قراءات ودراسات

مُلاحظاتٌ حول كتاب: “أعلام من الأدب الجزائري الحديث”

للكاتب الجزائري الطيب ولد العروسي

* عبد الستار الجامعي

قد يبدو من العبث الحديث، اليومَ، عن كتاب نيّف تاريخُ صدوره عن عشر سنوات؛ أعني بذلك كتاب: “أعلام من الأدب الجزائري الحديث” للكاتب الجزائري “الطيّب ولد العروسي”. لكن، وأنا أقرأ ثانيةً هذا الكتاب، اكتشفتُ أنّ هناك الكثير الذي لم يُقل بعدُ فيه. وربّما قد يُعتبرُ هذا المؤلَّفُ من أبرز ما كتب الأديب الطيّب ولد العروسي، بسبب موضوعه في المحلّ الأوّل؛ فالقارئُ المتعجّل لمتن الكتاب قد يُسارع لاعتبار هذا المتن جملةً من السّير البيبليوغرافيّة لكُتّاب جزائريّين جُمعت مع بعضها البعض وقُدّت ورُصفت كيفما اتّفق، ودون إضافة حقيقيّة من الكاتب. ولا لومَ على القارئ إذا ما ذهب هذا المذهب، لا سيما إذا أدركنا أن الطيّب ولد العروسي كان قد اعترف بنفسه، في مقدّمة كتابه، بأنّ هدفه من هذا العمل تمثّل في تقديم سِيَرِ وأعمال بعض الأدباء الجزائريّين للقرّاء (يُنظر الكتاب، ص، 13)، بيْد أنّ الفحصَ الحرَّ الدقيقَ يُمكّننا من إدراك كمّ الآراء النقديّة التي بثّها الكاتبُ، وهو يعدّ لعمله، والقصود المُضمرة التي كان يرمي إلى تحقيقها من وراء تدوين لجملة هذه السّير والتراجم.
هذا الكتاب، الذي تجاوز 240 صفحةً، وليدُ سخطٍ. فقد اغتاظ الكاتب، وهو يستكشف أثناء لقاءاته ونقاشاته مع زمرةٍ من المثقفيّن العرب وغير العرب، أنّ هناك من يشكّ في قدرة بعض الأدباء الجزائريين وإجادتهم في الكتابة بلسانٍ عربيٍّ فصيحٍ. ولقد دفعه حماسه ودفاعه الشديدين والطبيعيّين، لمن يعرف الطيّب العروسي عن قربٍ مثلي، عن بلده وعن مثقّفي بلده لتدوين كتابه هذا ليكون حجّةً دامغةً ودليلا لا مجال للشكّ فيه بعد الآن على تهافت هذه الآراء المزعومة التي ما عاد بالإمكان اعتبارها مقبولةً، فهي في نظره ممجوجةً، وهدُفها النيْلُ من اللغة العربية في المحلّ الأوّل- لغة الكاتب التي طالما دافع عنها في غير منبرٍ ثقافيّ وفي مؤسّسة معهد العالم العربي بباريس التي يشغل فيها خطّة مُدير كرسي هذا المعهد- وهم ما زالوا يردّدون قولاً مضمونه أنّها لغةٌ عقيمٌ، لا أمل فيها، وما هي بقادرةٍ على إنجاب أدباء كبار، ثمّ الشكّ في إصدارات العديد من الكتّاب الجزائريّين المرموقين والسعي إلى وأدها وإزاحتها من الوجود. وهنا تكمن خطورة المسألة في اعتقاد الكاتب. فكان، بالتالي، أن أفرد كتابه هذا لتقديم جملةٍ من الأدباء الذين برعوا في لغة الضّاد، وأنتجوا، من ثمّة، إصداراتٍ ومعارفَ على امتداد فترات جدّ طويلةٍ. من أجل ذلك كلّه، رأيت أنّه قد يبدو من المنصف أن أقدّم، بإيجاز، لمحةً عن فصول هذا الكتاب التي، بالرغم من كونها مستقلّةً عن بعضها البعض، تؤدّي، في نظري، إلى ما يلي: لقد برع الكثير من الكتّاب الجزائريين في تدوين آثار أدبية فريدةٍ، ومن اللازّم على الباحثين، المحليّين (الجزائريّين) وغير المحلّيين الاهتمام بها والتنقير في مواطن طرافتها من أجل أن يتسنّى لهم، بعد ذلك، الوعي بها وعيا جديداً، ووضعها في سقف الاستمرار والتجاذب مع الأعمال الإبداعية الأخرى.
لتحقيق هذا الهدف، قسّم الطّيب ولد العروسي كتابه هذا إلى قسميْن: قسمٍ للدراسات وثانٍ للمحاورات. فأمّا القسمُ الأوّلُ، فقد سعى الباحث إلى الحديث فيه عن جملة من الأدباء الجزائريين الذين انمازوا من غيرهم بتأليف آثارٍ أدبية مهمّة بلغة عربية فصيحة، رغم أنّها لم تنل الحظّ الكافي من النقد والتمحيص. ولقد قدّم جرْدا أو ثبتًا لهؤلاء الكتّاب ولأهمّ أعمالهم، وهم على التوالي: محمد بن إبراهيم ومحمد بن أبي شنب وأحمد رضا حوحو ومفدي زكريا ومالك حدّاد وعبد الحميد بن هدوقة. ولم يكن المؤلّف، خلال تلك السطور، يحرم نفسه التدخّل مباشرةً في سيْر هؤلاء الأعلام للتعليق على بعض الإشكالات التي بدت له في حاجة إلى توضيحات، ولإنجاز استطرادات وتأمّلات أدبيّة وأخلاقيّة حول هؤلاء الكتّاب وحول أعمالهم. ففي معرض حديثه عن الكاتب محمد بن إبراهيم، مثلا، لم يكن الطيّب ولد عروسي يرى حرجًا في ضرورة وضع روايته “حكاية العشّاق” في المكان الذي تستحقّه، فهي، إذا ما أردنا أن نكون منصفين وعادلين، أوّل رواية كُـتبت باللغة العربية في الجزائر، وهي قد سبقت رواية “زينب” “لمحمد حسين هيكل” إلى الظهور، وإن كانت لم تبلغ المرتبة الفنيّة نفسها التي بلغتها “زينب”، إلاّ أنّها تُراعي، إلى حدّ كبير، مُقتضيات الكتابة السرديّة التي تفرضها الروايةُ. ولكنّها، للأسف، ظلّت مطمورةً ومنسيّةً من طرف النقّاد والبحّاثة، ومُستبعدةً، إلى حدّ ما، من دائرة الاهتمام النقدي.

ومن محمد بن إبراهيم، ينتقل الطيّب ولد العروسي إلى الحديث عن محمد بن أبي شنب، ليُبيّن استغرابه من قلّة اهتمام النقّاد به هو الآخر، فالرجلُ برع في الكتابة بلغة عربية فصيحة، رغم خصوصيّة السياق التاريخي وقتذاك، ومركزيّة السلطة الاستعمارية التي كانت تسعى، جاهدةً، إلى فرض اللغة الفرنسية في الجزائر وجعلها اللغة الرسمية والوحيدة في الحديث والكتابة، واعتبار كلّ أدبٍ لم يُكتب بالفرنسية أدبا فاسدا، إن لم نقل منبوذا ومُحرّما، يجب التخلّي عنه. لكنّ محاولات المستعمر هذه لم تكن بقادرة، في واقع الأمر، على منع صدورٍ عددٍ متزايدٍ من الأعمال الأدبية باللغة العربية. وههنا تندرج محاولات محمد ابن أبي شنب الذي، بالرغم من أنّه كان مُتقنا للعديد من اللغات الأخرى: كالألمانية والإيطاليّة والإسبانية، إلاّ أنّه كان، في تصوّر الكاتب، بارعا أيضا في الكتابة باللغة العربية بشعرها ونثرها. ولقد سعى الطيّب ولد العروسي، كعادته في فصول الكتاب كلّها، إلى تدعيم آرائه بجملةٍ من المؤلّفات التي أصدرها كلُّ كاتبٍ من هؤلاء الكتّاب، وذلك قبل أن يعرج، في الأخير، إلى توجيه بعض النقود الخفيّة إلى مثقّفي جيله الذين لم يلتفتوا بالبحث في المظاهر الإبداعيّة لآثار هذا الأديب، بالرغم من أنّه استثنى من ذلك محاولات بعض الباحثين الذين كانوا يخصّصون بعض المناسبات اليتيمة للحديث عنه، والتي لا يُمكنها، بأيّة حال، أن تقدّم للجمهور فكرةً شافيةً وكافيةً عن هذا الأديب الذي برع في غير مجالٍ.
ولم يكن “أحمد رضا حوحو” و”مفدي زكريا” و”مالك حدّاد”، الذين أفرد لهم الكاتب صفحاتٍ كثيرةً من كتابه، بمنأى عن هذا “التهميش”، إن جاز التعبير، رغم تميّزهم في الكتابة باللّسانيْن العربي والفرنسي، وهو تميّز يظهر من خلال لائحة المؤلّفات التي قاموا بإنجازها والتي أثبتها الكاتب في متن كتابه؛ فالأوّلُ كاتبٌ ماهرٌ، استفاد من اطّلاعه على العديد من الآداب الغربية عن طريق الرحالات التي كان يقوم بها نحو مصر والسعودية وروسيا وفرنسا ويوغوسلافيا وتشكوسلوفاكيا، وكان من أهمّ ما كتبه باللغة العربية روايته” غادة أمّ القرى”، والثاني شاعرُ الجزائر وكاتب نشيدها الوطني، والثالثُ مؤلّفٌ شجاعٌ، لم يكن يتردّد في التصريح، جهارا نهارا، بأنّ “اللغة الفرنسية منفانا، وأنّنا يجب أن نكتب بلغتنا العربية ونعبّر بها”. وإلى ذلك، فلقد أفرد الطيب ولد العروسي فصلاً للحديث عن الكاتب “عبد الحميد بن هدوقة”، الذي يأتي على رأس لائحة كبار الكتّاب الذين سعوا إلى التمسّك بهويّتهم العربية والتعبير عن قضايا شعبهم وهمومه. فهو لم يكن من أولئك الكُتّاب الذين يعيشون في برجهم العاجي، بتعبير الكاتب، إنّما كان إنسانا ملتزمًا، حريصاً على إنتاج أدبٍ عربيٍّ، رغم قدرته الواضحة على الكتابة باللغة الفرنسية؛ أدبٍ صادقٍ، منظّمٍ وقريبٍ من الشّعب، يهدف من خلاله إلى أن يُحقّق للإنسان الجزائري وجوداً جزائريًّا وللإنسان وجوداً إنسانيًّا.
ومن الجدير بالذكر، أنّ الكاتب لم يشأ، وهو يستقصي أعمال هؤلاء الكتّاب ممحّصًا مُغربلا، أن يكتفي بمجرّد استخراج هذه الأعمال وجمْعها. فلقد سعى أن يُزاوج، آناء حديثه عن هؤلاء الكتّاب، المُعاينةَ التاريخيّة بالملاحقةِ النقديّة، وكان يقدّم، متى بدا له ذلك ضروريًّا، تحليلاً نقديّاً لبعض الروايات، بما يُفيد أنّه ليس مجرّد ناقلٍ لملاحظات الآخرين، إنّما مُحلّل وناقد فقيه بطرائق التحليل الروائي أيضا. والحقُّ، إنّ هذا التداول بين النظريّ والتطبيقي هو ما سمح له بالمقابلة بين تلك الأعمال وترجيح بعضها على بعضٍ، كما أنّ هذا الأمر قد ساهم في إثراء مادّة كتابه برمّتها. وهوما يُمكن أن نعدّه إضافةً حقيقيّة في هذا السّفر الذي لا يمكن أن يكون مجرّد جَرْدٍ لسِّيَرِ هؤلاء الأعلام الأفذاذ، لا ولا هو خُلاصةُ تطبيقاتٍ لأعمالهم الأدبية، بل هو مزيج طريفٌ من هذا وذاك، يهدف من خلاله الكاتب إلى إعادة الاعتبار لهؤلاء الكُتّاب وتخليصهم من براثن الظلم والنسيان والإقرار بفاعليّة نصوصهم المتنوّعة.
ويُشار، أخيرا، إلى أنّ الكاتب قد أنهى كتابه بقسمٍ ثانٍ، أورد فيه جملةً من الحوارات التي أجراها، هو بنفسه، مع أديبيْن جزائريّيْن هما: “رابح بلعمري” و”علي بن عاشور”. وهما حواران مهمّان، بلا شكّ، لأنّ الكاتب قد تطرّق فيهما إلى العديد من الإشكالات التي تخصّ اللغة العربية والعالم العربي وعلاقة الأديبيْن بهما، كما تطرّق إلى أهمّ الأعمال التي أصدرها الكاتبان، والتي ظلّت مجهولةً، أو إذا شِئت فقُل منسيّةً، عند نسبة كبيرة من البحّاثة الجزائريّين. فهي تكاد أن لا تظهر في أبحاثهم، ويكاد ذكرها يكون صدفةً، تاركًا، بفعله هذا، للقارئ أن يُدرك بنفسه قيمة هؤلاء الكتّاب.
ولعلّ الخلاصة التي يُمكن الخلوص بصددها في هذا السّياق، هو أنّ الطيّب ولد العروسي كان يصرخ، إن جاز التعبير، بصمتٍ من بدايات هذا الكتاب إلى خواتيمه. لكنّه صراخٌ منتظم، في ما نرى، يطلب به الكاتبُ أمراً محدّدا. صراخٌ سيسمعه، بالتأكيد، الذي يعرف ما يحتاج إليه الكاتبُ. يطلب الكاتبُ من متلقّيه أن يتعرّف على هؤلاء الرموز، وأن يُعيد إليهم القيمة الحقيقيّة التي فقدوها، لأنّه يؤمن بأنّهم من أوائل الكتّاب والأدباء الذين أفادوا الناس، ففائدتهم إذن لا جدال فيها. ولهذا السبب، قبل أيّ سبب آخر، يجب أن يكونوا نماذج يحتذي بها كُلُّ مثقّفٍ.
*) باحث تونسي، جامعة السوربون، باريس 4.
صورة لغلاف الكتاب:

5

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق