قراءات ودراسات

نازك الملائكة بين غربتين

بقلم: دجلة احمد السماوي

أطفئ الشمعةَ واتركنا غريبَيْنِ هنـا 

نحنُ جُزءانِ من الليلِ فما معنى السنا  

يسقطُ الضوءُ على وهمينِ في جَفنِ المساءْ  

يسقطُ الضوءُ على بعضِ شظايا من رجاءْ  

سُمّيتْ نحنُ وأدعوها أنا:مللاً. نحن هنا مثلُ الضياءْ  

 

غُربَاءْ  

اللقاء الباهتُ الباردُ كاليومِ المطيـرِ  

كان قتلاً لأناشيدي وقبرًا لشعـوري  

دقّتِ الساعةُ في الظلمةِ تسعًا ثم عشرا  

وأنا من ألمي أُصغي وأُحصي. كنت حَيرى  

أسألُ الساعةَ ما جَدْوى حبوري  

إن نكن نقضي الأماسي, أنتَ أَدْرى,  

غُربَاءْ  

مرّتِ الساعاتُ كالماضي يُغشّيها الذُّبولُ  

كالغدِ المجهولِ لا أدري أفجرٌ أم أصيلُ  

مرّتِ الساعاتُ والصمتُ كأجواءِ الشتاءِ  

خلتُهُ يخنق أنفاسي ويطغى في دمائي  

خلتهُ يَنبِسُ في نفسي يقولُ  

أنتما تحت أعاصيرِ المساءِ  

غُربَاءْ  

أطفئ الشمعةَ فالرُّوحانِ في ليلٍ كثيفِ  

يسقطُ النورُ على وجهينِ في لون الخريف  

أو لا تُبْصرُ ? عينانا ذبـولٌ وبـرودٌ  

 

أوَلا تسمعُ ? قلبانا انطفاءٌ وخُمـودُ  

صمتنا أصداءُ إنذارٍ مخيفِ  

ساخرٌ من أننا سوفَ نعودُ  

غُربَاءْ   

نحن من جاء بنا اليومَ ? ومن أين بدأنـا  

لم يكنْ يَعرفُنا الأمسُ رفيقين .. فدَعنـا  

نطفرُ الذكرى كأن لم تكُ يومًا من صِبانا  

بعضُ حـبٍّ نزقٍ طافَ بنا ثم سلانا  

آهِ لو نحنُ رَجَعنا حيثُ كنا  

قبلَ أن نَفنَى وما زلنا كلانا  

غُربَاءْ……………

 

يتساءل النقاد عن سر نبرة الحزن في شعر نازك ؟ وتساؤلهم غاية في المنطقية ! لأن نازك سليلة عائلة منسجمة سعيدة ! نشأت في بيئة هادئة قليلة التقلبات والعثرات ! فمن اين اجتاحها الحزن ومتى وكيف ولماذا ؟ الجواب بسهولة ان نازك ليست انسانة اعتيادية لكي نعاملها كما نعامل الأرقام من البشر ! المبدعة الكبيرة مثل نازك تستشعر انها ضمير الأمة ! فأي جرح في اقصى الدنيا جرحها واية دمعة ليتيم جائع مقرور هي دمعتها ! فلنقل ان غربتها بدأت من خلال المسافةالبعيدة بين حلمها بعراق جميل مثل عراق الملائكة وبين واقع مزر جعل العراق ومكأنه عراق عفاريت واشباح ! فوجدت حضنا ثانيا بعد حضن امها وأعني الطبيعة التي وجدتها معينا شعري لاينضب . انها تمنح الشعر طاقة وحيوية للحب والحنان والمنح لايضاهى ! من هنا عشقت نازك الملائكة الليل والنهار والربيع والخريف عشقت الزمان واحبته وكرهت المكان واستوحشته فكانت تعيش داخل جدران الزمان وتخرج بخيالها عن جدران المكان ! نعم حاولت نازك في قصائد كثيرة مصالحة المكان لكنها فشلت فشلا ذريعا انعكس حتى على ايمانها كما تقول هي عن نفسها ! كانت تضفي على المكان طابعها الملائكي واسلوبها النازك وسمتها الاصيلة فرسمت لوحات شعرية قلقة لوحاتها الشعرية كانت تغني للطبيعة وتبكي للمكان وفرق ما بين المكان المحدود بالجدران والجيران والاعراف وبين الطبيعة الحنون المنفتحة على جمال هائل ! مع الطبيعة الساحرة تستل الشاعرة ريشتها فترسم الطيور والزهور والسواقي والفلاحات والعشاق وتغمسها ريشتها بطيب روحها المتمردة . الشاعرة نازك الملائكة لمن يحصي مفردات الطبيعة في شعرها جعلت معجمها الشعري وكأنه معجم للطبيعة ! اكثر من ربع قصائدها تقريبا أسماءمستمدة من الطبيعة : الليل النجوم الريح العتمة الضوء الشجر والطير الجبل والسهل .. لقد مزجت معظم موضوعاتها بمظاهر الطبيعة فكأن الطبيعة عن وعي او عن لا وعي تتسلل الى قصائدها برفق وتتوغل في عالمها من خلال كونها مادة فنية مهمة تسهم في رسم تضمين الصورة الشعرية هموما عظيمة منتقاة من طبيعة نازك البشرية ! ولا يهم نازك اذا كانت امسكت القضية الوجودية كيف سيكون شكل تعبيرها بالشعر التقليدي او التفعيلي ! نازك مكتفية بذاتها فهي شاعرة وهي ناقدة وهي جمهور ايضا ! فلا غرابة ان تتقارب الاساليب في قصائدها فنجد هنا صورة تشبيهية وهناك صورة استعارية وبينهما صورة كنائية . وكثيرا ما تأتي صورالقصيدة عند نازك الملائكة مصطبغة بايحاءات الحواس الخمس! اي انها تقلل من طغيان اللوحات التجريدة ! فضلا عن ان الشاعرة تبني صورها الشعرية باستعمال الكولاج الفني ( التلصيق ) فثمة الليل ممتزجا بالمطر وهما ممتزجان بالسنا البعيد في مساحة من الألم الحسي حتى ليمكنني القول ان الصورة الملائكية تخلق احيانا معادلات موضوعية تشي بفقدان الامل والغوص في العتمات ! وإلا فمن حدا بنازك كي تنادي : أطفيْء الشمعة واتركنا غريبين هنا ! نحن جزءان فما معنى السنا ؟ومن خلال قراءة قصيدة غرباء نكتشف ان مجموعة من الصورالشعرية واللوحات الفنية المستمدة من الليل والسنا والممتزجة بهما يوصلان خيال المتلقي الى غربتي نازك غربة مع المكان وغربة مع النفس فيكون الخطاب الحسي مدخلا للإرسال والتعبير لكنها لم تلقي مفردات التجريد فهي خطابها الى نفسها حين يرتد اليها خطابها الحسي مثل الصدى الذي يعثر بجدار كونكريتي اصم ! كما ان نازك ولوعة بتقديم وجبات شعرية يأنس لها المتلقي مثل الصور التجسيمية والتشخيصية والتراسلية فهي كنز ممتليء بجماليات القصيدة من خلال ادوات فنية ثقفتها وخبرتها خلال تجربتها الشعرية المديدة فاما اللوحات المحسوسة فان من اكثرها وضوحا لوحات كولاجية هي الروح / الليل / الداكن /والسناالازلي…. وما يبرز منها وعنها مثل الحنين الى الوطن المفقود والاحلام التي يبست وباتت مستحيلة وذكريات الطفولة التي بدات تتلاشى ! والحس الانساني قبالة الحس النفعي الدموي المتدفق بما يشكل بانوراما بهيئة لوحة كبيرة تضم في جنباتها كثيرا من الصور البيانية الصغيرة فتحرك سماء القصيدة وتتنفس بحيث تبدو الكائنات الانسانية في ظل التشخيص البياني شاناً مشدودا الى الاقتران ! ويرىالناقد عباس محمود العقاد ان الملكة الشعرية الخالقة هي التي (تستمد قوتها من سعة الشعور حينا ومن دفقه حينا آخر .فالشعور الواسع يستوعب كل من في الارضيين والسموات من الاجسام والمعاني .فاذا هي حياة كلها جزء من تلك الحياة المستوعبة الشاملة ) فتكون الوظيفة الاساسية للتشخيص انها تعين الشاعرة على ان تسقط امالها والامها ماحولها من مظاهر الطبيعة .لأن الشاعرة تنطلق من ذاتها نحو ذاتها ومنهما نحو الطبيعة لتعود الذوات الثلاث الى الشاعرة فيكون التشخيص ( الأنسنة ) متوهجا بالامال وصوره المفعمة بالمخاوف والاحزان المنعكسة على الطبيعتين الميتة والحية ويرى الدكتور احمد مطلوب ان ظلال الليل السوداء في اكثر من صورة بيانية صنعتها الشاعرة تقرن الليل بالغربة كما تقرن الوحدة باختناق المشاعر !! ومن هنا جاء حوارها الداخلي شجيا لانه حوار الذات الحالمة مع الذات الجريحة ! والذاتان اضنتهما رحلة البحث عن الامان والسكينة بحيث تفصح الصورة التشبيهية البليغة (اللقاء الباهت البارد كاليوم المطير )عند انصهار المشبه والمشبه به في متخيل مركب ينم عنه اللقاء الباهت البارد لتكون اداة التشبيه ( الكاف ) اداة غير ضرورية! ان اليوم المطير يمنح المشبه به (المطير )مرجعيات بعيدة الغور في التاريخ الشعري ولنتذكر رائية المنخل اليشكري :  ولقد أمرُّ على الفتاة الخدر في اليوم المطير   

هي اذن سمات العتو والرهبة والاختناق فيبدوالزمن ليلا مخيفا يسدل استاره الكثيفة على تلك الرحلة الخائبة ودروبها الشائكة ليبزر عظم المعاناة في البحث عن الرفقة والدفء وهما ما اخفقت في الوصول اليهما وترصد نازك الملائكة مجيء الليل وحلول الظلام وئيدا للاحلام والسنا! كان قتلا لأاناشيدى وقبراً لشعوري . وتعزف الشاعرة على الوتر ذاته حين تستبد بفؤادها الغربة والوحدة ويستحيل اللقاء ويكون قتلا ازليا لطائر الحب وقبرا لدفن المشاعر المرتقبة المتوهجة تحت خيمة الاستعارة المكنية الشعر يترك سفائنه المعتمة ليخيم بظلاله الكئيبة على وحشة الكون وبهائه وتمنح الالفاظ المستعارة معجما كالحا للقتل ووأدا للأناشيد وقبرا للمشاعر! هي صور وهمية تشبه العلاج المسكن او المخدر حين يحضر شبح الموت وتحتضر الاناشيدالطفولية بل حين يتكرر مشهد الولادة امام مشهد الانتحارضمن اتساق حركتين متمازجتين في آن واحد الساعة والظلام والضربات السريعة للزمن وتسابق الالام والحوارات الداخلية والخارجية بالاضافة الي الحيرة التي تمتلك حالات الالم والاصغاء والاحصاء والاسئلة المطروحة السنا والضوء واقاليم الليل الصورة مع الاستعارية التي احالت دقات الساعة في الظلمة تسعا ثم عشرا كأنه اعدام حلزوني يجتاح الروح والزمن . وترصد نازك الملائكة على حين ترسم الملائكة الاجواء المحيطة بها لتكتشف اللاجدوى من الانتظار المعدم في اليات الساعة الذي كانت محاكاتها في الظلمة الموحشة

والانتظار البهيج الذي يحمل قبسا ضئيلا من الشغف بالنور واجوائه المقترنة بالخير والحب فقد جعلت الاماسي انسانا لكي تبثه ما يعتلج بروحها فجاءت الصورة الاستعارية التشبيهية مثل لمسة الفنان الأخيرة للوحته المكتملة ! لوحة حزينة تتنقل من خلالها الشاعرة من غربة الروح الى غربة المكان .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق