٍ، وسير كل منهما منهكاً، والبحث عن مخرج. أثناء ذلك، تطرح الرواية تصوراً عن أبناء المناضلين السياسيين، عن الأثمان التي يدفعونها بدون ذنب يرتكبونه، سوى آمال الآباء وتطلعاتهم في وطن أفضل يكون صالحاً لأبنائهم. ربما لذلك، كانت نية المؤلف (لأنه لم يناضل، ولم تكن ذكريات النضال إلا ذكريات مستعارة) أن يحث من عاشوها على الإدلاء بشهادتهم، أن يقولوا هم أيضاً كيف عاشوها.

التوثيق الجمالي
اختارت الرواية لذاتها أن تقع في منطقة بين التوثيق التاريخي والشخصي، كسيرة ذاتية متخيلة. الأحداث الرئيسية المروية معروفة ومسجلة، بالأسماء، لكن ربط هذه الأحداث بالجزء الذاتي هو ما منحها جمالية روائية بعيداً عن الرتابة. نحن أمام منظمة سياسية تكونت بعد سقوط بيرون، لتتبنى أفكاره الإصلاحية منظمة عادت أيضاً منظمة أخرى بالأفكار نفسها، لكنها اختارت السلاح كوسيلة للدفاع عن أفكارها. المنظمة المسالمة التي انتمى إليها الأب، والبطلة الغائبة أليثيا بورديسو (المختفية قسرياً بعد حل المنظمة بسنوات قليلة)، أنهت نشاطها بعد موت بيرون، كأن بموته ماتت أفكاره. هذا الحل هو ما أنقذ أفرادها من الاغتيال، بحسب المؤلف. هو نفسه كبطل لم يأت إلى الحياة إلا كسلوى لأبويه بعد أن فشلت تطلعاتهما السياسية ولاح في الأفق شبح ديكتاتورية عسكرية جديدة. الإنجاب كان ضمانة بالبعد عن السياسة، كان حاجزا وقف بينه وبين اغتياله، كان مثل راية بيضاء رفعها الأب أمام الديكتاتورية. الأب، البيروني ذو الخلفية الماركسية، صدّق عبارة لـ بيرون كانت من أسباب سلميته، أن الزمن أفضل من الدم لإحداث تغيير، أو لمواجهة سلطة. العبارة لا تبدو ثورية، هي مسالمة بكل معانيها، تدعو للعمل السلمي والتمرد السلمي بدون إهدار دماء وإتاحة الفرصة للسلطة الغاشمة بالتصفيات الجسدية، يتسق ذلك مع موقف بيرون من المنظمة المسلحة التي سمت نفسها منظمة بيرونية، كان رافضاً لها، لم يتفق أبداً ولم يوافق على الدفاع عنه بالسلاح. بذلك، كان أبو البطل، الصحافي المعارض، نموذجاً مثالياً للبيرونية: العمل على الأرض والوصول للقرى والنجوع عبر سلسلة من الخدمات، عبر السياسة، وليس السلاح. منظمة أدركت أن مواجهتها الحقيقية هي تغيير المجتمع أولاً لإعداده بقدر المستطاع للحياة السياسية، ولاستغلال هذا التغيير من أجل وعي سياسي يفيد في الانتخابات. إنه الوعي السياسي من قبل الصحافي المناضل ما كانت تحتاج إليه الأرجنتين، وهو الحصاد الذي حصدته الأرجنتين في انتقالها الديمقراطي.
المؤلف/ البطل يقدم مراجعات للفترة، أسئلة حولها، ماذا فعل جيله للأرجنتين؟ ماذا كان يجب أن يفعلوا؟ لا يمكن فصل اكتئاب البطل وإدمانه للأقراص المخدرة التي أدت لفقدان جزئي للذاكرة عن فقدان أكبر عاشه: فقدان البيت والعائلة، حتى مع وجودهما. خيبة الأمل امتدت حتى بعد انتهاء الديكتاتورية، تحول الأرجنتين إلى السياسة النيوليبرالية، ما أدى إلى فشل اقتصادي كانت نتيجته إعلان إفلاس الدولة، أزمات متلاحقة في أواخر الثمانينيات والتسعينيات. القضاء على الديكتاتورية العسكرية سمح بعودة حرية الرأي والتعبير ونهاية دولة الخوف، لكن الوصول لحياة سياسية متزنة كان تحدياً آخر، تحدياً كان البيرونيون (أبو البطل ومنظمته المنحلة) بوسعهم أن يواجهوه بسياستهم الاشتراكية التي تراعي الطبقات الأفقر، لكن اليمينيين من استحوذوا على الحكم. هذا ما لم تقله الرواية رغم أن السبب المنطقي لهجرة البطل إلى ألمانيا هو الصعوبات المتراكمة واحدة وراء الأخرى. كلما انتهت واحدة، بزغت الأخرى. هل يمكن أن نقول بذلك إن الرواية غطت، حتى بالغائب منها عن السرد، التاريخ الحديث للأرجنتين؟ لو فعلت ذلك، فهي فعلته أغلب الظن من دون قصد، أو بقصد عدم التورط أكثر في التوثيق على حساب الجمالي. لم يمتلك المؤلف، أو لم يرغب بأن يمتلك، الحقيقة المطلقة، ليقدم صوتاً أحادياً في حياة مجتمع وسياسة لا يمكن لأحد في الواقع أن يملكها، لم يصدر أحكاماً ولا كان متعسفاً في الحكم على مقاومة جيل لديكتاتورية عسكرية، كان مسعاه أن يسلط الضوء على تبعات هذه السلطة المطلقة على حياة الناس. لو أمكن فهم ذلك من المضمون وخطاب النص، فالشكل أيضاً كان له دوره الكبير: تقسيم الرواية إلى أجزاء، والأجزاء إلى فصول قصيرة، والدعوة في النهاية ليصحح له من شاهد. تنطلق الرواية من مكالمة تجبر البطل على العودة إلى الأرجنتين، ثم يأتي الجزء الثاني مكرساً لحادثة القتل، وفي الجزء الثالث يكشف علاقة الابن بالأب، ويشبهها بالمخبر الذي يتقصى الأثر، وفي هذا التقصي يكتشف أباه، وتاريخ بلده، وسر اهتمام أبيه بحادثة القتل.
وأخيراً، يمنح المؤلف القارئ شعوراً دائماً بأن الرواية تُكتب وقت قراءتها، ويكشف له عن همومه الكتابية، وكيف يمكن أن يحكي حكاية مثل هذه، ولا يتراجع عن تقدم ذريعة فنية جديدة بأنه يكتب الرواية، لأن دور جيله هو حفظ الذاكرة، وهي مهمة أقل من مهمة جيل أبيه المناضل. ويختم المؤلف بالتأكيد على واقعية الأحداث، لكن ذلك لا يمنع من تلوثها بالخيال. يقول: “رغم أن الأحداث المروية في هذا الكتاب أحداث واقعية مبدئياً، إلا أن بعضها استجاب لضروريات القصة الخيالية، وقواعدها مختلفة عن قواعد الشهادات والسيرة الذاتية”؛ في هذا السياق أحب أن أذكر هنا ما قاله الكاتب الإسباني أنطونيو مونيوث مولينا، ذات مرة، على سبيل التذكرة والتنبيه: “نقطة من الخيال تصبغ كل شيء بالخيال”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق