ثقافة المقال

محمد الثانى فاتح القسطنطينية

محمد عبد الظاهر المطارقى

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لتفتحن القسطنطينية..
فلنعم الأمير أميرها ،
ولنعم الجيش ذلك الجيش
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
o
كان لايزال غضا، أخضر العود، حين عهد والده السلطان مراد الثانى إلى مجموعة من كبار العلماء ليتولوا تعليمه ورعايته. وكان على رأسهم الشيخ المجيد ” آق شمس الدين”، و” الملا الكورانى”، وهذا ما ساعد فى بناء شخصيته وجعله يمتلك قدرا كبيرا من العلوم والثقافة.. والأدب.
فضلا عن حفظه للقرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.
وقد نجح الشيخ ” آق شمس الدين” أن يغرس فى قلبه روح الجهاد، ويذكره ببشارة النبى محمد صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية. وكان يقول له دائما :
ـ أشعر يا محمد أنك أنت ذلك الأمير الذى سيقوم بفتح القسطنطينية، والذى بشر به النبى صلى الله عليه وسلم.
فكان ذلك يدفع به إلى مضاعفة الجهد أكثر فى التدريب على القتال.
وهو لم يدخر جهدا ولا وقتا إلا وقضاه إما بين يدى أستاذه ومعلمه يتشرب العلم من بين ثناياه، أو تجده بين يدى ربه يصلى ويبتهل إلى الله بكل إخلاص أن ينصر الإسلام ويعز المسلمين.. وأن يجعل ـ سبحانه وتعالى ـ الخير على يد والده السلطان مراد الثانى، وأن تتحقق على يديه بشارة النبى صلوات الله وسلامه عليه.
وهو بجانب ذلك كان يمتلك ذكاء حادا، وقدرة على قراءة الواقع والحياة بشكل جيد، وهذا ما جعله يفوق أقرانه منذ نعومة أظفاره فى العلوم التى كان يتجرعها فى مدرسة الأمراء، فهو بجانب حفظه للقرآن الكريم، وقراءته للحديث النبوى الشريف، تعلم أصول الفقه، ودرس الرياضيات والفلك، وفنون الحرب.. إلى جانب مهاراته فى تعلم العربية وإجادته للفارسية واللاتينية واليونانية والتركية. وشغفه الزائد بقراءة التاريخ، وشدة إعجابه بالقادة والفاتحين من الصحابة والتابعين. فكان يتمثلهم دائما، ويخطو خطاهم.
ولا غرو فقد كان عالى الهمة، موفور النشاط، حتى أن والده السلطان مراد الثانى كان يدعوه للمشاركة فى الجهاد. فكان يحمل السيف مبتهجا، وينطلق على صهوة جواده ـ هو الصغير ـ بكل بسالة وشجاعة، يرفع السيف فى الهواء، ويضرب به رقاب الأعداء. وصوته الرقراق يجلجل ” الله أكبر.. الله أكبر..”
* * *
فى لحظة ما شعر السلطان مراد الثانى بحالة من الزهد، فقرر أن يتنحى عن كرسى السلطنة وأن يعتزل الناس، ويعيش للصلاة وقراءة القرآن، والذكر. وكلف ولده الأمير محمد أن يتولى مقاليد الأمور.
وكانت مفاجأة أصابت الجميع بالدهشة. إذ كيف للأمير الصغير أن يتحمل أعباء السلطنة المترامية الأطراف وهو لايزال غضا طريا، والأعداء يتربصون بدولة الإسلام من كل جانب. حاولوا إثناء السلطان عن هذا الأمر الخطير، لكنه رفض الرجوع فى قراره، فامتثلوا للأمر وهم مضطرون.
وصار الصغير محمد هو “السلطان محمد الثانى” وهو لم يبلغ بعد الرابعة عشرة من عمره. بيد أن الأعداء كانوا يرسلون بأعينهم ( الجواسيس ) ليتعرفوا على تطورات الدولة العثمانية. فلما أيقنوا باعتزال السلطان مراد الثانى الحكم، وخلوده إلى السكينة والعبادة بمغنسيا فى آسيا الصغرى. انفجروا جميعا بالضحك. وراحوا يخططون لمهاجمة المسلمين.
وبالفعل تضافرت جهود النصارى ونقضوا عهودهم التى أخذوها مع السلطان مراد، وحشدوا الجيوش وحاصروا مدينة ” فارنا” البلغارية الواقعة على ساحل البحر الأسود.
شعر المسلمون بالخطر الزاحف نحوهم، وعلى الفور أرسلوا إلى السلطان مراد الثاني يعلموه الخبر، فاضطر السلطان أن يرتدى لآمة الجهاد ويخرج للزود عن حياض الإسلام، ورد هؤلاء النصارى على أعقابهم داخرين، بعد أن قتل ملكهم تحت سنابك الخيل وجز المسلمون رأسه وقاموا برفعها على أسنة الرماح، لتثير الهلع والذعر فى قلوب النصارى وتفت فى عضدهم، وتهد من عزيمتهم بعد معركة شرسة استمرت ثلاثة أيام كادوا ينتصرون فيها على المسلمين لولا أن ثبت الله الذين آمنوا، وأغدق عليهم بنصره المبين، وكان ذلك فى سهول قوصوه فى 852هـ، 1448م.
* * *
وهكذا انصهر السلطان محمد الثانى ـ وهو لايزال صغيرا ـ فى بوتقة الشجاعة، وعشق الجهاد،
ولما بلغ الثانية والعشرون من عمره صار هو السلطان بعد أن تشبع بالصفات النبيلة، والقيم العالية الكريمة..
إنه يسير على منوال من سبقوه من سلاطين آل عثمان،متعهدا بتنفيذ الوصية الكبرى، والتى كانوا يتوارثونها منذ عهد السلطان عثمان الأول، وهى وصايا مستخلصة من كتاب الله تعالى، وسنة حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث كانت تحتوى على بعض الأمور الهامة مثل المحافظة على شرع الله،وقمع البدع وإحياء السنة واحترام العلماء والفقهاء وتوقيرهم، والعمل بمقتضى مشورتهم ، والجهاد فى سبيل الله بالنفس والمال، وإقامة العدل ورفع الظلم وعدم الركون إلى الدنيا الفانية،والعمل من أجل الباقية.
وقد زاد عنهم السلطان محمد الثانى باهتماماته البالغة بإقامة المدارس، وتنظيم الجيش وتقديم كل الوسائل الحديثة التى تدفع بالدولة الإسلامية إلى المقدمة. فأقام المصانع، واهتم ببناء السفن، وجمع من حوله العلماء والفقهاء، وأهل الرأى، كما أعطى منح وجوائز للشعراء، والأدباء، والمترجمين.. فصار الجميع يتبارى ويتفنن فى خدمة السلطنة لكى يفوز برضا السلطان محمد وعطاياه الجزيلة.
كل ذلك وبجانبه شيخه وأستاذه ” آق شمس الدين” لم يفارقه، يوصيه ويذكره ببشارة النبى صلى الله عليه وسلم ويحرضه على فتح القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية.
وابتدأ السلطان محمد يستجيب لفكرة أستاذه، خاصة أنها حلمه القديم والذى طالما راوده منذ طفولته.
وابتدأ يتجهز لتحقيق ذلك الحلم…
وبالفعل ـ أيها الأصدقاء ـ ابتدأ السلطان محمد يعمل على إعداد الجيش بكل ما يلزم من أدوات الحرب الحديثة فى ذلك الوقت، وجمع من حوله الصناع المهرة، والمهندسين المتميزين، وراح يستعين بهم فى عمل الأسلحة المبتكرة، والمدافع العجيبة. وقد ظهر من بين الصفوف مهندسا من أصل مجرى يدعى ” أوربان ” تولى عمل مدافع ضخمة، لم يوجد لها مثيل من قبل، ثم قام بصنع مدفع هائل كان يحتاج إلى مئات الثيران لكي تجره فأطلقوا عليه ” المدفع السلطان” حيث بلغ وزنه سبع مائة طن، واسع الفوهة.. وتزن القذيفة الواحدة اثنى عشر الف رطل. وقد قطع الطريق من أدرنة إلى موضعها أمام أسوار القسطنطينية فى شهرين وهو طريق يقطع عادة فى يومين فقط.
كما قام ببناء سفن جديدة فى بحر ” الدردنيل “، وشيد قلعة ضخمة عرفت باسم قلعة ” روملى حصار ” لتتحكم فى مضيق البوسفور. وأرسل بالأعين لتجتاز المياه العميقة، وتدخل المدينة المنيعة فى غفلة من أهلها ليدرسوا أحوالها، ويتعرفوا على مناطق الضعف فيها، وقد استطاع هؤلاء أن يعودوا بمعلومات هامة جدا، استفاد منها السلطان محمد فى خططه ..
وكان للسلطان محمد الثانى خطط عجيبة وغريبة تنم عن مدى عبقريته وذكائه مما أثار الدهشة والاعجاب من الجميع.
منها أنه قام بعمل أنفاق عميقة و عديدة تحت الأرض تؤدى إلى القسطنطينية من الداخل، فكان الأتراك يتفاجأون بمن يبرز إليهم بغتة من تحت أرجلهم، فملئهم الخوف، وصاروا يتوقعون فى كل لحظة أن يخرج إليهم أحد المسلمين ، وكثر الوهم وانتشرت الشائعات والأوهام بينهم.حتى كان الواحد منهم يسرع الخطى وقد توهم أن الرياح أو صدى حذائه على الأرض أشخاص معممون يقفزون من باطن الأرض ويركضون وراءه
* * *
والشىء المؤكد هو أن قسطنطين إمبراطور بيزنطة كان يهتم بنفسه، ولم يكن يعبأ بالشعب، فكان يفرض عليهم الضرائب ويزيد فيها ، دون أن يأبه للمسلمون الذين يتقدمون نحو العاصمة البيزنطية. فلما أحس أن الأمر جد خطير.. وأن المسلمون يقتربون من أسوار القسطنطينية بكل عزيمة وإصرار، يحملون معهم أسلحة فائقة، لم يرا لها مثيل من قبل، وجيش يزيد تعداده عن ربع مليون جندى، مابين فارس وراجل كلهم متشوقون للقتال ركبه الخوف والفزع، ولم يعرف كيف يصنع، فقد كان يظن أن الأسوار الضخمة المنيعة سوف تمنع عنه أى خطر من الخارج، فضلا عن السلاسل العملاقة التى يتحكم فى جذبها أو إرسالها لتحول دون تحرك السفن الغريبة أن تمر.. والحراس الذين يحملون الأسلحة ويقفون خلف الأسوار الشاهقة يحدقون من خلال الشرفات.
لم يكن أمام قسطنطين إلا أن يصيح معلنا الاستغاثة وطلب العون من أوروبا والدول النصرانية، بعد أن نفدت كل طاقاته . حتى أنه حاول أن يقدم للسلطان محمد الأموال الطائلة والذهب والمجوهرات النفيسة ليثنيه عن عزمه. لكن السلطان محمد أرسل إلى الإمبراطور يطلب منه تسليم المدينة دون حرب حفاظا على حياة الناس، قبل أن تصبح الكلمة الفاصلة للسيف وتصير المدينة غنيمة للفاتحين.
هنالك أرسل قسطنطين برسالة يرد بها على السلطان محمد قال فيه: ” أقسم أن أدافع عن القسطنطينية إلى آخر نفس فى حياتى..فإما أن أحتفظ بعرشها، أو أموت تحت أسوارها “.
فلما بلغت السلطان محمد تلك الرسالة، هز رأسه مبتسما وقال: ” حسنا، عما قريب سيكون لى فى القسطنطينية عرش أو يكون لى فيها قبر “
* * *
فى الوقت الذى كانت مدافع السلطان العملاقة ترمى بحممها الثقيلة فى وجه الأسوار الضخمة، استطاع السلطان محمد بعبقريته الفذة أن يقوم بصنع قلعة عملاقة من الخشب مغطاة بالجلود السميكة التى لا تتأثر باللهب أو النبل، وكانت مكونة من ثلاث طوابق، وارتفاعها يفوق أسوار القسطنطينية.. وكانت مفاجأة غير متوقعة، شلت تفكيرهم، فقد حشدت بالجنود، ومعهم أنواع مختلفة من الأسلحة والقذائف والمعدات.. واقتربت القلعة وراحت ترميهم بتلك القذائف المشتعلة والأحجار.. وأخذ الجميع ينظرون إليها فى هلع بما فيهم الإمبراطور نفسه.. وأخيرا استطاعوا بأمر من الإمبراطور أن يأتوا بمواد شديدة الاشتعال ورموها على القلعة فجعلتها كومة من رماد.. إلا أن السلطان محمد ابتسم قائلا : لابأس، غدا نصنع لهم قلعة أخرى.
ولأن السفن الإسلامية لم تستطع التحرك صوب المدينة القديمة بسبب تلك السلاسل العملاقة فلم يكن أمام العبقرى الفاتح إلا أن يعمل عقله ويدبر خطة محكمة يستطيع بها أن يخترق تلك المنطقة الممنوعة، فتفتقت عبقريته عن نقل مجموعة من السفن ، قامت بجرها الخيول والثيران من البسفور إلى البر، حيث تم سحبها على طريق من الأخشاب المدهونة بالزيوت والشحم مسافة ثلاثة أميال حتى استطاعوا الوصول إلى القرن الذهبى دون أن يشعر بهم الأعداء، وإذا بهم يتفاجأون بأكثر من سبعين سفينة تمخر عباب الماء وتتجه صوب المعبر المائى لتسيطر عليه وسط تهليل المسلمين وتكبيرهم.
وامتلأت قلوب المسلمين بالحماس، واليقين فى نصر الله لهم بعد حصار للمدينة دام أكثر من خمسين يوما. واصلوا الليل بالنهار بضربات المدافع ، وهجومهم المستمر، المستميت دون أن يأبه أحد للسهام التى تحصدهم وكرات اللهب التى يقذفها جنود الأعداء من فوق الأسوار .
لكن الجنود البواسل كانوا يتهافتون على طلب الشهادة والموت فى سبيل الله ، وهم يتذكرون الصحابى الجليل أبى أيوب الأنصارى الذى جاهد فى سبيل الله ضمن الجيوش الأولى التى حاولت فتح المدينة حتى سقط شهيدا ودفن تحت أسوارها العتيقة.
وكان السلطان محمد يلف على جنوده ليذكرهم ببشارة النبى صلى الله عليه وسلم ، ويخطب فيهم فكانوا يزدادون حماسا فوق حماسهم،وتستحيل الآلام والأوجاع إلى قوة ونشاط، وترتسم على وجوههم المضيئة علامات السرور. فيواصلون جهادهم بكل عزيمة وإصرار وأخيرا تهدم جانب من الأسوار، اجتاز المسلمون من خلاله المدينة القديمة وهم يهدرون بأصوات قوية ” الله أكبر ، الله أكبر”
وفتحت القسطنطينية ليصير السلطان محمد الثانى هو الفاتح الذى بشر به النبى صلى الله عليه وسلم.
وهكذا صارت إسلام بول، أى ( مدينة الإسلام ) فى حوزة المسلمين، بل وأصبحت عاصمة الخلافة الإسلامية، لتنتهى إمبراطورية بيزنطة دول الروم القديمة فى المشرق إلى الأبد.
اتجه السلطان المعظم محمد الفاتح لاستكمال الفتوحات فى بلاد البلقان، ففتح بلاد الصرب سنة 863هـ ـ 1459م، وبلاد المورة 865 هـ ـ 1459 م ، وبلاد الأفلاق والبغدان ( رومانيا ) سنة 866 هـ ـ 1462 م. وألبانيا وبلاد البوسنة والهرسك وغيرها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق