قراءات ودراسات

السمات الأسلوبية في الخطاب الروائي الجزائري “بحر الصمت” لياسمينة صالح أنموذجا

بقلم: أ.أحمد نقي*

عرفت الرواية الجزائرية تقنيات السرد من حوار وسرد ووصف وغيرها، إلا أن المنهج الجمالي الفني المهتم بكل ما له علاقة بجمال العمل الأدبي كان نطاق الحديث فيه عام، وضيق عندما كانت الحركة النقدية في بدايتها، حسب رواية بعض النقاد الجزائريين. إن دراسة طرائق السرد تكتسي أهمية بالغة بحيث تفصح عن شخصية الكاتب الفكرية والاجتماعية والدينية … كما أنها تحمل دلالات عديدة تختلف من قاص إلى آخر، ومن قارئ إلى آخر، ولا تقف عند حدود معناها الأصلي. وعليه حاولت أن أقـدم طرق السرد، وما تحمله من دلالات تحت عنوان: ” السمات الأسلوبية في الخطاب الروائي الجزائري “بحر الصمت ” “ياسمينة صالح أنموذجا “. هذه الكاتبة المتمكنة من تقنيات الكتابة الأدبية. واعتبرها الكثير من الأدباء كحسن العرباوي من الأديبات اللواتي لن تنطفأ شمعتهن: ” ياسمينة صالح ” اسم يبدأ الآن ولن ينتهي، لأنه ارتبط بالإبداع الجميل الذي يمضي هادئا و ثائرا، إنها الدم الجزائري الجديد الذي لا يخشى من مواجهة الماضي والتاريخ معا، وهي ببساطة صوت نسائي من النوع المميز. أثرت رفوف المكتبة الجزائرية بعدة روايات في ظرف قياسي قصير….

آثرت أن أخوض غمار هذا البحث وأطبق على رواية فضلتها أن تكون جزائرية حديثة، واختياري لرواية ” بحر الصمت ” لياسمينة صالح يعود إلى عدة أسباب أذكر منها: أن البنى السردية لأي نص أدبي سردي أعدها موضوعا جديرا بالتمحيص والدراسة، وهذه الرواية متميزة بخصائص فنية تفرض قراءتها قراءة متأنية وواعية، أهلتها لأن تكون حقلا خصبا للدراسة الجادة. فهي رواية أراها من الأعمال السردية الجزائرية التي سجلت حضورها بقوة وحققت وجودها بما يضاهي نظيراتها من الأعمال المميزة، والتي رسمت وجودها مع ممر السنين. هذا إلى جانب بروز هذه الشخصية في مرحلة قصيرة وجد عصيبة. حيث أصبحت من أبرز الأقلام النسوية والجزائرية بصفة عامة.   ولكون أعمال ” ياسمينة صالح ” حديثة العهد قلت الدراسات حولها في حدود علمي ومعرفتي، لذلك رحت أبحث لنفسي فيها عن أثر يخيل إليّ أن الدراسة حوله قليلة أو منعدمة من ناحية الأسلوب، خاصة وأن الحديث عن رواية الشباب المتداولة اليوم تجاوزت الحدود المحلية، وأصبحت على ألسنة الكثير من دارسي الخطاب الروائي العربي، فالنكهة والمتعة والبحث فيها مضمون، والأكيد أنني أجد نفسي وأنا أبحث عن مواطن الجدة والجمال فيها من خلال مقارنتها بالرواية الكلاسيكية. هذه الرواية وإن كانت قد أحدثت القطيعة مع الشكل السردي القديم، إلا أن نظرية القراءة فيها أصبحت تهتم بالبحث في المكونات  البنيوية وجماليات المتن الروائي. فما هي طبيعة الأسلـوب الذي يعنينا في هذه الدراسة ؟ وإلى أي مدى استطاع الخطاب الروائي التأسيس لخطاب جمالي فني؟ وكيف ساهم في تجاوز الشكل المألوف الذي ثبت الحدث ووضحه، وجعل اللغة شفافة مباشرة، وهو بذلك قيد النص ثم قتله وجرده من محتواه السحري (الجمالي والفني).

من الصعب الوقوف على إشكالية في تحليل الخطاب السردي، وتحديدها بسبب تعدد القراءات واختلافها من شخص لآخر ومع ذلك حاولت التركيز على:

ـ الفترة الزمنية للقصة.

ـ تجليات الواقع  الاجتماعي والسياسي والثقافي أثناء كتابة الرواية.

ـ الألفاظ  الدالة التي ترتكز عليها الكاتبة ” ياسمينة صالح “.

ـ ما تحمله القصة من جماليات فنية.

القراءات النقدية هي التي يساءل فيها القارئ النص، وهي قراءات متعددة تبعا لتعدد المناهج النقدية والأدبية سواء كانت هذه المناهج تقليدية كالمنهج النفسي أو التاريخي أو الاجتماعي، أم حداثية (جديدة)، كالبنيوية والتداولية والتفكيكية والسيميائية، وبالتالي فإن طبيعة الموضوع هي التي تفرض نوع القراءة، والآليات التي تساعد على اكتشاف جوهر النص، ومظاهر الجمال فيه. فتعيين منهج محدد لتحليل نص ما، لا يتم الوقوف عليه إلا بتنوع القراءات لهذا النص لمعرفة تركيبته. واهتديت بعد القراءات الأولى ” لبحر الصمت ” إلى استنباط بعض الخصائص العامة للنص. فوجدت في المنهج الأسلوبي سبيلا وغاية للوصول إلى اكتشاف السمات الأسلوبية للخطاب الروائي الجزائري المعاصر من خلال رواية “بحر الصمت” لياسمينة صالح، لأنه يتناسب وطبيعة هذه الدراسة. كما يمكنني العودة إلى مناهج أخرى عند الضرورة، إذ يتجه النقد الأسلوبي اليوم إلى الأخذ من كل تيار نقدي. وكلما دعت الضرورة إلى اعتماد منهج ما إلا وسارعت في النهل منه.

ركزت في هذا البحث على رواية “بحر الصمت” كأرضية للتطبيق، توضيحا لما أريد الوصول إليه من غايات، ولم أقف عند هذا الحد فحسب بل حاولت الخوض في بعض أعمالها الروائية الأخرى، وأعطي فكرة واضحة المعالم عن هذه المؤلفات، وأقف عند السمة الفنية لهذا الخطاب، معتمدا في ذلك على الدراسات التي تناولت الأسلوب والأسلوبية وعناصر السرد.

كانت بداية الرواية الجزائرية ساذجة في أسلوبها وموضوعها وتعود إلى سنوات الأربعينات وكانت أقرب إلى القصة الطويلة وتمثلت في روايتي ” غادة أم القرى ” و”الطالب المنكوب “، ثم توالت بعد ذلك الكتابات الروائية بشكل متسارع، مستلهمة موضوعاتها من الثورة داعية إلى الحرية والمحافظة على الشخصية الوطنية والعروبة. فكتب عبد الله الركيبي ” نفوس ثائرة “، والطاهر وطار ” دخان من قلبي “، ومحمد صالح الصديق ” صور من البطولة “. وهذا الأمر طبيعي ” دعت إليه الحاجة إلى دراسة الأوضاع الناجمة عن الثورة الجزائرية “(2). ثم جاء جيل  آخر بعد جيل تحقيق الاستقلال، اهتم بالحفاظ على الثوابت الوطنية التي حققتها الثورة، و بما يشغل الجماهير كتوفير الحياة الكريمة له. وهكذا جاءت الأفكار متواصلة بين الجيلين إلاّ أن الاختلاف يكمن في محاولة مسايرة هذا الجيل الجديد لواقع و أفاق الرواية الجديدة على المستويين العربي و العالمي. ” و يمكننا أن نعتز بنجاح هذا البناء… فقد استطاع روائيونا أن يكتبوا حسب خطة مدروسة محكمة “(3).

بالرغم من هذا الواقع الصعب الذي عاشته الرواية كما ذكر سابقا، إلا أن هذا الفن شق طريقه نحو التطور، يعبر بصدق مواكبا حياة المجتمع بما تحتويه من شدة وضيق وفرح وغبطة، دون إهمال الشكل بطبيعة الحال، ” فالحداثة في النثر تعني أن هناك جديد في الموضوعات والأساليب والأشكال الأدبية أو بتعبير آخر تعني الجديد في الصياغة والشكل، والواقع أن التجديد الذي نعنيه هو أن هناك تغيير حدث في لغة النثر وطريقة التعبير منذ بداية الإستقلال”(4). أما إذا تحدثنا عن البداية الحقيقية للرواية كما حددها الدكتور الركيبي كانت في بداية السبعينيات مع رواية “ما لا تذره الرياح” لمحمد عرعار

لا يختلف اثنان حول رواية ” بحر الصمت ” في عدها واحدة من الروايات التي أحدثت ضجة كبيرة بأفكارها وأسلوبها، داخل وخارج الوطن. من خلالها أدانت صاحبتها ونددت بأولئك الذين أقحموا في الثورة، أو أقحموا أنفسهم فيها دون اقتناع.

رواية الجيل الجديد إن صح نعته بهذا الاسم هي تجربة منفردة في المتن الروائي باللغة العربية لأنه يحيل على طرائق تعبير و تطور إبداعي فني و رؤية خاصة للعمل الأدبي، باعتبار أنه عايش ظواهر اجتماعية تفاعل معها أيما تفاعل، وجعلته يتمرد على النمط الكلاسيكي القديم، ويتخذ من اللغة لبنة وركيزة أساسية لإغناء تجربته الفنية. أما المضمون ساير الحركة اللغوية المتمردة على كل قانون قديم، ولم يهمل حتى أصغر الجزيئيات في حياة الناس والتي تهمهم في عوالمهم الداخلية ” فإذا كانت اللغة قد تخلصت من أسرها، ومن محدودية الدال، وأصبحت نسيجاً في فضاء سميائي لا محدود، فإن المضمون هو الآخر قد تبنى جدلية عنف الطرح. ولم يعد أسير اللغة التي كانت رهينة مدلولات مرحلة تواطأ فيها المضمون في تشكيل خطاب موحد همه التبشير بأفكار موجهة إلى متلق كان هو الآخر أسير هذه الجدلية “(2). وغدا بذلك المتلقي أيضا “حرّا طليقا يسمو في أفق علوي من الوعي والمعرفة لا يقف عند حدود القراءة فحسب وإنما ينقد و يؤول وينتج ويبدع ويكشف قدرة الإبداع عند المؤلف “(3).

النص إذا كان مفتوحا فإن ” القارئ المتلقي ينتجه في عملية مشاركة، وهذه المشاركة ليست هي الاستهلاك، وإنما هي اندماج القراءة، والتأليف في عملية دلالية واحدة. بحيث تكون ممارسة القراءة اسهاما في التأليف، ناهيك بأن (النص) نوع من (اللذّة)، بل إنه واقعة غزلية… “(4). إن هذه التجربة الروائية التي تبلورت عند هذا الجيل أنعشت الحركة الروائية وخلفت أفقا جديدا متجاوزة السكونية والماضوية منغمسة في التجريب، من خلال ” اعتماد الخطاب على اللغة الجديدة التي تتخذ من الانزياح مرفأ لها، وهو الذي زاد من عنفوانه. وعليه فالخطاب الروائي الجديد من خلال هـذا

لست هنا بصدد تعداد هذا الجيل اسما باسم بقدر ما ركزت الاهتمام على الروائية “ياسمينة صالح” التي أصبحت اليوم من الأسماء التي فرضت نفسها في ميدان الكتابة الروائية، وأصبحت من الأصوات النسائية المميزة في الجزائر بعدما كان هذا الفن الإبداعي ممثلا بصوت واحد هو ” أحلام مستغانمي”. حيث تعاطت مع اللغة تعاطيا إبداعيا مبنيا على التجديد. وكتاباتها غير مقيدة بالزمان والمكان. واللغة عندها وسيلة للإيحاء وكشف وتجاوز للمثال لا لنقل المعاني ومن أعمالها الأدبية:

ـ رواية “بحر الصمت” التي حازت على جائزة ” مالك حداد ” المنظمة في سنة 2001.

ـ رواية “وطن من زجاج”.

ـ رواية “لخضر”.

ـ “وطن الكلام” عبارة عن مجموعة قصصية.

ـ “ما بعد الكلام” وهي مجموعة قصصية.

ـ أحزان امرأة من برج الميزان .

بالإضافة إلى  نشرها مجموعة كبيرة من المقالات في جرائد مختلفة.

و تميزت الرواية عموما من ناحية الأسلوب بما يلي:

1 ـ سيطرة الوظيفة الشعرية على النص أكثر من غيرها إلى جانب الوظيفة الإنفعالية.

2 ـ وضوح الأسلوب ومناسبته للموضوع مما يدل على أنه أدى وظيفته اللغوية.

3 ـ عنف الخطاب شكلا ومضمونا استجابة للظروف التي عاشتها البلاد.

4 ـ تعامل اللغة بمستويين أولهما فصيح وهو الغالب على النص والآخر يميل إلى العامية.

5 ـ بناؤها على قالب سردي يختلف عن السرديات الكلاسكية من حيث بناء الجملة.

6 ـ اعتمادها على علاقات التناص المتنوعة كالقرآن الكريم مثلا.

 

 

* مقطع من مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في الأدب العربي .. تخصص: تحليل الخطاب السردي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق